إبداع

أمهات بين روائع «محفوظ» وأشعار حافظ إبراهيم

كيف تناول الأدباء والشعراء الأم في أعمالهم الأدبية

سهام الجزار

حظيت الأم على مر العصور بمكانة خاصة في الأدب العربي والعالمي بمختلف فنونه، الشعر والرواية والمسرحية.

فجاءت صورة الأم تتسم بالقداسة والنقاء في الشعر العربي، ومثال على ذلك قول شاعر النيل حافظ إبراهيم: (الأمُ مدرسة إذا أعدَدْتَها/ أعدَدْتَ شعباً طيبَ الأعراقِ/ الأمُ روضٌ إن تعهده الحيا/ بالريِّ أورَق أيمّا إيرَاقِ/ الأم أستاذ الأساتذة الأُلى/ شغَلَت مآثرهم مَدى الآفاق).

وقال الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي (الأمُ تلثم طفلها وتضمه.. حرمٌ سماويّ الجمال مُقدس).

وفي قصيدة للشاعر اللبناني حسن خليل عبد الله، يعظم فيها أم الشهيد التي تُعطي ما هو أغلى من حياتها وتصبر محتسبةً فاجعتها عند الله، فيقول: (أجمل الأمهات التي انتظرت ابنها/ أجمل الأمهات التي انتظرته/ وعاد مستشهداً/ فبكت دمعتين ووردة/ ولم تنزوِ في ثياب الحداد…).

أما الشاعر الفلسطيني محمود درويش، فقد عبّر عن تعلقه بأمه في أغلب قصائده، ومن أشهرها: (أحنّ إلى خبز أمي/ وقهوة أمي/ ولمسة أمي/ وتكبر فيّ الطفولة/ يوماً على صدر يوم/ وأعشق عمري لأني/ إذا متُّ/ أخجل من دمع أمي).

وفي الرواية أثارت الأم حفيظة كبار الأدباء لأن يصوروها بأنماط مختلفة، فاحتلت الأم دورًا بارزًا في روايات الأديب العالمي نجيب محفوظ، جاءت عظيمة وقوية في ضعفها بل رمزاً لثبات القيم ولمّ الشمل مثل (أمينة) في (ثلاثية محفوظ) التي لطّفت بعطفها حياة قاسية في ظلّ والد مستبد كالسيّد أحمد عبد الجواد، وفي روايته (بداية ونهاية) كانت النموذج البديل عن صورة الأب الغائب وتحملّت أعباء الأبناء بصلابة تتماهى مع الحب. وفي رواية (السراب)، يرتبط الابن بالأم المطلقة التي عاش في كنفها وكانت تداعبه كثيرًا، وارتبط بها ارتباطًا مرضيًا.

وتستعرض ملحمة أديب نوبل الشهيرة (الحرافيش) نماذج مختلفة من صورة الأم، نذكر منها على سبيل المثال تشجيع الأم لابنها شمس الدين الناجي للمضي قدمًا على خطى والده الفتوة عاشور الناجي، حتى لا تعود البلطجة للحارة، أو في شخصية جلال ابن زهيرة الناجي، التي كان مصرعها المأساوي أمامه طفلًا حافزًا له، يدفعه للبحث عن سر الخلود متذكرًا صورة رأس أمه المهشم أمام عينيه.

كما رصدت رواية «أم السعد» للأديب غسان كنفاني، دور الأم كرمز للأرض، أم السعد «التي اعتادت أن تزيّن عنقها برصاصة فارغة بديلاً للذهب»، هي النموذج الرائع والمميز الذي قدمه كنفاني للأم التي كانت على الدوام، عنصراً فاعلاً في حركة النضال الفلسطيني، تقدم وتضحي وتشارك بكل قواها متجاوزة الممنوع والمسموح، في سبيل الفعل النضالي، فشكلت المخيمات بكل بؤسها والفقر والحرمان، منطلقاً لها؛ تلد الأبناء كي يصيروا فدائيين، «هي تخلّف وفلسطين تأخذ».

وفي المجموعة القصصية الصادرة عن دار النخبة بعنوان «الحب في ميدان النهضة» جسَّد الكاتب الروائي أسامة إبراهيم، الأم الصعيدية القوية التي تقوم بمهام يعجز عنها الرجال، في قصة «امرأة بألف رجل»، هذه الأم التي قررت أن تأخذ مكان زوجها في زراعة الأرض وترعى أبنائها وتقدم كل ما تملك في سبيل سعادتهم.

ورواية «حائط بلا مبكى» الصادرة أيضًا عن دار النخبة، رصدت فيها الروائية فكرية أحمد، أعمال التعذيب الوحشي الذي تلاقيه الأمهات الأسيرات الفلسطينيات داخل سجون المحتل ووحشية التهجير القسري وهدم البيوت على رؤوس أصحابها لإستبدال أصحابها بمستوطنين يهود، فهذه الأسيرة (فريحة) وقد حان موعدها مع حفل التعذيب تنهال عليها الحارسات ركلاً ويقيدن يديها وقدميها في أطراف المقعد لقتل الجنين، والأم (ديما) التي بتر الاحتلال ساقيها وقتل زوجها أثناء مواجهات في محيط المسجد الأقصى.

وفي رواية (الأم) للكاتب الروسي مكسيم غوركي، والتي مازالت موجودة رغم مرور أكثر من مائة عام على صدورها أول مرة كعمل إبداعي جسد دور المرأة المناضلة من أجل نصرة وطنها من براثن القياصرة، وتعتبر هذه الرواية أحد الأسباب التي مهدت للثورة البولشفية الروسية وصوّر فيها غوركي حياة الفقراء والكادحين، وبرع مكسيم غوركي في رسم ملامح الأم المضحيّة ومشاعرها وحنوّها على ابنها وبيتها وأصبحت الأم في هذه الرواية من أكثر الشخصيات المؤثرّة في تاريخ الأدب العالمي لانها كانت ترمز للوطن.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى