أخبارنا

أشعار «عبدالمحسن» في دراسة أكاديمية

ثقافة الشاعر أحد الركائز المهمة في النتاج الفني

نشرت مجلة «آداب ذي قار» العراقية المتخصصة في الدراسات الأدبية والتابعة لجامعة سومر العراقية دراسة مقدمة لقسم اللغة العربية بكلية التربية الأساسية-جامعة سومر، قام بإعدادها م.د جواد هادي حسين الفضلي، في دواوين الشاعر عصام عبد المحسن الصادرة عن دار النخبة العربية، بعنوان «أثر ثقافة الشاعر في بناء نتاجه الفني: دراسة في ضوء سيمائية الثقافة- عصام عبدالمحسن المصري اختيارًا»

وجاء في الدراسة..

تعدَ ثقافة الشاعر أحد الركائز المهمة في النتاج الفني الذي يسعى المبدع لإخراجه بأجمل صورة للمتلقي من أجل كسب تفاعله وتقبله للنص الإبداعي، وذلك بوساطة نثر الإشارات الثقافية التي تؤسس لبؤرة مركزية في قراءة العمل الفني، وإثارة مكنوناته لدى القارئ، ليكون منتجاً آخراً فاعلاً في تلقي الرسالة المتوخاة من العمل، التي تعدَ محور اهتمام الباث في بناء نصه الإبداعي.

مقدمة البحث

 ويقوم البحث على مقدمة درسنا فيها الثقافة بشكل عام، وثقافة الشاعر وأثرها في تميز صاحبها على أقرانه بوساطة خزينه المعرفي والثقافي بشكل خاص، وما كان لهذه الدراسةِ بدٌّ، إلا التطرق لعرض المفاهيم التي تُعد من صميم أدواتها الإجرائية، لذا قُسمت على أربعة مباحث (تنظيراً وتطبيقاً)؛ فالأول بحث: السيمياء وتاريخ تطورها وابرز علمائها المؤسسين لهذا العلم الحديث، ثم درسنا سيميائية الثقافية وابرز تعريفاتها ومفاهيمها ، وآليات تحليل الخطاب سيميائياً.

وأما المبحث الثاني؛ فدرس الإشارات الثقافية الدينية ومدى تأثيرها في بناء النص الأدبي، وكيف تعامل معها المبدع في إخراج مكنوناتها المشتركة مع القارئ، ثم جاء المبحث الثالث ليقف فيه على الإشارات الثقافية التاريخية والأسطورية الشعبية التي نثرها الشاعر في نصوصه الشعرية، فيرى مدى أثرها في استجلاء فهم الآخر عن طريق المشتركات القائمة بينهم لتلك المضامين المنثورة في عمله، وأما المبحث الرابع، فكشف عن أثر الإشارات الثقافية الأدبية في بيان النص، وكشف غاياته المرجوة منه في فهمه لمكنوناته واستجلائها، وفي ختام البحث استخلصنا ابرز النتائج المتوخاة من هذا العمل التي يمكن الخروج بها بعد الغوص في نتاج الشاعر الثري بالعلامات السيمائية الثقافية المتنوعة..

أثر ثقافة الشاعر

     تعدَ الثقافة في عموم مجالاتها وتنوعاتها ورصدها للعالم حاجة أساسية للتواصل والتجاوز، ولاسيما في الأدب والفن، إذ نستكشفها في آفاق العمل الأدبي، ومدياته وتضاعيفه، لنبحر عن طريق بحثنا وتقصينا واستمتاعنا لرؤية الشاعر، وتطلعاته، ومنجزة الإبداعي، واكتشافنا لمزايا مشروعه الفني، الذي يُحمله الشاعر أثر ثقافته الفكرية والمعرفية بشكل بارز الملامح في نصه الإبداعي (فالأدب بصورة عامة والشعر منه بصورة خاصة ثمر من ثمار الثقافة ومعطى من معطيات المعرفة الذهنية)، لذلك فالنتاج الأدبي هو تجسيد لمحمولات ثقافية وعطاءات فكرية تحملها ذاكرة الأديب لتترجم في عمله الإبداعي ويستحوذ بوساطتها على لب المتلقي ويتقاسم معه المشتركات الثقافية التي تسهم في فهمه وتذوقه، فيصبح العمل الإبداعي نقطة ارتكاز وتقارب، يستشعرها المتلقي عن طريق فضاءاتها الواسعة المحملة بالتنوعات الثقافية التي تؤسس لوعي جمالي ودلالي مؤثر في فكره.

 لذا تعد ثقافة الشاعر أحد ركائز العمل الأدبي، التي من دونها يضعف العمل ويفقد بريقه ويبتعد عن الفهم والتذوق، وبذلك (يؤدي إلى الغاء الأدبية والقضاء على العلاقات الإبداعية المتبادلة بين النص والقارئ)، فلا يستطيع القارئ في هذا الحال من فهم النص الإبداعي وإطلاقه من سياقاته الثقافية، وذلك لاحتكار ثقافة الباث عليه وضبابيتها وصعوبة تحليل انساقها على وفق المشتركات الثقافية التي يشترك بها معه القارئ.

 وهذا يؤدي إلى إن ثقافة الأديب لابد أن تجد سبيلها في أدبه أن كان موافقا أو مخالفا، لأن أثر تلقيها لا يستطيع له رداً، ونجد ذلك واضحاً عن طريق قدرته على التنسيق بين معطيات ثقافته وبين ما يرمي إيصاله إلى الآخر، وعكس ذلك يؤدي إلى تحشيد تلك المعطيات حشداً وتكديسها بشكل ينم عن سوء استعماله لها وعدم قدرته على توظيفها بشكل يضمن تفاعل المقابل معها ، وبذلك يفقد النص الإبداعي غناه الدلالي وتأثيره المعنوي لدى القارئ بوساطة عدم التفاعل والمشاركة الحقيقة في أعادة بناء النص وتشكيلة من وجهة نظر المتلقي، بوصفه باعثاً للحياة فيه و(طرفاً أساسياً في عملية خلق عوالم الممكنة «أبنية ثقافية» للنصوص).

الوعي الثقافي للمبدع

     ويأتي هذا من مفهوم الوعي الثقافي للمبدع من حيث الجوهر بذلك الوعي بالذات في مراحله المستوعبة داخليًا بدرجة عالية، وهي المراحل التي لا يكون الفرد فيها غارقاً من دون وعي منه في الثقافات الاجتماعية، بمعنى أن وعي الذات بذاتها لا يتشكل بمعزل عن جدلها مع المتلقي ومع العالم ، ولا يمكن للوعي أن يصل إلى هذه المرحلة من دون وعي ثقافي يستعمله في انتاج نصه، فالوعي الثقافي يتمثل في تلك القدرة التأملية والقدرة على الافصاح عن مكنونات الذات باستعمالها في العمل الابداعي بشكل جوهري.

 ومما تقدم يفهم من الوعي الثقافي هو قدرة المبدع على استرداد ذاكرته أو استعادة صورته عن طريق المحمولات التاريخية في إطارها الخارجي وبوعيه بمحمولات لا تاريخية في عمقه الإنساني، لأنه خاضع في الوقت نفسه لمضمرات ثقافية خفية وظاهرة تحكم مقاصده وتوجهاته ، فالنظام الثقافي السائد في المجتمعات على طول مراحل تطوره، يقابله وعي معين هو الذي ينتج الخطاب الأدبي، والخطاب يجسد الوعي والنظام الثقافي والاجتماعي معاً.

 ولذا نستنتج أنه لا غنى للأديب عن مورثه الثقافي في بناء نصه الإبداعي، لأنه بصورة عامة، والشاعر بصورة خاصة يستمد معطياته من تلك الثقافة سواء أكان هذا الموروث موضوعيا أم فنيا ، فيحيل نظره في تجارب سابقيه وما ابدعوه وما خلفوه ، ليتسنى له الابداع في تجاربه الذاتية، لاسيما وإن الإبداع (انبثاق من الماضي وخروج عنه باستمرار) ، وهنا يظهر تأثر الشعراء بتراثهم واستثماره لتبرز مقدرتهم الشعرية، وامتلاكه الموهبة الفنية تمكنه من التعامل مع الموروث ببراعة واتقان .

 المبحث الأول: السيمياء

    السيمياء من العلوم الحديثة التي ظهرت على يد العالم فيرديناردي سوسير (1857-1914)، وقد نظر هذا العالم لها بمنظار لساني (لغوي) وليس فلسفياً، وقد كانت أفكاره وتفسيراته حول هذا العلم محدودة، لأنه تطرق إليه اثناء الكلام، فالإشارة المتنوعة تدخل كلها فيما سماه بالسيميولوجيا، التي تدرس حياة الإشارة في مجتمع من المجتمعات، ويمكن أن تكون جزءاً من علم النفس الاجتماعي، فهذا العلم يدرس بنية الإشارات ويوضح الأنظمة والقوانين التي تحكمها وهو غير قائم – حسب رأي سوسير- لهذا فلا أحد يستطيع أن يعرف ماهيته، غير أنه في سعي دائب لتحقيق وجوده، ونجد أن السيمياء لم تصبح علماً قائماً بذاته إلا بعد الجهد الذي قدمه الامريكي تشارلز بيرس(1839-1914)، إذ قام بوضع نظرية خاصة بالإشارة، وهي شاملة لجميع العلوم الإنسانية والطبيعية، إذ يقول (ليس باستطاعتي أن ادرس كل شيء في هذا الكون، كالرياضيات، والأخلاق، والميتافيزيا، والجاذبية الأرضية، والديناميكية الحرارية، والبصريات، والكيمياء، وعلم التشريح المقارن، وعلم الفلك، وعلم النفس، وعلم الأصوات، وعلم الاقتصاد، وتاريخ العلم، والكلام، والسكوت، والرجال، والنساء، والنبيذ، وعلم القياس، والموازين، إلا على أساس أنه (نظام سيميولوجي)، ومن هذا الكلام أصبحت الإشارة الدالة مهما كان نوعها ضمن علم السيمياء.

    وعليه يكون لدينا اتجاهان في السيمياء؛ الأول: يحدد ماهية العلامة ويدرس مقوماتها ويركز على الوظيفة الاجتماعية للإشارة، أما الثاني: يركز على توظيف العلامة في عمليات الاتصال ونقل المعلومات، أي التركيز على الجانب المنطقي لها.

 ويحدد بييرجيرو السيمياء بقوله: (علم يدرس أنساق الإشارات :لغات أنماط إشارات المرور إلى آخره وهذا التعريف يجعل اللغة جزء من العلامة)، ومن تحديده أعلاه يظهر أن هناك اجماعاً يقر بأن الكلام ببنيته المستقلة التي تسمح بتحديد السيمياء بالدراسة التي تتناول أنظمة العلامات الألسنية وغير الألسنية، فهي (علم من الإشارة الدالة مهما كان نوعها وأصلها، وهذا يعني أن النظام الكوني بكل ما فيه من إشارات ورموز هو نظام ذو دلالة ، وهكذا فإن السيميولوجيا هي العلم الذي يدرس بنية الإشارات وعلائقها في هذا الكون ويدرس بالتالي توزعها ووظائفها الداخلية والخارجية)، إذ إن النواة التي تكون النظام اللغوي وغيره، هي العلامة نظراً لطبيعتها الدلالية والإبلاغية، أو التواصلية.

المطلب الأول: سيميائية الثقافة

    وهي واحدة من السيميائيات التي كان لها دورٌ بارزٌ في تحليل الخطاب الفني والأدبي لما لها من قدرة عالية على فك شفيرات النص واستخراج مكنوناته وفهم مقاصده ، ونعني بسيميوطيقا الثقافة أو الثقافات (دراسة الأنظمة الثقافية باعتبارها دوالاً وعلامات وأيقونات وإشارات رمزية لغوية وبصرية بغية استكناه المعنى الثقافي الحقيقي داخل المجتمعي، ورصد الدلالات الرمزية، والانثروبولوجية، والفلسفية، والاخلاقية، ولا تقتصر هذه السيميوطيقا على ثقافة واحدة أو خاصة، بل تتعدى ذلك إلى ثقافات كونية تتسم بطابع عام قوامها: الانفتاح، والتعايش، والتواصل، والتكامل، والتعددية، والتهجين، والاختلاف، والتنوع، والتسامح، والتعاون، والمثاقفة، وتداخل النصوص ، وتعدد اللغات والثقافات، ونستطيع أن نفهم من هذا أنها (تهتم سيميوطيقا الثقافة بخصوصيات كل ثقافة مستقلة داخل نظام سيميائي كوني، وتعني أيضاً بالعوالم والاقطاب الثقافية الصغرى والكبرى ضمن ثنائية المركز والهامش، والاهتمام بالحوار في علاقته بالصراع الثقافي ومن ثم تقدم لنا سيميوطيقا الثقافة أو الثقافات المبادئ النظرية والأدوات المنهجية لمقاربة الظواهر والأنظمة الثقافية، بغية البحث عن مبدأ الكفاءة، والبعد التواصلي، والخاصية الإبداعية علاوة على دراسة مبدأ التبادل في الأوساط الثقافية، مثل: تبادل المعارف الاكاديمية، والمهارات الاحترافية والممارسات المهنية.

    ولذا نجد أن القضايا التي تعمل عليها هذه السيميائية هي: (الإبداع، والآداب، واللغة، والفن، والفلكلور، والترجمة، والأدب المقارن، والتواصل، وعلاقة الأنا بالآخر، وأدب الصورة ، وأدب الرحلة)، ويشير هذا إلى إن النص الثقافي لا ينتج دلالة إلا حين يحصل التقاء الانتاج مع المتلقي والتأويل، ومن هنا، تعد النصوص المؤسسة الثقافية الأولى، وتسهم اللسانيات والمقاربات التأويلية الدلالية في تفكيك هذه النصوص بنية، ودلالة، ومقصدية عن طريق ربط كل نص باللغة، والمجتمع، ومؤسسة الجنس الأدبي.

المطلب الثاني :تحليل الخطاب الأدبي سيميائياً

     إن لمنهج السيميائي دوراً واضحاً في تخليص النص الأدبي من ثنائية الشكل والمضمون لأنه يرى (عدم وجود تركيب اعتباطي مستقل بذاته ، بل أن كل تصور وكل قاعدة هي في نفس الوقت تركيبية ودلالية)، ولذا انشغل العلماء السيميائيون بوظيفة العلامة في (تأمين الاتصال بين الأفكار عبر وسيلة الرسائل، مما يحتم بالتالي وجود أداة، شيء يتكلم عليه ومرجع، وعلامات ونظام إشارات، كما يتوجب أن يكون ثمة وسيلة نقل بين المرسل والمرسل إليه)، وانطلاقاً من هذه الوظيفة المركزية التي تقوم بها العلامة في تأمين الاتصال بين الأفكار، بنى السيميائيون منهجهم في تحليل الخطاب الأدبي على اتجاهين؛ الأول قسم البنية إلى قسمين:

1- بنية ظاهرية تتركب من الصياغة التعبيرية، إذ يحلل الناقد خصائص الشكل الأدبي والخصائص الأسلوبية كما يحلل علاقة اللغة بالسياق الخارجي.

2- البنية العميقة: وتقوم على البناء الوظائفي وتحليل العلاقات بين الفاعلين أو القوى الفاعلية في المستوى العمودي والافقي، ويمثل هذا الاتجاه العالم غريماس.

   فيما يذهب الاتجاه الثاني إلى (العمق في المنهج الاجتماعي في النقد وتأصيل النظريات الغولدمائية، كما أنه حاول أن يستوعب معطيات التحليل النفس وصهرها ضمن التحليل الاجتماعي، ويرى هذا الاتجاه كذلك أن البنية العميقة تتكون من العوامل الخارجية التي ساعدت في ظهور العمل الأدبي، من ظروف اجتماعية واقتصادية، وثقافية، ونفسية، وتتكون البنية الظاهرة من البنى اللغوية الخاضعة للقواعد التركيبية والابلاغيه، لأن النص في حقيقته بنية لغوية ذات مستويات عدَة، ولعل هذا الأمر، الذي جعل بعض الباحثين يدعو إلى تأسيس سيميائية النص تطبق مناهجها على كل النصوص مهما كان مستواها وجنسها)، وقد حققت السيميائية الثقافية الكثير من المكاسب لعل ابرزها النص الأدبي (نظاماً من الرموز في درجة ثانية، يستهل نظام الرموز أولي هو اللغة).

 وتنظر السيمائية للنص الإبداعي على أنه يجمع الذاتية والموضوعية عن طريق سعي الذات للحصول على الموضوع، فهناك حركة وفعل وعمل وفضاء وحيز، وتلك خاصية تعد مرجعية الناقد السيميائي في تعامله مع النص الأدبي، وقد ضمت تلك العناصر المحددة للعمل الابداعي في ستة عوامل كما تتضح في نظرية غريماس وهي: المرسل، والمرسل إليه، والذات الباحثة، والموضوع المبحوث عنه، والعامل المساعد، والعامل المعوق، فـ(العلاقة بين طرفي عملية التواصل دينامية تفاعلية..ـ والعلاقة بين الذات والموضوع صراعية جدالية، إذ تتحرك العملية السيميوطيقية من الامتلاك إلى النقد … في دورية تنتهي إلى تسوية أو تأليف، يؤدي إلى حد محايد أو مركب أو إلى الاستبداد).

المبحث الثاني: إشارات الثقافة الدينية

    إن أدراك أهمية الاشارات الثقافية الدينية في النص ومعرفة الحاجة إليها في بناء النص الإبداعي، بات من الأمور الاساسية في تشكيل الرؤيا، وتحميل الخطاب أبعاداً جديدة ذات مرجعيات ثقافية مختلفة، خضعت لتحولات إبداعية في جوانب التشكيل الشعري، وغدت ركيزة مهمة في تشكيل البنية الدلالية، وصياغة الخطاب، وأضحت دالاً فاعلاً يوجه القارئ إلى مؤشرات قد تفقد صفة المباشرة وتتجاوزها إلى وظائف أخرى تحمل في طياتها عمق الإيحاء والتحول، وهذه الأبعاد حملت في داخلها قراءة جديدة للنص الابداعي تكشف عن طريقه مدى فاعلية الاشارات الثقافية في بناء النص وتوجيه الخطاب، وهو يضعنا أمام قراءة سيميائية مبنية على أسس ثقافية تقوم على تعدد السمات بين المباشرة والسطحية وتنتقل بنا للعمق واستخراج مكنونات النص، وهذا ما نجده في قول الشاعر:

                 يا سيدي

             لاتخلع نعليك ثانية

             فكل هذه الأرض

            باتت وطناً واحداً

                 جميعه

                 مدنس 

   نجد الشاعر في الإشارة الثقافية الدينية قد ابتعد عن المقاربة المباشرة للنص الديني في الآية الكريمة (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى)، بغية الابتعاد عن التراتبية والمباشرة في نقل المعلومة المتوفرة أصلاً في النص الديني، ومن ثم عكسها، أو طرحها بطريقة مغايرة لتثير فضول القارئ ، فيسعى ليتفاعل معها لأنها جاءت تحمل دلالات إيحائية مغايرة لما يحمله من مخزون ثقافي في ذاكرته عن تلك المفاهيم والمعلومات المشتركة بين الباث والمستلم، وهنا تتجلى قدرة الشاعر على التلاعب بالنص الأدبي على وفق خزينة المعرفي وموهبته المتميزة لخلق نص إبداعي قادر على إيصال رسالته للآخر عن طريق اشارته الثقافية الموجودة في النص، وهي أن الأرض لم تعد طاهرة كما في النص الديني، وإنما تدنست بأقدام الغزاة المحتلين الصهاينة ، وأنهم سلبوا منا المقدسات وانتهكوها، إن ما يحمله النص من إشارات تثير تفاعل المتلقي مع ما موجود في النص الأصلي الديني، التي تحمل محمولات مغايرة لما عرفه سابقاً ، وهذا يخلق منه منتجاً آخر للنص بوساطة فك شفيراته وانتاج نصٍ جديدٍ يحمل هموماً وأفكار مشتركة بين الباث والمتلقي أوجدتها ثقافتهم المشتركة عن طريق بث الشاعر لإشاراته في عمله الفني .

 ويستمر الشاعر في نثر اشاراته التي تحمل دلالات مغايرة لما موجود في النص الديني بغية إيصال رسالته للآخر ليثير فيه جانب الاستغراب والاستهجان والمفارقة بين النصين، وذلك ليخلق تفاعل وتجاذب بين ما تثيره تلك العلامات التي حملها نصه في القارئ ليجعل منه شريكاً في قراءة جديدة عابرة لما هو مألوف لدى المتلقي لتنتج نصاً فاعلاً يحرك مكنوناته، كما في قول الشاعر:

وإذا قلت له

      يا أبت أفعل ما تؤمر

          فإذا به

      يقطع بالسكين شعاع الشمس

          ويغلق

        كل نوافذنا

       ويحيط بنا كالخندق  

   إن الإشارات الثقافية التي حملها النص التي تشير للفرق بين الطاعتين؛ طاعة تؤدي بصاحبها للنجاة كما في قوله تعالى: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ)، وطاعة الحكام التي تؤدي بصاحبها للقتل والتضييق والسجن، إن محمولات النص التي أراد الباث إيصالها للقارئ، وما يفترض أن يلجأ النص إليها من مقاربات تكشف الخفي والمستور في العمل الأدبي، ويتمثل ذلك في نسق التركيب وجمالياته، لترتد الدراسة السيميائية للنص من داخل البناء الإبداعي في تعالق عناصره إلى خارجه، أي إلى العالم الدلالي، عالم الأفكار والأشياء والمفاهيم، لأن النص الإبداعي يجمع إليه الذاتية والموضوعية ، وهذا الجمع لم يأت من فراغ، وإنما جاء بالحركة والعمل والفعل، ولك لوجود مشتركات ثقافية بينهما تخلق فهماً متبادلاً لمضمون النص، واستشعار مكنوناته من دون تصريح مباشر به.

 لقد أثرى الشاعر نصوصه الابداعية بإشارته الثقافية التي حملت مدلولات عبر بها عن استيائه من حالة الضعف والركود التي أصابت الجيوش العربية في مواجهة الغزاة المحتلين الصهاينة ،إذ يقول :

  لا ملامح لهم

                          واضحةً

                          والأرض

                       تحت اقدامهم

                       لا يهتز لها غبارُ

                           ولا النمل

                        يهرول للجحور

                        خوفاً من خطاهم

                        وانفاسهم المتصارعة

                        المتعالية الصوت ( )

  إن المبدع هو الذي يمزج بين المخاض والتجربة، ويخلط الحلم بالوعي، والخيال بالواقع، فتستحيل عنده اللغة لعباً بالكلمات، فتتحرر لديه الإشارات والعلامات من مدلولاتها في تشكيل عفوي يرمي لتمثيل عالماً قيد البناء، وتنقلب الكلمات لشفرات جمالية، لأن (الأنساق الجمالية تضطلع بوظيفة مضاعفة فبعضها عبارة عن تمثيل للمجهول، وتقع خارج نطاق التشفيرات المنطقية، وهي أدوات للامساك باللامرئي، على وفق الوصف، واللامعقول، وهي تمسك بشكل عام بالتجربة النفسية المجردة عبر التجربة العلمية للحواس)، وهذا يتجسد في الممازجة بين الحالتين ؛ حالة جيش سليمان(ع) كما في قوله تعالى (حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) ، وبين حالة الركون والضعف في الجيوش العربية، أن هذه الإشارات التي نتلقفها من النص تشير لسخط الشاعر، وتحامله على ما وصلت إليها حالة الأمة العربية من ضعف، واستكانة بوساطة المقارنة التي أردا إيصالها، وما تحملها من دلالات عميقة تثير المتلقي لرفع همته وكسب تأييده وتفاعله من أجل النهوض وكسر طوق الجمود والركون والضعف المستشري في جسد الأمة، والانتفاضة على الذل والمهانة التي الحقها المحتل بنا بسبب تسلط الحكام الخونة، ولاسيما من أشار إليهم في قوله: بدوي كان عائداً

       من بين الأطلال

         يعيد المجد

         لقوم لوط

      عبر حدود الفقر

           جاء

         ليسقط فينا

         كل الجدران

           يكبش

      من آبار النفط

      ليلوث وجه الشمس

        في بلادي

       بحقد جهالته 

  إن ثورة الشاعر على الحكام العرب، ولاسيما حكام الخليج بسبب حقدهم وجهلهم، شكل لديه بؤرة استقطاب تشبه حالة الإلهام التي يبوح فيها الواله بأشكال تعبيرية غاية في الغرابة، ولكنها صائبة، إذ تحولت ثورته لتعرية الحكام الخونة، ووصفهم بقوم لوط، كما في قوله تعالى: (وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ)، لما هم فيه من إيتان الفاحشة ونهبهم خيرات الشعوب وصرفها على ملذاتهم وقتل الوازع الديني والوطني وتدمير الشعوب العربية، وتآمرهم مع الصهاينة على القضايا العربية.

 لقد شكل الشاعر رؤيا تتوحد مقاصدها، وتشترك فيها رسم لوحة عامة، أشبه ما تكون بلوحة فسيفسائية متناسقة الأشكال والألوان، بوساطة الاشارات الثقافية الدينية التي استجلت القيمة الدلالية عبر قراءة النص الديني واسقاطه على النص الإبداعي للمقارنة بين ما فعله قوم لوط وما يفعله الحكام الخونة من موبقات وخيانة عن طريق الإشارات المبثوثة في النص التي تفتح عنصر  الاثارة في النص المحال لأحداث تناص داخلي يقوم على اساس التضمين، إذ يحدث تماس بين نصوص عدة يجمع بينها عنصر التشاكل الكلي، أو الجزئي، أو عنصر التباين والتناقض، ففي ذكره لقوم لوط ، إحالة منه لوجه الشبه بين الطرفين، وبهذا يشكل حقلاً دلالياً يتقاطع مع حقل دلالي آخر ليشكلا معا رؤية متجددة لقراءة نص إبداعي يشعر معها الباث بحاجة لإيصال رسالته للمتلقي عن طريق المشتركات الثقافية .

     ويستمر الشاعر في بيان حقد الحكام الخونة وغلهم فيصورهم أخوة يوسف كما.

     فيقول :   بالأرق

            أتصيد النعاس

          وأحكم غلق عيوني

               علَي

          أرى الأحد عشر كوكباً

            والشمس والقمر

            فأخبر كل الخلق

                حتى

               لا ألقى

             في الجب ثانيةً ( )

    أراد الشاعر ابراز أشكال التعالق الناشئ بين الوحدات الدلالية للنص الابداعي مع قوله تعالى ((إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ))( )، إذ تتجلى رؤية جديدة يخوضها الشاعر مبيناً فيها التباين (التخالف) بين مجمل تلك الوحدات التي يتم تحديثها عبر تفعيل حركة العناصر اللغوية وانتظامها داخل السياق ليظهر الحقد الموجود في نفوس الحكام على فلسطين، وكيف يكيدون لها، ويتأمرون مع الصهاينة عليها، وقد أوجد الشاعر في التضاد بين ما حدث في السابق من اخفاء الرؤيا وبوحها من قبله، حالة من زرع التوتر لدى المتلقي لجذبه، والتأثير فيه بوساطة اشارته الثقافية وفهمهم المشترك، ليخلق منه منتجاً جديداً متفاعلاً مع تلك الأفكار المبثوثة في النص.

المبحث الثالث: إشارات الثقافة التاريخية والاسطورية الشعبية

  لم يقف الشاعر على الإشارات الثقافية الدينية حسب، إنما حمل نصوصه الإبداعية الإشارات التاريخية والاسطورية الشعبية، لبيان طبيعة هذه الإشارات وكشف مرجعياتها، وقدرتها على إضاءة النص، وقد مازج بين القراءة المضمونية والتفاعلية لتلك الإشارات، وذلك للكشف عن توجه يسير باتجاه اكتشاف استثمار النص ذي المرجعية التاريخية أو الشعبية في الخطاب، وهذا ما نجده في نصوص الشاعر فيقول:     سأهمس

                                           في أذن الرب

                                             أن الفتية

                                        ما عادت تؤمن به

                                       كما كان (عليَ)

                                           فــ(يزيد)

                                       كل ساعة يظهر

                                      على صفحات الانترنيت

                                          يدعونا للردة

                                            يقبض

                                       على عقولنا بقوة

                                          يجرنا خلفه

                                            لنرى   

  إن عمق الألم الذي يشعر به الشاعر من ظلم الحكام نجده واضحاً في اشاراته التاريخية، إذ يربط الحاضر بالماضي بوساطة تسلط القتلة والاشرار على مقدرات المسلمين، وانتهاك دولتهم لمصالحهم الشخصية ، فلا يختلف لديه اليوم عن الأمس، فهو يحاول أثارة ذاكرة القارئ وتحفيزها باستحضار التاريخ الاسلامي وما حدث فيه من فتنة، انتهت بتسلط معاوية على رقاب الناس ، وما وصل إليه حالهم بعد تسلط الظالم عليهم، ومدى القهر والقتل الذي وقع لهم من جراء هذا الحكم، فنجد ذلك في الإشارات التي شكلت التشكيل الجمالي واللغوي، وهو المحمول الذي تتموضع ضمنه تجليات الحدث التاريخي وتفاعله مع ذات الشاعر، وتبرز الدلالة واضحة بوساطة التلوينات الأسلوبية التي تعرض للشحن العاطفي الذي يتضمنها نصه الابداعي عن طريق التشفيرات الإيصالية التاريخية ، ويشكلها لأجل خلق دلالات استفزازية تعمل على تحريك مشاعر الآخر إلى درجة رفض الواقع المرير الذي وصل إليه حال الشعوب العربية بسبب حكامها.

    ويستمر الشاعر في بيان ما وصل إليه حالهم بعد أن فقدوا بوصلة الدين الحقيقي الذي يمثله آل البيت(ع) فيقول: سأهمس في أذن الرب

                    أن معارك اليوم

                     لا تحتاج

                    أن تسفك فيها الدماء

                    فقتل (الحسين) و(الحسن) منا

                       يستلزم

                    أن يعتلي مخادع

                    شاشات التلفاز

                    فيكفرنا جميعاً

                      لأننا 

                   لانذكر اسم الوالي 

    إن عالم النص الإبداعي لا يصنعه الباث بمفردة، إنما يشاركه في ذلك المتلقي بخلفيته المعرفية والثقافية، وما يبعث على القول أن القراءات الجمالية للنص تظل مفتوحة، مما يؤدي للبحث عن بنى متجانسة وشفيرات عميقة لتحقق المقصدية المزدوجة، ونجد الشاعر حاول ربط فعل يزيد وقتله الحسين(ع) ، وكذلك فعل معاوية وقتله الحسن(ع) ، بما يفعله دعاة الفتنة الذين يعتلون منابر المسلمين ليثيروا الفتن الطائفية بين المسلمين لتقسيمهم واضعافهم ليبسط الحكام سطوتهم على الناس بسبب تفرقهم، إن القرائن الدلالية ( مقتل الحسين والحسن، يعتلي ، مخادع ، يكفرنا) ، تكوّن دلالات موجبة تشترك لتشكل حقلاً دلالياً تتعالق عناصره المفهومية تحت رمزية السقوط في الفتنة، وانسياق الناس لها، وهذا لم يأت من فراغ، وإنما من تدبير الحكام لتفريق صفهم وتمزيق لحمتهم لضمان بقاءهم في السلطة.

    والأمل يبقى يطارد الشاعر في يقظته ونومه، فنجده يهرع للتأريخ ليستخرج منه ضالته حاكماً عادلاً يعمل على توحيد البلاد العربية ، كما فعلها (مينا) حاكم مملكة الجنوب الذي وحدّ الوجهتين القبلية والبحرية لمصر القديمة

 فيقول:         ثم جاء (مينا) الملك

                ليشد وثاق الجنوب

               إلى المنتصف بذراعِ

                وبذراعه الأخرى

                يشد وثاق الشمال  ( )

      إن ما تحمله هذه الاشارات التاريخية من رسالة ذات شحنات دلالية وقيمة سيميائية بوساطة عدولها من الخصوص للعموم الذي يمثل هموم وطموح خاصة بالشاعر، وعامة بالشعوب العربية، وهنا لابدّ من الإشارة للتقاطع بين الاشارات الثقافية في العمل الإبداعي بوصفه نصاً متقاطعاً مع نصوص آخر نجدها حاضرة في تراثنا، وهذا ما يدفع القارئ في العملية التأويلية إلى ضرورة الرجوع لتلك النصوص التي أسهمت بطريقة، أو بأخرى في خلق الرسالة، لأن دور القارئ هنا حاسم، إذ يكشف النص الغائب، ويستحضره داخل النص الحاضر أو المقروء . ( )، إن حالة الاحباط والتوتر المغموسة بفقدان الأمل من تغير حال الأمة العربية أخذت بخيالات الشاعر لاستحضار الاسطورة الشعبية التي يسعى بها لإنقاذ ما وصل إليه حالهم ، فنجده يهرب للبحر ليستخرج منه مصباح علاء الدين ليخرج المارد ويحقق له أحلامه التي أصبحت مستحيلة في ظل هؤلاء الخونة والعملاء للصهاينة   فيقول :وهربت إلى البحر

                                         قذفتني المياه الخائفة

                                                  سريعاً

                                         فاستدعيت جنيَ المصباح

                                         لم يحاورني طويلاً

                                           ضاق صدره

                                           ومشفقا عليه

                                            لبيت له

                                          امنيته الوحيدة

                                       واتخذت لي مصباحاً

                                        يشبه مصباحه  ( )   

 تتردد الإشارات الثقافية المكررة من قبل المبدع في نصوصه، بغية اخراج نوازعه النفسية، ووجودها في نصه تفصح عما تختزنه نفسه من حالة الاحباط، الذي هو فيه ليبحث عن منقذ آخر اسطوري قادراً على النهوض بالمهمة الكبيرة التي يستشعرها، وتشغل تفكيره ، أن الإشارات الثقافية الموجودة في النص تمكننا من رؤية التوترات وتؤكد شدتها بحسب ما تبرزها لنا في النص، فالمنقذ الاسطوري لم يكن على قدر المسؤولية ليحقق رغبات الشاعر، فنجده يتذمر منه ويضيق صدره ، ويعجز عن تحقيق امنيته عكس ما كان يطمح إليه الشاعر.

  إن نصوص الشاعر الابداعية حملتْ الكثير من الإشارات الثقافية التي يمكن الاستفادة منها في فهم أثر ثقافة الشاعر في نتاجه الفني ، ولقد اقتصر البحث على نزر قليل منها لضيق البحث، لأنه محدد لا يمكنه استيعاب كل الإشارات الثقافية المتوفرة في شعره . 

المبحث الرابع :إشارات الثقافة الأدبية

    إن للإشارات الأدبية حضوراً كبيراً في الشعر العربي المعاصر، فهي تضم الكثير من الأبواب التي يفيض الحديث فيها، بوساطة الإشارات التي تناولها شعراء آخرين فاستلهموها وبثوها في أشعارهم، لذا فالإشارات الأدبية أصبحت (ثقافة متداولة ، فهي تنطوي على  مادة نثرية وشعرية، غنية فيها قيم إنسانية صالحة للبقاء والتداول)، وتهدف إلى تشكيل تراث ثقافي بدأ منذ القدم، وتطور مع الزمن وصولاً إلى شعرائنا المعاصرين، لأن الغرض الأساس من تلك الإشارات أخذ العبر والعظة، وتسجيل القيم الإنسانية والأخلاقية والاجتماعية، ولا يمكننا تصور وجود إشارات أدبية لا تثري النص الشعري، فإن (المقتفي لآثار عجلة التاريخ يلحظ مدى ثراء الموروث الأدبي بمختلف فنونه : شعراً كان أم نثراً ، قصة أم رواية ، فلكل من هذه الفنون حظ في قسمة الموروث)، وهذا ما نجده في نصوص شاعرنا الإبداعية، فيقول :  هذا الفراغ

      لا باب مفتوحاً عليه

        كل الأبواب مؤصده

        بأنفاس اللاهثين

       الباحثين عن النجاة

       عن طوق الحمام 

     لقد عمد الشاعر لاستعمال إشاراته الثقافية في مختلف أنواع نصوصه الشعرية بصورة مغايرة لظاهر النص،لأنه يسعى لمعالجة لا تنبعث من ذات النص، وإنما من أطر خارجية تتنازعه ، وهي تصنع إشكالية تعترض العمل الفني في بعض إشاراته، وتمكن في تحديد المرجع،  والقبض على شفيرته الموجهة لفعله الإبداعي، ولاسيما في إشارته الأدبية الموجودة في نص الشاعر (طوق الحمامة)، إذ يتفاوت أسلوب التوظيف فيها، وتتعدد فاعلية كشف القراءة عنها ، مما يسهم في لجوء المبدع إلى صيغ التعميم، والابتعاد عن المباشرة والنصية، والالتفات للغرض من استعماله لإشارة (طوق الحمامة) تلك الإشارات التي تشير للحب بمختلف أنواعه ومسمياته في إظهار حالة مغايرة ، هي اليأس وفقدان الأمل من الخلاص لتسط الطاغين والظالمين على مقدرات الشعب، وتضيق الخناق على الناس واحتساب أنفاسهم، لم تكن حالة الغدر والخيانة والتضيق التي ضمنها نصوصه مقتصرة على واقعه المحلي (مصر)، وإنما نجدها هي حال أغلب الدول العربية ،لأن حكامهم على شاكلة واحدة من التآمر والخيانة واستبداد وقهر شعوبهم والتذلل والخنوع للغزاة ، إذ  جاء ذلك من تعالق إشاراته مع نص مظفر النواب في قصيدة (القدس عروس عروبتكم) فيقول: أولاد القحبة

                              في الليل

                        يقطعون التيار الكهربائي

                        ليسرقوا من البسطاء 

                        أحلامهم الزائفة

وفي موضع آخر من القصيدة يقول: أولاد القحبة

                                    لماذا تركتم

                                    كل قصور ولاتكم

                                     ومضاجعكم

                                    وتسللتم كالصوص

                                    لقتل بنات براءتنا

                                    يا كل اللواطين ( )

    إن ما أراد الشاعر تأكيده في هذا الصدد هو أن شفيرات نصيه ينبغي المكوث معها، إذ اهتمام الكثير من النظريات الحديثة التي نظر بعضها لهذه العلاقة بافراط لتفسير المدلولات ، وقننه بعضهم تحت مبادئ محددة المعالم ، واضحة الإجراءات، ويمكن الإشارة لتداخل الإشارات بين نص الشاعر ونص مظفر النواب.

             فيقول مظفر:     أولاد القحبة

                         لست خجولاً حين أصارحكم بحقيقتكم

                        أن حضيرة خنزير أطهر من أطهركم 

    يظهر من معالجة الشاعر للتعالق بين النصوص بوساطة بث إشاراته الأدبية التي تحيل إلى مدلولات مع شعراء آخرين ، توحي إلى منهجية واضحة في استقراء الواقع تقوم على المشتركات الثقافية القائمة بين الباث والمتلقي ، وكأن الهدف يتمحور حول كشف بعض الابعاد الجمالية والتعبيرية، بما تتيحه تلك الإشارات من مدلولات تثير لدى الآخر تفاعلاً في فهم عميق لمكنونات النص الإبداعي، وتلقف ما تعتريه رسالته من ربط ما حدث في فلسطين وما يحدث في مصر في أيام ثورة الإخوان من ضياع وتشرذم، وتسلط هؤلاء الحكام الخونة الذين تفوح من قصورهم رائحة الخسة والنذالة كما لو كانت حضيرة خنزير، وكيف خذلوا شعبهم كما خذل حكام العرب فلسطين ، ويتشارك الشاعر مع ابن بلده (أمل دنقل) في تعالق إشارتهم التي بثها في نصه لوجود مشتركات وهموم واحدة ، لما وصل إليه الحال من ضياع وخيبة أمل لمفردات الثورة، فيقول: 

في الوسط

                                  جلس متربعاً

                                  يشاهد بضجر

                                  تباعد المسافة

                                     فيما بينه

                                 وبين الكعكة الحجرية

                                 وما بين رايته الممزقة

                                 والعلم المرفرف

                                 بألوانه المعتمة ( )

     إن هذا التحول الذي أطلقه المبدع في نصه لا يضمن الكشف عن البنية بهذه السطحية، على الرغم من أننا لا نغفل دور الإشارات في إضاءة النص ، وبيان مرجعياته ، وتحديد مساراته، والكشف عن ثقافة المبدع، إلا أننا ننوه إلى بعض الجماليات التي تكتفي بالكشف عن فاعلية هذا الإشارات من جانب أنها تحتاج إلى عناء في تلقيها وتحديد دلالاتها ،لأنها ترتبط بنص آخر يحمل نفس الدلالات .فيقول أمل دنقل:   دقت الساعة الخامسة

                                     ظهر الجند من دروع وخوذات حرب

                                    ها هم الأن يقتربون رويداً …رويداً …

                                         يجيئون من كل صوب

                               والمغنون – في الكعكة الحجرية- ينقبضون 

    يظهر اتفاق الشاعرين بوساطة استقطاب إشارات ثقافية، وتعالق المفاهيم لدى شاعرنا مع ما أثاره نص أمل دنقل (سفر الخروج الكعكة الحجرية) لديه ليبرهن على تجلي الإشارات والوقوف على معالم هذا التوظيف بآليات واضحة ، وثمة أهمية خاصة لتلك الإشارات في تشكيل مشهد شعري في ظل حضور صورة فنية أبدعتها العلامات في خلق لحظة شعرية يرغب المبدع في ايجادها ، فتشكل فضاءً ممتد بامتداد فضاء الخلق الفني الذي يوظف المسموع والمرئي والمتخيل في منظومة فعل إبداعي،  يرتكز على مادة اللغة ليكون منها وإليها ، وبذلك نجد توظيف الشاعر لإشارات أمل دنقل في نصه جاء متماشياً مع ما يحمله من هموم وطموحات اغنت تجربته الشعرية ، مما انعكس ايجاباً على تميز أعماله الفنية. 

نتائج البحث:

1- تشكل الثقافة أحدى الركائز المهمة في بناء النص الإبداعي، التي من دونها يضعف العمل، ويفقد بريقه، ويبعد عن الفهم والتذوق ،لأن الوعي الثقافي يعني قدرة المبدع على استرداد ذاكرته ، واستعادة صورته عن طريق محمولاته التاريخية في اطارها الخارجي، ومحمولاته اللاتاريخية في عمقها الإنساني، لأنه يخضع لمضمرات ثقافة خفية وظاهرة تحكم مقاصده وتوجهاته، وهذا ينعكس في نتاجه الإبداعي واخراجه الفني.

2- سيميائية الثقافة واحدة من أهم السيميائيات التي كان لها دور بارز في تحليل الخطاب الفني، لما لها من قدرة على فك شفيرات النص، واستخراج مكنوناته، وفهم مقاصده ،لأنها تقوم على دراسة الأنظمة الثقافية بعدّها دوالاً، وأيقونات وعلامات وإشارات لغوية وبصرية من أجل الوصول للمعنى الحقيقي الذي يشكل جوهر رسالة المبدع للمتلقي.

3- إن إدراك أهمية الاشارات الثقافية الدينية في النص، ومعرفة الحاجة إليها في بناء النص الابداعي ، بات من الأمور الأساسية في تشكيل الرؤيا، وتحميل الخطاب أبعاداً جديدة ذات مرجعيات ثقافية مختلفة، خضعت لتحولات ابداعية في جوانب التشكيل الشعري.

4-  حمل الشاعر نصوصه الابداعية الإشارات التاريخية والاسطورية الشعبية، لبيان طبيعة هذه الإشارات وكشف مرجعياتها، وقدرتها على إضاءة النص، وقد مازج بين القراءة المضمونية والتفاعلية لتلك الإشارات، وذلك للكشف عن توجه يسير باتجاه اكتشاف استثمار النص ذي المرجعية التاريخية أو الشعبية في الخطاب .

5- إن للإشارات الأدبية حضوراً كبيراً في الشعر العربي المعاصر، فهي تضم الكثير من الأبواب التي يفيض الحديث فيها، بوساطة الإشارات التي تناولها شعراء آخرين فاستلهموها وبثوها في أشعارهم،  ونجد ذلك واضحاً في نصوص شاعرنا الإبداعية ،إذ وظفها بشكل جعل منها نصوصاً مميزة لاقت تفاعل المتلقي معها.         

           الهوامش

 

  -تأنيث القصيدة والقارئ المختلف , عبد الله محمد الغذامي :109 .

  -التلقي وسياقاته الثقافية ، (بحث في تأويل الظاهرة الادبية) ، عبدالله ابراهيم:10 .

  -ينظر: الشفاهي و والكتابية ، ولتر .ج .اونج ، تر: حسن البنا عز الدين  :306-307 .

  – الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي المعاصر، د.احسان عباس: 61 .

  -ينظر: علم الاشارة : السيميولوجيا ، بييرجيرو، تر: د. منذر عياش  :13 .

  – ينظر: المصدر نفسه :13-14.

  – دروس في السيميائيات ، حنون مبارك ، وينظر: علم الاشارة:السيميولوجيا،بييرجيرو:24 .

  -علم الاشارو، بييرجيرو: 23 .

  – علم الاشارة:السيميولوجيا ،بييرجيرو، مقدمة مازن الوعر:9 .

  – سيميوطيقا الثقافة عند يوري لوتمان ، جميل حمداوي  :35 .

  -المصدر نفسه :35-36 .

  – نفسه :36 .

  -ينظر: المصدر نفسه :39 .

  -مساهمة في التعريف بالسيميائية:94 .

  – المصدر نفسه :195 .

  – ينظر المصدر نفسه :195 .

  -السيميائية، بيارغيرو ، تر: انطوان أبي زيد :9 .

  -مساهمة في التعريف بالسيميائية ، مجلة الحياة:195 .

  – المصدر نفسه :196.

  -دينامية النص ، د.محمد مفتاح :12 .

  – كتاب زيتونة المنفى : دراسات في شعر محمود درويش ، د.جابرعصفور :173 .

  – ديوان لست أنا المطرود إليها ، عصام عبدالمحسن :57 .

  – طه :12 .

  – ديوان : كوني الحي لأربيهين شبيهاً ، عصام عبد المحسن :30 .

  – الصافات :102 .

  – ينظر: دينامية النص ، د.محمد مفتاح :12

  – ديوان : تراودنني كاستدعاءتكم… للنور ، عصام عبد المحسن :

  -علم السيميولوجيا ، بيرو جيرو ، تر : د.منذر عياش :116 .

  – النمل :18 .

  -ديوان ملوثة بدمائهم هي الأرض ، عصام عبدالمحسن : 13 .

  -الاعراف :80 .

  – ديوان تلك البوصلة لن ترشدكم تاريخي ، عصام عبدالمحسن :19.

  -يوسف :4 .

  – ينظر: كتاب زيتونه المنفى :دراسات في شعر محمود درويش ، قصيدة الهدهد مقاربات مرجعية ، احمد خريس :153 .

  -ديوان : روحي حائط مبكاكم ، أنا البشير ، عصام عبد المحسن :72 .

  – ديوان: روحي حائط مبكاكم ، أنا البشير ، عصام عبد المحسن :73 .

  – ديوان :ملوثة بدمائهم هي الأرض ، عصام عبد المحسن :67 .

  – النص الأدبي سيماه وسيمياؤه ، احمد حيدروش ، ملتقى السيميائية والنص الادبي ، جامعة عنابه :120 .

  -ديوان : تلك بوصلة لن ترشدكم تاريخي ، عصام عبد المحسن :63 .

  التراث الإنساني في شعر أمل دنقل ، جابرقميحة  :13 .

  – ينظر: توظيف الموروث في شعر الاعشى ، وسام احمد: 182 .

  — الموروث الشعري العربي في الشعر الفلسطيني المعاصر ، محجوبة درويش  :3 .

  – ديوان لست انا المطرود ، عصام عبد المحسن : 27 .

  -ديوان : كما شمسكم تحاولون إطفائي ، عصام عبد المحسن :20-21 .

  – الاعمال الشعرية الكاملة ، مظفر النواب :450 .

  – ديوان : جسدي شجرة تسلقها الأرض إلى السماء ، عصام عبد المحسن :69 .

  -الاعمال الشعرية الكاملة ، أمل دنقل : 274-280

المصادر والمراجع

  • القرآن الكريم
  • الأدب بين الدلالة والتاريخ ، عدنان عبيد العلي ، منشورات جامعة ال البيت، 2000م .
  • الاعمال الشعرية الكاملة ، أمل دنقل ، مكتبة مدبولي ،ط/3 ، القاهرة ، م1987.
  • الاعمال الشعرية الكاملة ، مظفر النواب ، دار قنبر ، لندن ،1996م.
  • تأنيث القصيدة والقارئ المختلف , عبد الله محمد الغذامي , المركز الثقافي العربي , بيروت لبنان , ط2, 2005م .
  • التراث الإنساني في شعر أمل دنقل ، جابرقميحة ، هجر للطباعة والنشر ، مصر ،1987 م.
  • التلقي وسياقاته الثقافية ، (بحث في تأويل الظاهرة الادبية) ، د.عبدالله ابراهيم، دار الكتاب الجديد المتحدة ،بيروت ، 2000م.
  • دروس في السيميائيات ، حنون مبارك ، دار توبقال للنشر ،الدار البيضاء، ،ط/1 ،1987 م.
  • دينامية النص ، د.محمد مفتاح ،المركز الثقافي العربي ، ط/2 ،بيروت ،1990 م.
  • ديوان لست أنا المطرود إليها ، عصام عبدالمحسن، النخبة للنشر والطباعة والتوزيع ، القاهرة، 2019 م.
  • السيميائية، بيارغيرو ، تر: انطوان أبي زيد ، منشورات عويدات ،ط/1 ، بيروت ،د.ت.
  • سيميوطيقا الثقافة عند يوري لوتمان ، جميل حمداوي ، دار الريف لطباعة والنشر الأكتروني ،ط/1 ، المغرب ،2020 م.
  • علم الاشارة : السيميولوجيا ، بييرجيرو، تر: د.منذر عياش ،دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر ،ط/1 ، سوريا ، 1988 م.
  • كتاب زيتونة المنفى : دراسات في شعر محمود درويش ، د.جابرعصفور ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت ، 1988م .

الرسائل والأطاريح الجامعية:

  • توظيف الموروث في شعر الاعشى ، وسام احمد، رسالة ماجستير ،جامعة النجاح الوطنية، فلسطين ، 2011م.
  • الموروث الشعري العربي في الشعر الفلسطيني المعاصر ، محجوبة درويش ، رسالة ماجستير ، جامعة الجزائر ، 2013 م.

المجلات والدوريات:

  • الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي المعاصر، احسان عباس ، سلسلة عالم المعرفة ، الكويت ،1978م.
  • الشفاهي و والكتابية ، ولتر .ج .اونج ، تر: حسن البنا عز الدين ، سلسلة عالم المعرفة (182) ،الكويت ،1994 م .
  • مساهمة في التعريف بالسيميائية ، مجلة الحياة ،العدد 36-37 ،تونس ،1985م.

• النص الأدبي سيماه وسيمياؤه، احمد حيدروش ، ملتقى السيميائية والنص الادبي ، جامعة عنابه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى