إبداع

أميرة البيت المهجور

ليلة في القصر ما بين الواقع والحلم المفقود

أسامة إبراهيم
Latest posts by أسامة إبراهيم (see all)

منذ طفولته المبكرة، كان (برهان) دائم الإلحاح على والده ليصطحبه إلى بيت مهجور في مكان معزول عن مساكن القرية.

يبتسم الوالد مندهشًا من رغبة ابنه الغريبة في الذهاب إلى هذا البيت بالذات، لكنه مع ذلك كان يصطحبه إليه. وفي تلك الأثناء يمشي الولد صامتًا متأملًا ما حوله في شرود، تنتابه سعادة داخلية لا يعرف أسبابها ولا مصدرها.

عندما كبر قليلًا، اعتاد على الذهاب إلى ذلك البيت بمفرده، حتى أن أصدقائه ومعارفه كانوا يجدونه هناك إذا افتقدوه.

الدخول إلى البيت المهجور

في ليلة شتوية، كان يجلس متأملًا كعادته في البيت، وإذا به يفاجأ بسيل من المطر المنهمر، فقرر الدخول إلى ساحة المنزل ليحتمي من المياة الغزيرة، وما إن سار داخل البيت حتى تملكته الدهشة عندما وجد نفسه وسط حديقة خلابة ومناظر بديعة لم ير لها مثيلًا في حياته. ومن شدة دهشته لم ينتبه إلى أن القصر ظهر مكان البيت المهجور.

  • ياااه.. أخيرًا تحقق حلمي بدخول هذا القصر ورؤية من تسكنه.

قالها مذهولًا ثم دفع أحد أبواب القصر برفق، وعندما دخل سمع أصوات زقزقة عصافير كأنها ترحب بقدومه.. فنادى في ذهول:

  • من هنا؟!

لم يجد إجابة إلا صدى صوته… فأطلق نداءً ثانيًا وثالثًا، دون جدوى.

رغم الصمت المطبق من حوله، إلا أنه تعمق داخل القصر وتجول بين ردهاته إلى أن قادته قدماه إلى غرفة ينبعث منها ضوء خافت فطرق بابها..

فتحت له امرأة ملائكية كأنها حورية من الجنة، فوقف مسحورًا أمامها وأمسك بيديها وقبلهما فابتسمت له ابتسامة كلها حب ودلال وحنان. فقال لها:

  • وجدتك أخيرًا يا فتاة أحلامي.

قالت له والابتسامة الساحرة ما تزال تزين شفتيها:

  • أنا أيضًا أنتظرك طوال عمري.

قضيا سويًا وقتًا كأنه ليلة من ألف ليلة… لم يعرف كيف مضى الوقت ولا ماذا حصل، اللهم إلا باقة من الورد أعطتها له وهو يغادر القصر.

الحلم الضائع

لا يدري (برهان) كيف عاد إلى بيته ومكث في غرفته منعزلًا سويعات قليلة هائمًا حالمًا حتى أشرق فجر اليوم التالي، وهو شغوف بلقاء أميرته من جديد..

خرج متوجهًا إلى البيت المهجور ودخل إلى ساحته… لكن لم يكن هناك قصر. بل وجد نفس تفاصيل المنزل القديم الذي اعتاد على رؤيته منذ طفولته.

اتجه إلى حلاق مجاور للبيت واستفسر منه عن القصر؟

  • قصر في قريتنا؟!

رد الحلاق الطيب ضاحكًا وهو يضرب كفًا بكف، وأضاف:

  • منذ عشرين سنة وأنا أعمل بالقرب من هذا البيت ولم يدخله أحد سواك!

*  *  *

لكن… هناك ثلاثة شهود أكدوا أن ذلك الشاب -الذي زادت عزلته وانطواءه- لم يكن ضحية حلم أو هلوسة:

فأثناء عودته إلى بيته بعد أن غادر القصر، لمحه أحد أصدقاءه من بعيد وهو يمسك باقة الورد ويسير في الشارع باتجاه بيته.

وعندما اقترب من بيته، قال له أحد جيرانه مازحًا:

  • من أين حصلت على هذه الزهور في هذا الوقت؟

الدليل الثالث.. «الزهور».. لقد أعطى برهان واحدة منها لكل من في بيته، وكانوا خمسة من عائلته، قالوا أنهم لم يروا زهورًا بهذا الجمال!

كيف حدث هذا إذن؟!

لم يستطع أحد أن يعرف الإجابة حتى الآن، وما زال الشاب يهيم على وجه باحثًا عن أميرته في البيت المهجور…

تعليقات الفيس بوك
اظهر المزيد

أسامة إبراهيم

کاتب وروائي۔ رئیس دار النخبة للطباعة والنشر والتوزیع- أمین عام مؤسسة رسالة السلام للأبحاث والتنویر- عضو اتحاد کتاب مصر- عضو اتحادي الناشرین المصریین والعرب- عضو مجلس إدارة النقابة العامة للتحکیم الدولي ومستشاري الملکیة الفکریة۔

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى