كتاب الأسبوع

«أحاديث ملغومة».. قصص المجتمع السوداني

الأحاديث التي دفنت طويلًا تحت أرضٍ متحركةٍ ومليئةٍ بالتغيرات

كتاب «أحاديث ملغومة» قصص قصيرة وكتابات، للكاتب السوداني سامح الشيخ.

يقع الكتاب في 124 صفحة من القطع المتوسط، ويضم كتابات وقصص قصيرة يتناول فيها المؤلف قضايا متنوع يرصد ويوثق جانب من حياة السودانيين.

المقدمة

يقول الكاتب عثمان نوار في مقدمة الكتاب:

تجرأ هذا الكتاب الملغوم بكثير من الأحاديث التي دفنها مجتمعنا السوداني طويلًا تحت أرضٍ متحركةٍ ومليئةٍ بالتغيرات التي تمنى حُراس الفضيلة ألا تنجح أبدًا في فضحِ وفتحِ تابوهات المسكوت عنه في بلادنا المكلومة ببينها ونخبتها ومثقفيها خاصة.

إن خطوة الكاتب، الشاب المتمرد كثيرًا، والذي يبحث في عميق أدابير ثقافتنا المتشابكة، والمشتبكة مع ماضي نهرب منه، وحاضر نتوه فيه، ومستقبل لا نعلم إلى أين يسوقنا، إن خطوته في تفجير هذه الأحاديث الملغومة الآن، إنما هي ثورة صغيرة داخل ثوراتنا الكبيرة، التي لا زالت تتشكل وتتبلور بتضحيات عظام وألم أعظم، وأن جيل الكاتب “حسام” ومن تبعه من أجيال، هم أصحاب القلوب الثابتة التي اختارت المواجهة لا الهروب، وإن كانت شيمة ما سبق من أجيال مثقفينا السابقين هي الإبقاء على أغلب ما تركه الأولين على حاله.

سلسلة من النوافذ المضيئة

إن هذا الكتاب، هو سلسلة من النوافذ الصغيرة التي تشع بنورها على كثيرٍ من المسكوت عنه، وكثير من تأملات أجيال متعاقبة، تلمست في مكبوتات ثقافتنا وتقلبات أوضاعنا السياسية والاجتماعية كثيرًا من الذي يُستدعى التوقف عنده، إن أحاديث حسام الملغومة، وهي دعوة لنزع ألغام الخوف والعزلة عن واقعنا الاجتماعي والسياسي والثقافي المتلبس بكثير من أجزاء تاريخنا ومالات حاضرنا التي ظهرت والتي لم تظهر بعد.

على بُعد خطوات من الحلم، وفي أعماق أسئلة تضج بها كثير من الصدور، وعلى حافة وطن يترنح، تأتي هذه الكتابات والقصص القصيرة؛ لتعيدنا إلى أهمية النظر إلى سوداننا الضاج بالصمت على أهم الحقائق، بصورة أكثر وضوحًا، وأكثر قدرة على المواجهة والاعتراف.

إن هذه القصص القصيرة والكتابات التي سجلها هذا الكتاب، هي محاولة لرصد وتوثيق جانب من حيوات السودانيين المنسيين الذين لا يعترف بهم نظام التعريف، والاعتراف الذى أزاح عن كاهل منظريه وصانعيه حمل تعقيدات وطن متنوع ومتلون، وأكثر غنى من المخيلات القاصرة للذين أرادوا حصره في مُعلبات متوهمة، ألبسوها زي الدين حينًا، وزي الفضيلة الغائبة أحيانًا أخرى.

تملكتني كقارىء مشاعر عدة، وذكريات أمكنة، وأشخاص رأيتهم أحياء في هذا الكتاب المهم، الذي عبَّر بمصداقية عالية عن تعقيدات المجتمع السوداني الحديث وعن احتواءه على تشوهات وعلى جماليات أيضًا لا زالت كنوزًا لم تكتشف، نحتاح إلى النظر إليها مليًا وجليًا؛ لنفهم الشخصية السودانية الحديثة بكل تعقيداتها، ولكي نستوعب أيضًا كثيرًا من تناقضاتنا وبعض نقاط قوتنا كمجموعات سكانية لا زالت ترنو إلى الوصول، إلى تواصلات وتفاهمات تجمعها في وطن لا زال يتشكل.

من «أحاديث ملغومة»

قد دنا عذابكم / قصة قصيرة

منذ أن استجاب الله دعوات كثيرًا من المسلمين، بأن يهدي الله إحدى الأمريكتين إلى الإسلام، والفرحة لا تبارح العالم الإسلامي بدخول أمريكا الشمالية الإسلام  متمثلة في دولها الثلاث: الولايات المتحدة الأمريكية، وكندا والمكسيك، في دين الله أفواجًا.

أسلمت الولايات المتحدة الأمريكية، وصارت على المذهب الشيعي، ويرجع الفضل للدعاة الإيرانيين الذين أفلحوا في إقناع البيت الأبيض بإعلان إسلام الولايات المتحدة، وانتشرت الحُسينيات في أنحاء أمريكا من فلوريدا وتكساس إلى واشنطن ومينسوتا وأريزونا، وأصبحت تقام الاحتفالات واللطميات وكل الطقوس الدينية للمذهب الشيعي بكل أرجاء الولايات المتحدة الأمريكية، أما مونتريال.. فقد كان للمبتعثين السعوديين الفضل في إعلان إسلامها على المذهب السُني، ونهج المجدد الديني الإمام “محمد بن عبد الوهاب”، وكان للتعاون الاقتصادي بين مكسيكو سيتي وسلطنة عمان أن يكون من ثماره دخول دولة المكسيك للدين الإسلامي واعتناقها المذهب الإباضي.

في غضون تلك التحولات الدراماتيكية العالمية، طالبت كندا بعودة ولاية ألاسكا الأمريكية لأراضيها، ما اعتبره الأمريكان مؤامرة دبرها الكنديين بالاتفاق مع المملكة العربية السعودية، التي  تعتبر ألاسكا أراضي تابعة لكندا السُنية، ولا يجوز وجود شيعة أمريكان بها، ما زالت الأوضاع متوترة بين الدولتين في الوقت الذي التزمت فيه المكسيك الحياد، وتقول الأخبار أن الحوثيين في ألاسكا يتلقون دعمًا إيرانيًا، في حين أنه صار في حكم المؤكد إرسال قوات من التحالف العربي إلى كندا، جنود من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، بالإضافة لقوات الجنجويد السودانية شبه النظامية، المعروفة بقوات الدعم السريع التابعة للجيش السوداني؛ احترازًا لما هو متوقع من تقويض للشرعية في كندا، التي من المرجح تقويضها بواسطة المليشيات الحوثية الأمريكية المتواجدة بولاية ألاسكا.

من كنبو .. المستحيل ../ قصة قصيرة

الطائرة على وشك الهبوط بمطار بروكسل، ارتسمت ابتسامة على وجه الحاج موسى عيسى، وهو ينظر من شباك النافذة، فقد كان المنظر بالفعل كما وصفه له ابنه يحيى، فقد كان يُشبه له الخضرة بالضاحية التي يعيش بها ببروكسل، منذ عشرة سنين بعد أن عبر لبلجيكا البحر من ليبيا يشبهها لوالده دائمًا، عندما يتحدثان عبر الوسائطن، يشبهها له بخضرة جبل مرة الدائمة في دارفور.

ربما ابتسم الحاج عيسى؛ لدقة وصف ابنه الذي لم يرَ جبل مرة، ولم يرَ دارفور فقط عبر حكاياته له عن الجبل، لثواني معدودة وهو ينظر من نافذة الطائرة رأى وجه المرحومة حليمة زوجته وأم ابنه الوحيد يحيى بين ركام سُحب شهر يونيو الصيفي، وظل يدعو لها بالرحمة إلى أن هبطت الطائرة.

في نفس الليلة، وبعد أن صلى العشاء فتح شباك الشقة التي يملكها ابنه يحيى  ببروكسل، وناجى نفسه بعد تنهيدة وزفرة مريحة للصدر، شتان بين أن تعمل في نفس المجال الذي يعمل به ابنك، مجال البنيان في السودان وبلجيكا، فقد عملت لمدة ثلاثين سنة، ولم أستطع شراء وامتلاك منزل بأي مدينة من مدن السودان، وبعد أن هدمت الجرافات المنزل الذي عشت فيه بكنبو أفطس بالجزيرة، لم أكن أعلم أنني سأنتقل للعيش بمنزل يحيى ببروكسل بهذه السرعة، لكن ألم أقل لكِ يا حليمة قبل وفاتك؛ بسبب الولادة، أنني سأسمي ابننا يحيى ليحيا.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى