إبداع

«أشواق الزنزانة 13»… ثالوث العجز والخيانة والسجن يطاردنا

تضعنا الرواية أمام مجموعة من حقائق الحياة وأسئلتها

يضعنا الكاتب والروائي محمد هلال عضو اتحاد كتاب مصر، في أحدث رواياته «أشواق الزنزانة 13» في حيرة بالغة إذا ما أردنا الحكم على تصرفات بطل الرواية التي تبدو متناقضة، متباينة، بل قل مجنونة إذا ما وضعناها تحت مجهر العدالة الإنسانية، ما يجعلنا نقف مشدوهين أما سؤال يقول: ترى هل أخطأ هذا البطل القاتل مرتكبًا هذا الجرم الكبير.. أم أنه ضحية قاتل «قدري اسمه المرض» لا يمكن إدانته ؟ ثم سؤال آخر يقول: هل تعامل بطل الرواية المجرم قانونًا مع مصابه بعقلانية أم أنانية وعاطفية؟

وعلى غير عادة النقاد أقول ما جال في نفسي في بدء الكتابة، وذلك بعد إتمام قراءة تلك الرواية المدهشة المحيرة: حقًا تمر بنا الحياة ونحن نتخبط بين المأمول و المتاح من رغباتنا المشروعة والممنوعة، لكي نستمر على ظهر الدنيا نتفاعل معها وبها ولها، وهذا يحتاج منا دومًا التحلي بالصبر والعقلانية التي قد يفلت منها زمام العقل أحيانًا، وأيضًا نحتاج كثيرًا إلى أصابع صادقة ذات رؤية صائبة تضيء عتمة الطريق وهي تشير إلى الحل ولو بكلمة أو فكرة أو مواساة، تعيننا على أن نحيا ونتحمل مصاعبها.

وهنا تضعنا الرواية أمام مجموعة من حقائق الحياة وأسئلتها:

ـ الحياة لغز لانستطيع فك طلاسمه فالعاقل من يحياها بماهي عليه.

– لولا أن الله زرع فينا الرغبة والحاجة والشهوة لانقرض الجنس البشري وانتهت الحياة.

ـ الدنيا في المقام الأول دار ابتلاء فلا يأمل فيها المبتلى أكثر ماتمنحه إياه .

ـ يأتي البلاء ليختبر قدرتنا ومعتقداتنا وصبرنا على اجتياز المحن ولولا ذلك الجهد المجهد لكانت جنة.

تدور رواية «أشواق الزنزانة 13» في إطار مأساوي بدأت رحاه في الدوران بعد الانفجار الكبير أو الحدث الأعظم الذي بدأت به وقلب موازين حياة البطل في لحظة فارقة رأسًا على عقب من النعيم إلى الجحيم.. لنستمع إليه يقول: «نعم كانت ليلة مشؤومة فهي الليلة الوحيدة في عمري التي يختلف ما بعدها عما قبلها».

زوجان يعيشان في سعادة وهناءة ومتع يحسدهما الكثير عليها، بل كانا يتفننا في المتع الزوجية بجنون العسل الدائم.. حتى يصاب الزوج بمرض جنسي نادر يسمى «بيروني» يعجزه عن ممارسة فحولته التي كان يباهي بها نفسه، وتزهر بها الليالي مع زوجته.. ومع طول وقت الانتظار أملًا في أن يفلح الأطباء أو حتى الدجالون ثم انقطاع الأمل في الشفاء بشكل بات، تتحول حياتهما إلى جحيم.

حدثت اللحظة الفارقة عندما غلب الضعف البشري الزوجة ذات ليلة، كان فيها الزوج خارج حدود بلدته في مهمة عمل، حاول اختصار الوقت ليعود إلى بيته، وإذا بالمفاجأة يضبطها متلبسة مع رجل آخر في سرير نومهما.. لا يدرى كيف التفت أصابعه حول عنقها لتلفظ أنفاسها الأخيرة ثم يجلس إلى جوارها يبكي غير مصدق ما فعل.. يقول في معرض صراعه النفسي فيما بعد: «كيف ينقلب حال الإنسان فيكفر بما كان يقدس، يقسو بشراسة على من كان يخشى عليه هبات النسيم؟ هذا العنق الذي كنت أتحسسه برقة عابد عاشق، أغمره بأنفاسي الحرّى كصوفي هائم، أمرغ وجهي في محرابه مغمض العينين حتى تسكرني اللذة فأغفو بين نهديها الرجراجين.. من أي واد في الجحيم جاءتني القوة الغاشمة لقتل الحياة فيه؟!».

وهكذا تحولت حياته من النعيم إلى الشقاء بعد قتلها عندما ضبطها مع رجل غيره في فراش الزوجية ثم حكم عليه بالسجن. لم تكتفِ الأقدار بما حدث، فكأنما فتحت عليه فوهة الجحيم فيبتلى بما هو أشد، ألا وهو محاولة أحد السجناء الشواذ وكان صاحب نفوذ وثراء فاحش لا يمكن لأى سجين في محيط زنزانته الجماعية إلا الانصياع لرغباته.. ورغم من أنه صارح هذا،، الباشا،، الشاذ بحقيقة مرضه الذي يعجزه عن تحقيق مراده منه، إلا أن الباشا الشاذ يصرّ على ما يريد فإذا به ودون ترتيب أو تدبير يشق مؤخرة الباشا بشفرة الموسي ويصيبه بعاهة مستديمة نقل على أثرها إلى المستشفى.. ويحاكم من جديد في قضية جديدة ويعاقب بثلاث سنوات تضاف لعشر سنوات عقوبة قتل زوجته ويسجن بعدها انفراديًا.

في ليل الوحدة تحاصره سيرة ما حدث له بشكل جنوني.. فيحاول الإفلات من مشنقة الأحزان، فقد زاد حبه لزوجته التي أزهق روحها في لحظة غياب للعقل فيجد السلوى في تذكر صورة كبيرة ملونة في إحدى المجلات، فينتزعها ويعلقها على جدار الزنزانة، يكلمها، يعتذر إليها، يبكي على فراقها.

من بداية الرواية يغرقنا الكاتب قلبًا وعقلًا وروحًا في مشكلة البطل حتى كأننا نرى ونحس ونلمس ونعايش السعادة والشقاء ورحلة المعاناة في السجن.. مشاهد ومشاهدة ورؤية ملموسة ومحسوسة تدخلنا عالمه بتقنية النظارة ثلاثية الأبعاد.

الدافع في القتل كما يبدو خيانة الزوجة رغم حبه الشديد لها، لكنه نسي أنه من أسس لذلك أولًا: لإفراطه في الممارسة الجسدية والاستمتاع بشكل مبالغ فيه حتى تعودت على ذلك النمط من الحياة.. ثانيًا: لمرضه المفاجئ وكان الأولى به أن يخيرها أن تبقى على ذمته أو يخلي سبيلها، لكن حب التملك المرضي جعله لا يفكر مجرد التفكير في ذلك..

هكذا يمكننا القول، إن قسوة العادات والتقاليد تحكمنا بشكل جنوني، فكيف لرجل مرموق المكانة بين الخلائق أن يعرف الناس عنه أنه عاجز جسديًا؟!. فمن عاداتنا التي تحكمنا أن فحولة الرجل هي سر احترامه بين الناس تمامًا كما نختصر الشرف للرجال والنساء في مواضع العفة.. بعدها يهون كل شيء حتى لو كانت أمراضًا خبيثة.

ثم ينقلنا الكاتب إلى مأساة أخرى تحدث داخل السجن وعذاباته ومعاناته وقد صوره تصويرًا، يجعلنا نفكر ألف مرة، قبل أن نفعل أو نرتكب ما يوصلنا إليه.. مهما كانت الأسباب. وتلك رسالة محمودة للمؤلف، تدق جرس إنذار أمام كل متهور أو مقبل على تهور أو يخطط له.. اعتقادًا منه أن سيستريح أو ينتصر.. يؤكد له المؤلف أنه يفتح على نفسه عذابات لا تطاق وكأنه يفتح على نفسه بوابة الجحيم .. فلينتبه.

وتبين الرواية كيف أن عالم السجن ملئ بالمعاناة أولها فقد الحرية بالإضافة إلى أنه قد يصادف السجين ـــ حسب جريمته ــ قوانين وضعية يفرضها نزلاء الزنازين المشتركة.. كما حدث لصاحبنا مع الباشا الثري الشاذ. ما يجعل النزيل مهددًا في كل لحظة بفقد كرامته أو رجولته.

وتمضي بنا أحداث الرواية فنرى البطل يستعلي على هواجسه ومرضه وحبسه بممارسة فن الرسم والفكر والقراءة وبالفعل خلق له ذلك عالمًا كان يتمناه وإن كان لم يدم طويلًا.. ملمح آخر من الأهمية بمكان حين صادف البطل نزيلًا آخر عاشقًا للقراءة وكتابة الشعر والقصص، وتدور بينهما مناقشات منها مدى مسؤولية الكاتب عن أفعال وأقوال شخصياته، هل هو مسؤول عن أفكارها وكلامها وأفعالها بحيث يمكننا محاسبته عليها؟ أم أن العمل الفني خصوصًا الرواية عالم كبير فيه الصالح والطالح، الكبير والصغير، المرأة والرجل، العاقل والمجنون، القديسة والعاهرة، ولا يمكن أن يجمع الكاتب كل هذه الشخصيات في داخله بشكل يحاسبه المجتمع عليه، وأنه مجرد محرك لتفاعلها في الحياة الروائية؟!

إن الرؤية العجلى للرواية تجعلنا ننسى أن المرض ممحص مذل كاشف وهي حقيقة شئنا أم أبينا. استخدم الروائي من عذاب العجز والخيانة والسجن خطوطًا فنية رسمت لوحة تتسرب إلى النفس فتبعث فيها الضيق والحيرة والقلق، جعلنا نعايش هذه المأساة حتى آخر لحظة.

ثم يخرج لنا بخيط رفيع ألا وهو احتمال إمكانية العلاج كضوء في آخر النفق المظلم، يستخدمه المحامي لبث الطمأنينة والأمل في نفس البطل لاستمرار حياته.. وإن كان العلاج المقترح قد أثبت فشله فالمرض نادر جدًا بشكل لا يغري شركات الأدوية والبحث العلمي بالإنفاق وهو بلا شك كبير وعدد المرضي قليل.. وتلك ملاحظة تؤكد أن رأس المال لا يعرف سوى الربح أما الإنسانية لا مكان لها إلا في موائد الرحمن.

وهكذا ترك المؤلف النهاية مفتوحة لكي نتوقعها ونأمل خيرًا قد يتحقق، وكذا نشارك البطل عذابه وحيرته وآلامه فنراه يهدف إلى إيقاظ المتلقي وإعمال فكره لكي يحرك فيه العاطفة والعقل والفكر وتلك رسالة الإبداع.

 
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى