إبداع

أبيض وأسود

قصة من مجموعة «11 في كتاب» الفائزة بمسابقة همس الأوراق برعاية دار النخبة

Advertisements
Latest posts by د.تامر عزالدين (see all)

نباح الكلب لا يتوقف، لم يكن يهاجمني لكنه كان متحفزًا، لم أتصور في أسوأ كوابيسي وأكثرها ظُلمة أن أقف هذا الموقف. لم يكن يساورني شك أن هناك من يدبّر لي شرًا؛ فكل الشواهد كانت تشي بذلك، منذ ذيوع تلك الوشاية التي أطاحت برئيسي، لأجد نفسي أول المرشحين لمنصبه واعتلاء كرسيه، حتى أصبح الكل متأكدًا أنني أنا هذا الخسيس صاحب هذه الوشاية، بعدها وجدت ذلك المبلغ الضخم في درج مكتبي في نفس الوقت الذي دخلَت فيه تلك الشحنة الفاسدة للبلاد بشكل يوحي أنني تلقيت رشوة من أجل ذلك، لم أجرؤ على فضح الأمر، فكل الأصابع ستشير إليّ في نهاية الأمر، ثم هذا الهمس المستتر والكلام المتفلِّت من وراء الأبواب وخلف المكاتب من أُذن إلى أخرى كان السبب وراء طلاق سكرتيرة مكتبي من زوجها.

 كيف يصدق هذا المغفل أنني على علاقة بزوجته وهو أعز أصدقائي، لم يمهلني فرصة لأوضّح له الحقيقة فقد قرر مفارقة الحياة.. كنت متأكدًا أن هناك من يدبّر لي شرًا، لا بد أن أكشفه.

استمر الكلب في نباحه بشكل مزعج وهو متحفز، وأنا أقف مكاني لا أدري ما يجب عليّ أن أفعل في هذه اللحظة التي لم أتوقعها في أسوأ ظنوني. وصل شكّي إلى يقين، زوجتي تثير ريبتي، طريقة كلامها معي وكثرة غيابها عن المنزل، برودها تجاهي، كلها أمور تؤكد أن هناك رجل.

إنها تخونني، لا بد أن عشيقها وراء كل هذه المؤامرات التي تحدث في حياتي بشكل محبوك وترتيب دقيق، يجعلني دائمًا أظهر في صورة ذلك الشخص الانتهازي الخسيس، الذي لا يتورّع عن فعل أي شيء في سبيل نجاحه.

لا بد أن أعرف هذا الوغد، أن أكشف خيانة هذه العاهرة التي نسيت كيف جعلْت منها سيدة مجتمع، كيف تتآمر عليّ بهذا الشكل؟، لماذا تذهب إلى منزل عائلتها القديم خلسة؟، إنهما يتقابلان هناك بلا شك، قررت أن أفاجئهما، فهي لم تكن تعرف أني أذهب هناك من حين لآخر، حيث اكتشفت أن هذا المنزل هو وكرها الخفي.

هذا الكلب اللعين لا يكُف عن النباح.. إنه الكلب الذي يحتفظون به في منزلهم القديم لحراسته، كنت أذهب إليه من حين لآخر من أجل رعايته وإطعامه، لم أتوقع أن يحدث هذا، ربما توقف قلبي للحظات، وتوقفت أنفاسي بمجرد أن اقتحمت الباب، دخلت لأجد نفسي كأني أواجه مرآة!

 كان ينظر إليّ، إنه نسخة منّي نفس الملامح، نفس الشعر، نفس القامة، الاختلاف الوحيد أنه أسود، نعم بشرته سوداء، هل يمكن أن يتشابه التوائم في كل شيء إلا لون البشرة؟!

بادلني نظرة طويلة تبعتها اختلاجة في فمه تنذر بابتسامة إنه يسخر منّي، تسمّرت في مكاني لا أقوى على النُّطق، لا أذكر أن أبي أخبرني يومًا بأن لي أخًا توأم، هل أخفى عنّي هذا الأمر طوال حياتي، ربما.. فقد كان يخفي عنّي الكثير، أظن أن الأمر حدث عندما انفصل عن أمي فأخذَت توأمي وتركتني أنا مع أبي.

لماذا ظهر فجأة في حياتي؟، إنه يتآمر عليّ، دمَّر حياتي، خطف زوجتي منّي، اندفعت أبحث عنها، لا بد أنها موجودة معه بالداخل.

لماذا ينبح هذا الكلب هكذا؟

لقد كانت هناك بالفعل داخل غرفة النوم، لم أصدّق كل أكاذيبها، إنها متلبّسة بالخيانة، تحاول أن تبرر موقفها هذه العاهرة لن أغفر لها.

 كيف تدّعي أنها لم تخُنّي؟، كيف تدّعي ذلك وهو واقفٌ بكل برود أمام الباب يبتسم بسخرية منّي؟، كيف تدّعي أنني قد تغيرت تجاهها وتركتها لتعيش هنا وحدها؟، كيف تتهمني أنني كنت أخونها مع سكرتيرتي؟، فلمّا فضح أمري قتلت زوجها أعز أصدقائي.

إنها تصدق كل الأمور الخسيسة والسخيفة التي تُقال عني، تنكر والحقيقة واضحة الآن، أخيرًا اكتشفت من وراء كل هذه المؤامرات. تتهمني بأنني أسير وراء الشيطان، كيف تجرؤ أن تقول هذا وأنا أنقى إنسان عرفته في حياتها؟ ألم تقُل لي ذلك عندما طلبتها للزواج:

 -أنت إنسان طيب لكن مشكلتك أنك ضعيف.

قلت لها ساعتها:

-هابيل كان طيب فتقبَّل الله منه.

لا أنسى ردها:

 -قابيل قتله، لم يسلم هابيل الطيب، ولم تشفع له طيبته ولا قُربانه، وبقى قابيل الشرير القوي.

فهل هذا الأحمق الذي يقف بالخارج أقوي منّي؟ وإن كان كذلك فهو خسيس، شرير.. هذا الأحمق اقتحم حياتي ليدمّرها، أغوى زوجتي، أخذها منّي، لا لشيء إلا لأن أبي تركه مع أمي، لم يسأل عنهما.. أليست هذه هي الحقيقة؟!

 لماذا تُنكر الحقيقة وهي واضحة وضوح الشمس؟، أنا الذي لم أفهم منذ البداية؛ كانت ترى الناس أبيض أو أسود، ترى الأبيض ضعيف، تستهين به، ترى الأسود قوي، تحبه، هي مَن اختارت توأمي، لماذا تُنكر أنها خانتني معه؟

الكلب ينبح متحفزًا، متكومة هي الآن تحت قدماي لا تتحرك، لا تجرؤ أن تتنفس، لن أسمح لها أن تقول ذلك الهراء.

فككت يدي من حول رقبتها، قلت لها:

 -لم يتغلب عليّ. 

لم تسمعني، لن تسمعني.. نباح الكلب لا يتوقف، يهاجمني كأنه رأى شيطان، لم أتصور ذلك في أسوأ كوابيسي وأكثرها ظُلمة.

 أنظر إلى بشرتي في المرآة التي تواجه باب المنزل، لا أصدق، إنها سوداء ليست بيضاء كما كنت أظن.

من القصص الفائزة بمسابقة همس الأوارق، بعنوان «11 في كتاب» تحت رعاية دار النخبة .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى