إبداع

أنا أشك…

على الإنسان أن يستخدم المنطق الذي يلزم العقل بالبديهيات لكي يصل إلى اليقين

Advertisements
Latest posts by د.تامر عزالدين (see all)

كان (سقراط) يقول: «لا أعرف سوى شيء واحد وهو أني لا أعرف شيئا». فالفلسفة لا تتقدم إلا عن طريق تبني منهج الشك والبحث الدائم.

والحقيقة فمنطق الشك سلاح ذو حدين؛ فعندما تجد شخصًا عاقلًا يقُل لك أنه يشك أنه موجود وحي، تجد البعض ينظر إليه على أنه شخص مجنون والبعض الآخر ينظر إليه على أنه فيلسوف..

ولكن أين الحقيقة؟!

هل هذا الرجل مجنون أم فيلسوف؟

وعندما توصَّل سقراط إلى الحقيقة أنه ما دام يشك فإنه موجود؛ فقد أعطانا حل هذه الإشكالية..

كيف؟!

سأقول لكم…

ولكن قبل ذلك تعالوا نعرف موقف فيلسوف آخر مثل ديكارت..

فـ«ديكارت» كانت فلسفته قائمة أيضًا على الشكّ، فكان يشكك بوجوده ويشكّ بالعالم الحسي ويشكّ بكل شيء حتى قال «كلما شككت ازددت تفكيراً فازددت يقينًا بوجودي».

وهكذا نرى أن الشك سمة مهمة من سمات العقل ويرى الكثيرون أن الشك وسيلة لكي يصبح الإنسان عبقريًا؛ فهم يقولون أنه ليصبح الشخص عبقرياً عليه أن لا يأخذ أي شيء على أنه من المسلّمات غير القابلة للنقاش بل عليه أن يشكك في الأشياء ويبحث فيها للوصول إلى الحقيقة.

ويُشار إلى أن هذه المهارة أنها أدت إلى الوصول للعديد من الابتكارات التكنولوجية الحديثة، كما أن التشكيك في شكل الأرض الذي كان يعتقد أنه مسطَّحاً أدى للوصول إلى حقيقة كونها كروية (على الرغم أن هناك من يظن إلى الآن أنها مُسطَّحة)

هل من يشك أنه موجود عبقريًا أم مجنونًا؟

ولنفهم ما سأقوله.. تعالوا نسمع مفكرًا وفيلسوفًا مثل؛ زكي نجيب محمود الذي قال: «بملاحظة تاريخ الفلسفة يتبيّن لنا أنّ نوع الفلسفة الذي يعتمد التفكير الذاتي، أعني: تفكير الإنسان في نفسه وعقله فقط يعقبه دائماً الشك؛ ذلك لأنّ المعرفة هي علاقة بين العقل والشيء الخارجي، فإذا اقتصر الباحث على النظر إلى عقله ونفسه مهملاً ما في الخارج؛ أدّاه ذلك إلى إنكار ما في الخارج من حقائق»

ماذا يعني هذا الكلام؟!

يعني ببساطة أن الإنسان إذا اعتمد فقط على معرفته الشخصية وأنكر أن هناك معرفة خارج نطاق عقله فقد يقوده هذا الطريق إلى الشك ولكن كما قلت من قبل الشك جزء من عمل العقل ودليل صحي على قدرة العقل على التفكير.

فلسفة الشك

ولكن..

من الأهمية عندما يستخدم العقل هذه الطريقة في التفكير (والتي يطلقون عليها فلسفة الشك) أن يصل إلى يقين معين

ولكي يصل إلى هذا اليقين؛ يجب عليه أن يستخدم واحد من أهم قواعد التفكير وهو المنطق الذي يلزم العقل بالبديهيات العقلية، وهذا ما وصل إليه أرسطو وديكارت بالفعل..

أنه استخدم الفكر المنطقي البديهي وهو «ما دام هو عنده عقل يشك به.. فأكيد هو موجود»

(مثال) إذا كان الموتور يصدر صوتًا فهناك بالتأكيد شيء يدور ويتحرك مُصدرًا هذا الصوت بمعنى.. إذا كان هناك صوت موتور؛ فأكيد هناك موتور.. ومادام العقل يفكر ويشك؛ فأكيد هناك عقل.

ما هي مشكلة الشك؟

ما دام الشك لازم للتفكير ومادام جزء من عملية الإبداع والتقدم والاكتشاف!

المشكلة أن ينطلق العقل في شكِّه بدون وجود مُسلَّمات وبديهيات تضئ له الطريق في متاهة هذا الشك، فالعقل السّليم يفكّر ويحاور ويبحث، ملتزماً  بمنهج علمي  هو (منهج المسلّمات)، فهو ينطلق منه ليصل إلى نتائج يقينية لا تقبل الشّك.

فمثلاً (الإمام أبو حامد الغزالي) و(مصطفى محمود) و(ديكارتDicart )، قد مرُّوا بحالات شك دعتهم إلى البحث عن الحقيقة، فاتخذوا (منهج المسلّمات) وسيلة للوصول إليها، وقد عُرف هذا المنهج في الثقافة الغربية (بنظرية المعرفة)، والمنظّر لها هو (ديكارت Dicart) نفسه الذي سلك هذا المنهج، واتخذ مسلّمة فلسفية تقول: (أنا أفكّر إذن أنا موجود).

ماذا قال الإمام الغزالي؟

يقول (الإمام الغزالي) في كتابه (المنقذ من الضلال): «إذا لم تكن هناك مسلّمة، لم يمكن ترتيب الدليل».

(يعني لو لم يكن هناك مُسلّمات مثل (١+١ =٢) لا يمكن أن نرتب عليها مُسلّمات رياضية مثل الجمع والضرب والطرح وبذلك نستخدم تلك المسلمات للوصول إلى نتائج المسائل ونستدل بها على صحة وجود أشياء مثل معرفة عدد الموجودين حولك أو معرفة ما تملكه من مال وهكذا..)

لذلك فقد التزم  الغزالي في رحلته من الشك إلى اليقين (بمنهج المسلمات)، حيث بدأ بالبحث عن مسلّمة يقينية لا تقبل الشك، فاختبر (المحسوسات كحاسة البصر)، فلم يجدها مسلّمة يقينية يثق بها، لأنّها تحكم بعدم حركة الظلّ مع أنه يتحرك بحركة الشمس، ثمّ استقرّ يقينه إلى (الضرورات العقلية كالحكم على العشرة بأنها أكثر من الثلاثة)، فوثق بأنها مسلّمة يقينية، يقول: «ورجعت إلى (الضرورة العقلية) فهي مقبولة موثوق بها على أمن ويقين، ولم يكن ذلك بنظم دليل، بل بنور قذفه الله تعالى في الصدر».

لماذا هذه المقدمة الطويلة التي قد يراها البعض الآن وهو يقرأ (فلسفة كلامية)

هذه المقدمة مهمة لنفهم التالي

أن هذه هي قواعد هذا (المنهج) وهو ما يفتقده بعض مثقفي عصرنا، ممن ملأوا مواقع الإنترنت والمنتديات والمدونات الشخصية وربما ألَّفوا في ذلك كتباً مستقلة، وخاضوا في قضايا قرآنية وقضايا الصحابة، وناقشوا الحدود التشريعية الربَّانية، وفكروا فيها بعقليتهم وثقافتهم، غير مستندين إلى (ثوابت ولا إلى مسلّمات)، فنتجت لديهم نتائج غير صحيحة، بل كانت نتائجهم تتصادم مع ثوابت أمتنا ومسلماتها وكتابها الخالد وعقيدتها السليمة.

فهم انطلقوا بمنهج علمي ولكنهم لم يطبقوا أساسيات هذا المنهج العلمية وهي الاستناد في شكهم إلى المنطق في التفكير فليس عيبًا أن يشك وليس حرامًا أن يفكر ويعمل عقله..

ولكن..

إذا فعل ذلك فعليه أولًا  بوضع المسلّمات نُصب عينيه ليجد دليلًا يهتدي به في طريق الشك، ونحن المسلمون – لدينا (مسلّمة جاهزة) قصّرتْ علينا طريق البحث والتفكير، ولا يختلف في ثبوتها اثنان مسلمان، هي (القرآن الكريم)، حيث إنّ التّسليم به كمنطق طبيعي لمن يدَّعي أنه مسلم، وهذا مُسلّمة بديهية والذي يقودنا  إلى التسليم (بالسنة النبوية) التي قال الله تعالى عنها: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) [النحل:44].

وقال عنها أيضاً: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا). [الحشر:7]

كيف نصل إلى اليقين؟

فقد قادتنا (المسلّمة الأولى) إلى (مسلّمة ثانية) هي (السّنة النبوية). ثمّ إنّ المسلّمة الثّانية تقودنا إلى (مسلّمة ثالثة) هي: (سنة الخلفاء الراشدين)، التي قال عنها صلى الله عليه وسلم: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّين الرَّاشِدِين تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْها بِالنَّوَاجِذ».[الترمذي وغيره].

وهكذا فكلّ مسلّمة يقينية تفضي بنا إلى مسلّمة يقينية أخرى، فَيَصِلُ الباحث من خلالها إلى حقائق ومسلّمات يقينية لا تقبل الشك.

وبقدر ما يجب على (العقل السّليم) أن يضع (مسلّمات) ينطلق منها في أيّ نشاط ذهني، يجب عليه قبله (الاقتناع بهذا المنهج)، كما أنه يجب بعده (اليقين) لتلك المسلّمات.

فيصبح الترتيب (منهج/ فمسلمة/ فيقين)، فإنّ من يُسلّم بشيء ما، ثم يشك فيه فإنه يكون قد ناقض نفسه وخالف عقله؛ لأنه وضع مسلّمة ينكرها متى شاء ويؤمن بها متى شاء..

ومتى فعل ذلك فقد ألغى كونها مسلّمة يقينية لديه أو لدى محاوره، وصدق عليه قوله تعالى: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ).[البقرة: 85].

منهج المسلّمات

وهذا المنهج – منهج المسلّمات – قد استعمله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، في حواره مع المشركين عندما انطلق معهم من مسلّمات يقينية لديهم، نستطيع تسميتها بـ(القواسم المشتركة) بين المتحاورين،

فهم يؤمنون بأن الخالق هو الله كما قصّ علينا ذلك ربّنا جلّ جلاله فقال: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ). [العنكبوت:61].

فقد سألهم عن مسلَّمة يقينية لديهم ليقوم عليها الحوار بينهما. وقد كان هذا منه صلى الله عليه وسلم تأسيساً لأسلوب الحوار على منهج (المسلّمات)؛ لأنّ كلّ حوار لم توضع له مسلّمات (حوار عقيم)،

وكما أن الشك مهم للوصول لليقين بهذه المسلّمات، فقد يقود إلى متاهة الشك الذي قد يهدم أي يقين في حياتك إذا فقد في طريقه الدليل وهو المنطق؛ من هنا يدخل الشيطان، فهو يدعو الإنسان إلى الشك بدون أن يستعمل المسلّمات أو يجعله يخالفها في منهجه  فيجعلهم يقولوا كما ذكر القرآن:  (…وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ) (إبراهيم: 9)

مفردات القرآن الكريم 

وانتقاء المفردات في القرآن الكريم يخضع لمعادلات دقيقة وقواعد متنوعة تتوزع بين قواعد علم النفس وعلم الاجتماع ومعادلات عالم الغيب والميتافيزيقيا ودقائق فقه اللغة وغيرها،

ومن ذلك انتقاء مفردة (الشك) في هذه الآية الكريمة وسلسلة من الآيات، على العكس من آيات أخرى استعملت فيها مفردة الجهل أو الجاهلين أو شبه ذلك.

فهو هنا (أي الشيطان) يجعل الإنسان يشك ولكنه لا يتبع أي منطق ليصل إلى حقيقة فيجعله دائمًا في ريب وهذه هي طريقته في أي عصر مع أي دين أنزله الله لكي يهدم هذا الدين..

 وذلك لأن المعارف تتشكل عادة في شكل منظومات معرفية حتى تصبح  كبناء، فالإسلام مثلاً منظومة معرفية وكذلك أي دين أنزله الله؛ هو مجموعة من القناعات أو المعتقدات أو القيم التي يترابط بعضها مع بعض على شكل بنيان قامت على منطق وأُسست على بديهيات. 

فكما نجد أن للبيت بنياناً وهيكلية مترابطة بنحوٍ ما؛ كذلك العلوم والمعارف.

كيف يتكون البناء المعرفي؟

ومن هنا نصل إلى نقطة تعدّ هي الأساس لهذه المقالة؛ أنه كما أن بنيان الدار قد ينهار بانهيار لَبِنةٍ من لبناته فكذلك البنيان المعرفي للأفراد أو التجمعات أو الأمم أو الحضارات.

وكما أن بعض اللبنات في الدار قد تكون هي الأساس للبناء كله نظراً لكونها هي البنية التحتية له، بينما لا يكون البعض الآخر كذلك،

فكذلك بعض اللبنات في البناء المعرفي قد تكون جوهرية أساسية تُبنى عليها المنظومة المعارفية كلها أو أقسام واسعة منها وبعضها ليس كذلك.

والشيطان يدخل دائمًا لكل دين في كل عصر لينقض هذه البنية الأساسية بمخططه القائم على جرّ المخ إلى منهج الشك بدون مسلّمات؛ الشك لمجرد أن الشك طريق العقل للحرية والإبداع والتميُّز وأنساه (أقصد أنسى عقل الإنسان) أن العقل محدود ولا يستطيع أن يصل إلى أية نتيجة بدون مسلّمات بديهية ومنطقية.

وهذه خطورة أن تنطلق العقول إلى الأوساط الثقافية بمنهج لا يعلموا عن أصوله شيء، وتتناول هذه الفلسفات الشكيّة بعقليّة فارغة من التأصيل ومنطلقة إلى التغيير؛  بغرض التغيير وليس بغرض الوصول إلى اليقين فيحصل هدم البنيان المعرفي للأمة شيئًا فشيء وهم لا يدرون.

إذا لم يصل هذا الذي يشك في وجود نفسه في الحياة إلى اليقين بأنه بالفعل شخص موجود فهو بالتأكيد مجنون أو مختل؛ أما إذا شك ثم أوصله شكه بالمنطق أنه موجود ومخلوق فهو عاقل وهذا ما أراد أرسطو أن يقوله وهذا كان منهج كثير من المفكرين والعقلاء والمثقفين.

إذًا أنا أشك… لكي أصل إلى اليقين.. ولن أصل إلى اليقين إلا إذا استخدمت المنطق والبديهيات العقلية في التفكير ورجعت إلى الثوابت حتى لا أضل الطريق.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى