إبداع

أشباح المنامة

حكاية غريبة محيِّرة خارجة عن المألوف ليس لها نهاية محددة

أسامة إبراهيم
Latest posts by أسامة إبراهيم (see all)

كثيرًا ما كان فتيان القرية يتحلقون كل مساء حول أحد شيوخها، يستمِعون إليه بشغف وانتباه وهو يقصُّ عليهم حكاية غريبة محيِّرة خارجة عن المألوف، ليس لها نهاية محددة، ثم يتحدى مَن يستطيع فك غموضها أو يضع نهاية منطقية لأحداثها.

كنتُ شغوفًا بالاستماع إلى تلك الحكايات الغامضة، وأترقب كل مساء لاستمع لإحداها تحت سفح جبل أسيوط الغربي وسط الظلام الدامس في الليالي غير القمرية، مما يزيد من الطابع الأسطوري والغموض والخيال اللا محدود… بعدها لا أنام الليل مفكرًا في أحداث هذه القصة أو تلك، محاولًا فك طلاسمها التي غالبًا ما تستعصي على الحل.

إلا أن حكاية «المنامة المبعثرة» التي قصَّها علينا (الحاج حلفاوي) في أمسية مثيرة جعلتنا جميعًا نقف أمامها حيارى عاجزين عن إيجاد تفسير منطقي لما حدث، بما فيهم أشدنا ذكاءً.

تحكي القصة عن مقبرة جماعية -يُطلق عليها (منامة) باللهجة الصعيدية- مملوكة لعائلة كبيرة عُرِفَ عن زعيمها قسوة القلب والشراسة في التعامل مع الآخرين وظلمهم وأكل حقوقهم، فكان معظم أهل القرية يخشونه ويكنون له كراهية عميقة، طبعًا باستثناء حاشيته من المنتفعين.

ذلك الرجل اسمه (مراد)، إلا أنه اشتهر بلقب (مارد) لشدة بطشه وجبروته، وله ابنة تسمى (عوالي)، لا تعجبها تصرفات والدها وتعترض عليها أمام الجميع رغم كثرة تهديداته ووعيده لها.

 في ليلة ليلاء، فوجئ الناس بالإعلان عن موت (مارد) في ظروف غامضة، وتم دفنه بالمقبرة بشكل عاجل بجوار جثث زوجته ووالديه.

وقد بررت العائلة العجلة في الدفن بمقولة «إكرام الميت دفنه»، وهو ما لقي قبولًا وترحيبًا من الجميع، متهامسين فيما بينهم بأن «موت الظالِم رحمة».

مضت عدة شهور على موت (مارد)، ثم لحقت به ابنته (عوالي) وهي في ريعان شبابها فحزن عليها الجميع… وعند فتح المنامة لدفنها فوجئ الأهالي بأن جثة (مارد) مُزحزحة بعيدًا ومنكفأة على وجهها، وكذلك الحال بالنسبة لجثة زوجته، بينما جثث والديه في مكانهما لم تتحركان.

تهامس الأهالي أن ماردًا من الجن السفلي أو ساحرًا شريرًا قد دخل إلى المنامة وفعل فعلته، خاصة أن تلك المنامة بالذات مُحكمة الغلق ولا يجرؤ أحد على الاقتراب منها، ناهيك عن العبث بها لقوة وشكيمة العائلة المالكة لها.

عندما لم يجد الناس تفسيرًا لما حدث في المنامة، تم إعادة ترتيب الجثث بعد وضع جثة (عوالي)، وأغلقت المقبرة بإحكام شديد، وعيَّنت العائلة حارسًا دائمًا عليها، خوفًا من قيام بعض المتربصين بفتحها والعبث بها على سبيل الانتقام أو التشفي.

مضت ثلاثة أعوام تقريبًا على تلك الحادثة، بعدها توفى أحد أشقاء مارد، وعندما فتح الناس المنامة لدفنه فوجئ الجميع بأن حطام الجثث مبعثرة أكثر من المرة السابقة، باستثناء جثة عوالي، رغم إقامة حارس بشكل دائم، إضافة إلى عدم وجود أي علامات تدل على أن أحدهم قد فتح المقبرة.

وفي مرة أخرى، وأثناء محاولة العائلة فتح المنامة لدفن ميت جديد، وجدت صعوبة بالغة في ذلك، وبعد جهد جهيد فتحت المقبرة فوجدت الجثث في حالة من الفوضى العارمة والأتربة تغمر الجُثث، باستثناء جثة (عوالي) التي ظلت على حالها.

لم تجد العائلة من حلٍ سوى بناء مقبرة جديدة ونقل جميع الجثث إليها لتجنب المزيد من الفضائح التي تواجهها في كل مرَّة عند دفن أحد أمواتها.

انتهى الحاج (حلفاوي) من قصته الغريبة، وكالعادة فشلنا جميعًا في إيجاد تفسير منطقي لما حدث.

بعضهم قال إن السبب ربما يكون هزات أرضية، لكن هذا التفسير لم يلق القبول من أي أحد، لأن القرية لم تشهد طوال تاريخها أي زلازل، كما أن هذا الأمر لو حدث لشعر به الناس وتأثرت من تبعاته كل المقابر والبيوت.

بعض المؤمنين بما وراء الطبيعة قال إن السبب هو أرواح هائمة لموتى تعرضوا لظلم سابق من (مارد)، فقاموا من مرقدهم وفعلوا هذه الأفعال الانتقامية، وقال آخرون إنه بفعل السحر الأسود، لكن هذا التفسير أيضًا لا يوجد أي دليل عقلاني عليه.

بالنسبة لي، لم أقتنع بأي من التفسيرات السابقة، فعبرت عن اعتقادي بأن القصة كلها هي من اختراع بعض الذين يهدفون إلى التشنيع بعائلة المارد… إلا أن معرفتي الشخصية براوي القصة (الحاج حلفاوي)، تشير إلى أنه لم يُعرَف عنه نقل الروايات إلا إذا كان متأكدًا من صحة أحداثها.

في النهاية، لم يستطع أحد تقديم تفسير أو حل منطقيًا لهذا اللغز الذي ما زال يحيرني كما حيَّر الكثيرين، ويظل السِر غامضًا لا يعلم حقيقته إلا الله العليم.

من المجموعة القصصية أشباح المنامة

الصادرة عن دار النخبة للنشر والطباعة والتوزيع

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى