حول العالم

أوتوبيوغرافيا المنفى في رواية «رياح القدر» للأديب مولود بن زادي

أدباء المهجر أنتجوا أدبًا مزج بين التصور الحداثي للفكر الغربي والموروث العربي الأصيل

دراسة نقدية بقلم الناقد: أبو يونس معروفي عمر الطيب

يخطئ من يعتقد أن النص الأدبي وليد المنفى لا يمتلك خاصية متميزة عن الأدب الآخر، وإنَّ الأديب المهجري له ميزة الأديب العادي الذي يتمتع بملكات التعبير، وابتكار الأفكار والآراء وخلق تلك الكائنات التي يمدها بالحياة من حركة وأحاسيس وقدرة على التعامل مع الآخر(المجتمع الروائي) في إطار صراعها الأبدي من أجل البقاء.

لأنَّ هذه الملكات عند الأديب المهجري لديها ما يحفزها وينميها، على افتراض أن يكون المنفى تجربة مُضافة لحياة المُبدع إذا ما كان مزوّدًا بقاعدة ثقافية تربطه بأصوله، مما يؤهّله ذلك أن يُوفّر له شروطًا أنسب للإبداع، ويحرّره من القيود التي كان يُعاني منها في بلده الأصلي فيتحول صاحبها إلى جندي في حالة استنفار دائم على خط النار بفعل عامل المنفى الذي يُفتّق تلك الملكات فتصبح عملية الكتابة لديه حالة من حب التسلط إزاء المتلقي حيث الاغتراب.

وهنا يتساءل «إدوارد السعيد» عن المنفى الحقيقي قائلًا: «كيف أمكن له أن يتحول بتلك السهولة إلى حافز قوي ومُخْصِب من حوافز الثقافة الحديثة فهي محاولة لإثبات الوجود في عالم اتسم بالقلق والاغتراب من كل محيط، لأن المنفَى ليس بقعة غريبة فحسب إنما هو مكان يتعذر فيه ممارسة الانتماء».

المنفى وقدرة الانتماء

يخرّب المنفى قدرة الانتماء، ويحول دون ظهور تلك الفكرة البراقة التي تجتذب الإنسان لأنه يصبح أمام ثقافة كثيرًا ما تتعاكس مع ثقافته المكتسبة آنفًا. والثقافة لا تشمل جانبًا واحدًا من مناحي الحياة؛ لأنّ الثقافة هي الجو المشتمل على أشياء ظاهرة، مثل الأوزان والألحان والحركات وعلى أشياء باطنة كالأذواق والعادات والتقاليد.

بمعنى أنها الجو العام الذي يطبع أسلوب الحياة في مجتمع معين وسلوك الفرد فيه بطابع خاص، يختلف عن الطابع الذي نجده في حياة مجتمع آخر . إنّه أسلوب الحياة في مجتمعات ظلت تحفظ للمبدأ الاخلاقي مكانته في تسيير خط مسارها رغم أنها كانت ترزح تحت نير استعمار ثقافي ازيد من قرن وأسلوب مجتمعات عمدت الى نهضة اقتصادية ثقافية تنازلت فيها عن المبدأ الاخلاقي . ولطالما وقع تعارض، بل انفصام بين المنفي والمكان الذي رُحِّل/ ارتحل إليه في محاولات مستمرة للاندماج مع مكان المنفى في محاولة اندماج لا تكتمل أبدا فحياته متوترة، ومصيره ملتبس، وهو يتآكل باستمرار، ولا يلبث أن ينطفئ بالمعنى المباشر ليتوهج، مرة أخرى يدفعه نفور المنفى واشتياق المكان، الذي اجتث منه اجتثاثًا طوعيًا أو قسريًا في محاولة لفرض الذات المركونة بين مجتمعين متناقضين هنا وهناك، سواء أكان الارتحال طوعا أم قسرًا.

فإنّ واقع وإحلال عبارة كتابة المنفى محل كتابة المهجر أمر واقع؛ لأنّ الثانية تخلو من المحمول الذي جرى وصفه من قبل،على غرار الأولى فهي مشبَّعة به؛ إذ يترشح منها حيثما درست مستوياته عى سبيل ما تقتضيه الدلالة والتخريجات التأويلية.

وعليه فأدب المنفى يختلف عن أدب المهجر اختلافًا واضحًا، كون الأخير( المهجر) قيّد تصوره فيما له علاقة بالمعنى القائم في الإطار الجغرافي؛ على أنّ الأول راح ينفتح على جلّ القضايا التي لها ارتباط وثيق بموقع المنفى في العالم الذي أصبح فيه دون أن تغيب عنه قضايا العالم الذي غادره وابتعد عنه.

الأديب العربي في المهجر

إنّ المهجر بالنسبة للأديب العربي هو ذلك البلد الغريب الذي لجأ اليه، بحثًا عن خلاص من اضطهاد فكري أو سياسي طاله في وطنه أو بحثًا عن عيش رغيد تأثرًا بجملة الإغراءات التي ظل ينحتها العالم الآخر فيه، في ظل هيمنته الثقافية الاستعمارية المطلقة على وجه أخص. ومهما تكن هذه الدوافع فهي في الغالب الأعم مغامرة محسومة العواقب، يكون فيها للتشتت نصيب؛ إذ يعيش في وطن، ولكنه في الوقت نفسه يحلم بوطن آخر يظل ملازمًا ومصاحبًا له، ينظر له وينتفض لأجله ساعيًا لتنميطه على شاكلة منفاه.

على أساس أنّ غالبية المفكرين والعلماء والأدباء ورسل الفن إنّما يمثلون وحدهم طموح الاستمرار في كل ما هو جميل وحق وحقيقة، وعليه فجلّ الأدباء العرب الذين هاجروا قسرًا أو طوعًا إلی أمريكا لاسيّما أمريكا الشّماليّة والجنوبيّة في أواخر القرن التّاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وغالبيتهم من الشام سوريا ولبنان أنتجوا أدبًا مزج بين التصور الحداثي للفكر الغربي والموروث العربي الأصيل؛ فكان حينها مركبًا من تصور معرفي واسع النطاق، من عناصر ثقافية وجغرافية وتاريخية ودينية، منطويًا على رؤية نافذة وطبع حاد، يتميز بسمة التحرر الفكري وتبني المبادئ العالمية لحقوق الإنسان من خلال توظيفه مؤثرات روحية فلسفية وسياسية شهدتها المجتمعات البشرية عبر العصور.

الأدب المهجري بين هويتين

إنّ مثل هذا النوع من التصور الممزوج من الإطار الفكري الغربي والعربي في ظل واقع الحداثة، جعل من الأدب أدبًا يظل عابرًا لواقع الحدود، متصفًا بالحدة، وهو يترنّح بين هويتين مختلفتين كمادة عربية تعج بالاغتراب والحنين والنفور، ولكنه تماشيًا مع قيم المنفى فإنّه يتسم في عمومه بالتسامح من خلال الدعوة للتعايش والمساواة، ونبذ الكراهية والتعصب، على خلاف الأدب العربي الآخر الذي يعد أدبًا متجددًا يرفض رفضًا قاطعًا ذلكم الخضوع السّاري مع طبيعة مجريات التقليد أو النمطية التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

انطلاقًا من مبدأ شمولية الذات الإنسانية في تلازمها التعالقي غير المنقطع مع مستلزمات القلق التساؤلي الوجودي، مما جعله في غالبية لسان أحواله على أرض الواقع الأدبي والفكري والفلسفي، لا يخلو من نبرة التشاؤم والسخط في عملية الكشف عن مواطن الضعف والقوى في التعامل مع الأحداث والمستجدات داخل الوطن الأم في مقاربة يائسة للمنفى كتعبير فردي يكشف عن خبرة متراكمة تتجلى فيها المشاعر والعواطف وهموم الغربة والحنين إلى الديار والاستحضار الدائم للذكريات، متخذًا في ذلك سياق الإشارة والرمز والإيماء التي كانت في الغالب تسير وفق دلالات ومقاصد غير مباشرة، كالذي نجده في تلكم الإيحاءات غير المصر بها في عالم الذات؛ مما كان سببًا في انعكاس ذلك على كل أنواع الإبداع من المنظومات الشعرية وروايات وقصص ورسائل أدبية.

ومهما حاول بعض النقاد والمفكرين التفريق بين قدامى أدباء المهجر الذين هاجروا في بداية القرن العشرين وبين حديثي العهد بالهجرة؛ فإنّ ذلك سيتعذر حين التوغل في منتجهم الأدبي، بحكم أنّه يحمل نفس سمات الغربة من آمال وإخفاقات، ولكن كل هذه السمات التي تحدثنا عنها وجدناها تُحدث تناغمًا بين المبدع من جهة ومواطنه القارئ الناقد من جهة أخرى لوجود تلك الصلات العصبية (غير التعصب) في الرؤى والمخيال والذكريات؛ فيحدث ذلك التعاطف اللاشعوري، بحثًا عن ذلك التحرر الذي ينشده القارئ مسلوب الحقوق في ذات المبدع.

تعاطف المتلقي مع أدب المنفى

إنّ هذا النوع من الرابط التعاطفي قد يصنفه البعض في خانة فخ استدراج المتلقي في اللاوعي والتجرد في نهاية المطاف من الترصد النقدي فيلقى الأدب المنفي رواجًا بين مواطنيه، وهذا لا يعني أنّ الأديب المنفي لا يملك تلك الأساليب الفنية التي بفضلها يتم إقصاء المسافة الفاصلة بينه وبين المتلقي؛ لأنه ما من شك في أنّ هذا لا يتأتى إلا بوجود اعتناء بجمالية البناء النسقي الحكائي إضافة إلى ملامسة عاطفة المتلقي بقوة؛ فيتحقق حينها التفاعل مع واقع النص.

على أنّنا حينما نقرأ لياسمينة خضرا، نصًا بعيدًا عن معاناته الشخصية فيحدث فينا ذلك التعاطف مع ذاتيته المنفية قسرًا أو طوعًا تعاطف الوالد الذي يُغدق ولده المغترب عطفًا وحنانًا أكثر من أولاده الذين يعيشون جنبه.

إنّ عملية الاندماج الاجتماعي في المجتمعات الغربية ليس بالأمر اليسير خاصة على أولئك الأدباء المشبعين بقيم ومبادئ مجتمعاتهم؛ إذ تتعقد مهماتهم الأدبية حين الاصطدام بواقع مرير فتسقط  الفكرة البراقة التي اجتذبت المنفيين للعيش في عالم آمن يخلو من مخاوف الأوطان؛ إذ نشأت غيرها في المكان الجديد؛ لأنّ الحالة النفسية التي صُقِلت بها نفسه بالوسط الذي ترعرع فيه هي الأولى لا تزول حسب (هنري برجسون) بل تظل باقية، ولكنها نتيجة الواقع السياقي راحت تختبئ تحت العادات التي لا يمكن أن توجد الحضارة بمعزل عنها، وإن كانت مازالت موجودة في أعماق الشعور، حتى ولو كُبِتت وأصبحت عاجزة.

تعايش أم اندماج؟

أبعد من ذلك أنّها حتى ولو لم تكن لها القدرة الكافية لأنْ تُدفع إلى الأمان محتلة أعمالًا متميزة؛ معنى ذلك أنّ التعايش لا يعني الاندماج، وسواء تعايش المرء مع إنّ العصبية هي الوعي العصبي الذي يشد افراد المجتمع بعضهم إلى بعض ويجعل منهم كائنًا واحدًا تفنى فيه ذوات الأفراد فهي رابطة اجتماعية سيكولوجية، شعورية ولا شعورية معًا، تربط أفراد جماعة ما، قائمة على القرابة، رابطًا مستمرًا يبرز ويشتد عندما يكون هناك خطر يهدد أولئك الأفراد، كأفراد أو كجماعة.

إذًا فهو ذلكم التضامن الاجتماعي هذه أو تلك فإنّ إحساسه المريع بفقدان مكانه أورده شكًا بأنه خارج الدائرة الحميمية للانتماء البشري؛ فيتحول صاحب المبادئ إلى دفاع متقدم يذود عن قيم وتاريخ وطنه، مستشعرًا الأخطار ومنذرًا في حال الخطر خاصة (خطر ضياع الهوية)، وهذا بدون شك منبعه العاطفة، وهنا تحضرنا قصة الشاعر لَقيطِ بنِ يَعمُر بن خارجة الإيادي المغترب في بلاط فارس الذي بعث إلى قومه ينذرهم بأن كسرى وجه جيشًا لغزوهم وكلفه ذلك حياته إذ سقطت القصيدة في يد من أوصلها إلى كسرى فسخط عليه وقطع لسانه ثم قتله. 

سلام في الصحيفة من لقيط إلى من بالجزيرة من إيـــــــــــاد

بأن الليث كسرى قد أتاكم فلا يشغلكم سوق النقـــاد

أتاكم منهم ستون ألفــــــــــــــــــــــاً يزجّون الكتائب كالجَــــــــراد

على حنق أتينكم فهـــــــــــــــــــــذا أوان هلاككم كهلاك عاد

«رياح القدر» نتاج البيئة التي سردت فيها

إنّ التميز الذي تحدثنا عنه والذي لا يلغي المبدأ الأخلاقي هو الذي صنع تسلّطًا فكريًا بيئيًا (المنفى) شأنه شأن البضائع المستوردة ذات الماركات الغربية؛ فكما استحوذ على فكر السارد استحوذ على المتلقي (قارئ وناقد) من خلال ما يطرح من أفكار عابرة للحدود.

ويمكن القول إنّ رواية «رياح القدر» للكاتب المهجري (مولود بن زادي) هي نتاج البيئة التي سردت فيها وإن تميزت كإرجاعات مَاضَوِيَّة من حيث القصة والخطاب؛ لأنّ المنفِيَّ لا يرى الأشياء إلا من منظور المقارنة مع ما خلّفه وراءه في المنسلخ.

وهكذا ظل الأثر يواكبها، فأثر فيها وتأثر بها، فتحول النص إلى نص بخصائص مغايرة، ولعل أبرزها هو رحابة الوعي والرؤيا المنفتحان على عالم أكثر وعيًا مع الالتزام الدائم بالمبدأ الاخلاقي.

ويمكن أن نستشف ذلك من استقراءات نص الرواية في سمته المسيطرة أخذا وصناعةً، وهو أمر يستوقف المتلقي، بحكم أنّه يلامس مسحة الاغتراب التي يقابلها الحنين إلى الوطن بدءًا من المقدمة التي صِيغت بلسان الكاتب الذي لقب نفسه بالكاتب المهجري؛ حيث كان بالإمكان النفاذ إلى هذه السمة في خلال شخصيته دون أن يكون لها ذكر بمقدمة الكتاب.

مولود بن زادي يحيلنا إلى أدبيات المهجر الماضوي 

وذلك من خلال طابع الخطاب الروائي المتقد حبًا واشتياقًا إلى الوطن؛ فهو يحيلنا إلى زمن أدبيات المهجر الماضوي بكل ما يحمله من تسامي مثالية (أخلاق + عفاف+ فضيلة)؛ إذ يتجلى الحنين بارزًا في مقدمة روايته هذه شديدًا قويًا يوحي بالاشتياق الكبير للجزائر وكأن الكاتب لم يكتف بالوصف الذي خص به لحظات مغادرة فؤاد (بطل روايته) أرض الجزائر، فراح يكتب قصيدة في الوطن مقفاة أنهى بها مقدمته؛ حيث نجد أنّه ظل يبعث برسائل الحب إلى الوطن حتى النهاية، معبّرًا في هذا السياق بالذات؛ إذ يصف فؤادًا وهو يغادر أرض الوطن بما يلي:

«ما أشد تأثره وهو يرى مبنى مطار بلاده يتباعد شيئًا فشيئًا أمام بصره لم يخطر بباله أبدًا أن الرحيل عن الوطن من أصعب وأتعس لحظات الحياة».
«يغمره فجأة حنين جارف إلى وطنه وهو لا زال على أرضه فينتابه شعور أنه حتى وإن جال الدنيا برمتها فأنه لن يلقي أرضًا أعز من أرض أجداده ولا صدرًا أحن من صدر بلاده»

هي رسالة قوية نابعة من مكان النفي في بدايته حاملة في طياتها القيمة الحقيقية للوطن ومفهوم الانتماء إليه مكانيًا من خلال وجود الذات والجسد فيه، ومدى الحرقة التي تطال فاقد حضن الوطن وإن كان الفقد زمانيًا، تحول فيه المنْفيُّ إلى مكان يحتوي الوطن.

هي رسالة يحض فيها مسلوب (المنفي) الوطن القارئ على الاعتزاز بأرض الأجداد، كأنما وجدناه وكأنه يردد أبياتا لقصيدة محمود درويش في بعض سياقاتها التي تحقق نوعًا من الانسجام مع مضمون الحال ومستلزمات المقام.

تعليقات الفيس بوك
اظهر المزيد

خاص النخبة

النخبة للطباعة والنشر والتوزيع

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى