إبداع

آلام فرتر الحلّي

قراءة في «رسائل إلى أميرة من سلالة الآلهة»

علي حميد الحمداني
Latest posts by علي حميد الحمداني (see all)

 يقول جبران خليل جبران في إحدى رسائله إلى الأديبة (مي زيادة): «قد فكرت بأمور كثيرة في تلك الشهور الخرساء التي مرت بدون خطاب ولا جواب ولكنه لم يخطر على بالي كونك «شريرة» أما الآن وقد صرّحت لي بوجود الشر في روحك فلا يجمل بي سوى تصديقك فأنا أصدق وأثق بكل كلمة تقولينها لي!

أنت بالطبع تفتخرين بقولك – أنا شريرة – ويحق لك الافتخار لأن الشر قوة تضارع الخير بعزمها وتأثيرها. ولكن اسمحي لي أن أقول لك مصرحاً بأنك مهما تماديت بالشر فلا تبلغين نصف ما بلغته فأنا شرير كالأشباح الساكنة في كهوف الجحيم بل أنا شرير كالروح السوداء التي تحرس أبواب الجحيم! وأنت بالطبع ستصدقين كلامي هذا. غير أنني للآن لم أفهم الأسباب الحقيقية التي دعتك إلى استخدام الشر ضدي فهلا تكرمت بإفهامي؟

قد أجبت على كل رسالة تكرمت بها عليّ واسترسلت متعمقاً بمعاني كل لفظة تعطفت بهمسها في أذني فهل هناك أمر آخر كان يجب عليّ أن أفعله؟ أو لم تبدعي لي من «لا شيء» ذنباً لتبيني لي مقدرتك على الاقتصاص؟ لقد فلحت وأحسنت البيان، أما أنا فقد آمنت باقنومك الجديد الكلي المطلق الجامع بين أسياف «كالي» ربة الهند وسهام «ديانا» معبودة الإغريق».

ويقول الدكتور علاء الحلّي لأميرته (رحيل) في إحدى رسائل كتابه «رسائل إلى أميرة من سلالة الآلهة»: «ثقي أنني لا أريد لهذه الكلمات أن تنتهي لأنها ستترك فراغًا شاسعًا في روحي.. فطوال تلك السنوات والأيام التي كنت أكتب لك فيها وجدت أن كل حرف دونته في هذه الرسائل هو نسخة عنك، وكل كلمة من هذه الكلمات هي انعكاس لروحك الشفيفة. ولك أن تتخيلي يا (رحيل) حجم الإرهاق والتعب الذي يعتري كاتبًا أعيته الكتابة وهو يحاول جاهدًا محاورة هذا العدد الهائل لنسخك التي لا تنتهي. فكل نسخة من هذه النسخ تأخذ بيدي إلى منعطف في هذا الأفق المترامي، وكل منعطف يذهب بي إلى منعطف آخر وإلى أفق آخر وإلى مدينة بعيدة أخرى، وإلى قصيدة حزينة أخرى وإلى شاعر آخر وإلى كاتب آخر وإلى فيلسوف آخر وإلى عاشق بائس آخر.

حتى أن حروفي هذه أصبحت تمشي بظهرٍ أحدب من سفرها الدائم وهي تجد السير بدأب نحوك يا عزيزتي لكي تصل إليك بكامل نشاطها وعنفوانها واناقتها ). ويقول جوته في (آلام فرتر) (يخطر ببالي أنْ أمزِّق صدري ورأسي كلما رأيت الناس لا يغني بعضهم عن بعض شيئًا فلا يستطيع أحدهم أن يمُدَّ الآخر بشعاع مِن فكره، ولا بعاطفة مِن قلبه، ولا بإثارة من حُبّه وهل في قدرة إنسان أن يحبوني الحب والمسرة والحرارة واللذة إذا ما عدمت ذلك في نفسي.. وهل في قدرتي أنا وقلبي فيّاضٌ بالغبطة والسعادة أن أُسعد إنسانًا آخر قد وقف أمامي جامدًا باردًا لا قوّة فيه ولا حساسية) هكذا نجد أن (جوته) قد وضع بين يدي (علاء الحلي) قلبه (الفياض بالغبطة والسعادة) وفتح أمامه طريق البحث عن (السعادة) التي يستحقها (الإنسان الآخر) من قبل أن يضطره حبس (شعاعه الفكري) إلى تمزيق (رأسه وصدره).

لكن (جوته) وضع (علاء الحلي) في موقف يحتاج إلى قرار جريء فهو لم يعطه أكثر من ذلك القلب الفياض وسلّحه بالسعادة المطلقة (التي لم يجير له صكوك أسبابها) وألبسه ثوب الارتباك والشك المكبوت داخل عقل (جبران خليل جبران) والذي حرص جبران على إخفائه جيدًا رغم تفلّت بعض الكلمات والجُمل على شكل فقاقيع متذمرة تنتشر هنا وهناك على سطح سيل العواطف والتنظير المتسلسل الفاتن الذي زخرت به  (رسائل جبران).

هذا العطاء والتسليح (الغيتوي) لم يحد من جرأة (علاء الحلي) بل حَفَّزَ ذكاءه ليستدير بمهارة فائقة ويراوغ  (غوته) في خطة دفاعه عن اسلوبه الفلسفي ويخطف من (غوته) أقوى الحصون التي اختار القتال من خلفها. ذلك الحصن هو (فرتر) ذاته، الجدار الذي استخدم (غوته) من خلفه أمضى اسلحته ونصب شراكاً ذات إغراء شهي جدًا من المستحيل أن ينجو منه المبدعون فوق العادة الذين يحملون قلوبًا وعقولًا عابرة لكواكب الألم أمثال (علاء الحلي) الذي ارتدى جناحي الحرية وتوغل في (آفاق فرترية) ووصل إلى مملكة تراكم فيها الصمت الإلهي عن موبقات البشر ولم ينبس أي ربّ فيها ببنت شفة احتجاجًا على ما يرتكبه باسمه عابدوه وكهنة معابده والحاكمون باسمه وتحت ظل قوانينه.

فنحن إذًا أمام رسائل للشاب فرتر وجبران خليل جبران والدكتور علاء الحلي تقمصت ترجمة ذاتية تنافست في قوتها الفلسفية وطرحت كل منها أفكارًا وصلت في عمقها إلى أن تكون مرآةً يطل عليها القارئ ليدهشه عري القارئ ذاته ومدى تمكن الدكتور علاء الحلّي من تشريح جسد الذات بكل صدق وجرأة وفض الاشتباكات التي تؤدي إلى عسر فهم الركام الذهني المشحون بعاطفة لا يتيسر فهمها وتصنيفها. 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى