حول العالم

أيمن جبر… يكشف الثغرات المجتمعية

تغيير المسار من العمل بالهندسة إلى الإبداع الفكري والأدبي

 – المجتمع يحشد المواهب والذكاء في كليات القمة، فينتج تعطيل الموهبة وتشتيتها.

– أتفاءل كثيرًا بالجيل الحالي من النقاد والأدباء.

– الكتب الفكرية ما زالت مختنقة في هذا الزحام من الإنتاج الكثيف.

– القراءة اليومية الكثيفة هي جوهر الأديب والكاتب.

المفكر والأديب أيمن جبر، هو أحد الكتاب الذين يسخرون قلمهم لمعالجة قضايا المجتمع سواء من خلال المقالات أو القصص القصيرة التي تسلط الضوء على العديد من القضايا الشائكة والثغرات المجتمعية والتي ربما لم يتطرق إليها أحد قبله من الكتاب.

أجرينا معه هذا الحوار الثري الذي يكشف فيه عن رؤيته لقضايا أدبية وإنسانية وكيف غير مسار عمله بالهندسة إلى الإبداع الفكري والأدبي، ويقدم مقترح سينال اهتمام دار النخبة في القريب العاجل.

نص الحوار..

  • متى بدأت مسيرتك الفكرية في الكتابة؟

-منذ الشباب المبكر، كنت أكتب الخواطر والأفكار التي تثيرها قراءاتي المتنوعة في كرَّاسات ورقية، دون نية في نشرها، ومنذ عام (2007 وحتى  اليوم 2022)، وعبر صفحتي الشخصية بالفيس، بدأت نشر مقالات يومية وصل عددها 2000 مقال، وفي عام 2020 قمت بإصدار ثلاث كتب خلال سنة واحدة، (فيروس الدروشة- أخلاق الأتوبيسات) وهما يعرضان رؤيا في صورة مقالات، والمجموعة القصصية (إكرام الأرملة دفنها)، وفي  منتصف عام 2022 صدر لي كتاب (دوائر بلا أسنان)، يعرض أفكار تتعلق بالثغرات المجتمعية وما يجب أن يكون عليه المجتمع من تعاون وإيجابية.

  • ما أهم قراءاتك في السابق والآن؟ ومن أكثر الكتاب الذين تأثرت بهم؟

-رحلة القراءة طويلة ومتدرجة وعبر الحياة منذ الطفولة، شملت أغلب الانتاج الأدبي العربي والعالمي، وتبعه الكتب الفكرية في كافة مجالات الحياة، في الرواية كان الأدب الروسي هو الكنز العالمي وخاصة (انطون تشيخوف وتولستوي ودوستوفيسكي)، والأدب العربي الروائي والفكري (مصطفى صادق الرافعي. يوسف السباعي. نجيب محفوظ. يوسف أدريس. أنيس منصور. زكي نجيب محمود. العقاد .. الخ)، فقد كانت النهضة العربية الأدبية والعالمية كانت مددا هائلا لجيلنا المحظوظ بعمالقته.

  • إلى أي مدى استفدت في مسيرتك الإبداعية من التطور في وسائل التواصل الاجتماعي؟

-وسائل التواصل الاجتماعي هي الوسيلة الجوهرة التي كان من حظنا اللحاق بها، سواء وسائل المعرفة الأسطوري الذي توفر لنا بهذا الكم والكيف الهائل، مواد مقروءة ومسموعة ومشاهدة، أو بالتواصل الاجتماعي الذي يمكنا من الاتصال بلا حدود بأي مكان في العالم، وسائل التواصل الاجتماعي لها تأثير هائل على الجميع.

  • هل أثر مجال عملك الهندسي على مشروعك الفكري؟ وهل تجد في الوظيفة قيود على الإبداع أم العكس؟

-لا شك أن من أكبر الأخطاء التي نقع فيها مبكرًا هو استعارة أحلام المجتمع وتجاهل الموهبة الشخصية، وهذا وقع فيه أغلب الناس، الموهبة لو تم اكتشافها والإيمان بها مبكرًا، ثم تم رسم مسار الحياة وفقًا لها؛ لكان الفرق كبير، ولكننا في مجتمع يحشد المواهب والذكاء في كليات القمة، فينتج تعطيل الموهبة وتشتيتها، وكان للمسار الهندسي والوظيفي لا شك أثر سلبي على المسار الأدبي، ولكن رغم ذلك قمت بتعويضه بقراءات كثيفة لم تتوقف يومًا واحدًا طوال الحياة.

  • كيف ترى الحركة النقدية والأدبية العربية في الوقت الراهن؟

-أرى الحركة النقدية والأدبية العربية في مرحلة صعود ونمو كثيف، ولكنه عشوائي ومزدحم، وهذا الازدحام سيستغرق وقتا حتى يتشكل ويثمر الناقد والأديب الأصيل الذي يمتلك أقدامًا راسخة في فنِّه، وربما تكون تلك الحركة الحالية هي المناخ الذي سوف يعيد انتاج جيل العمالقة التالي، فكلما كانت الموجة الاجتماعية عنيفة في أمراضها وتحدياتها، كلما أهداها الزمان بما يعادلها من النخب التي تواجه هذه الموجة بتحدياتها، وسيكون لوسائل الاتصال دورًا كبيرًا في هذا التوقع، ولهذا أتفاءل كثيرًا بالجيل الحالي من النقاد والأدباء.

  • حدثنا عن شعورك عندما ترى مؤلفاتك مشاركة في معارض الكتب الدولية؟

-هذا الإنجاز يسعدني كثيرًا ويُريني بدايات الإثمار، وتتميز النخبة بكثافة مشاركتها في المعارض الدولية، وهذا مشهود لها وظاهر للعيان بوضوح، وفي نفس الوقت أرى أن الطريق ما زال في بداياته، فالكتب الفكرية ما زالت مختنقة في هذا الزحام من الإنتاج الكثيف وخاصة من الروايات العامية والتي تستجيب لخيال الشباب، والتي تُبعده عن الواقع وعن الفكرة الثمينة، فمن مزايا وعيوب العصر في نفس الوقت؛ أنَّ النشر أصبح يسيرًا وأزال حِمل الكفاح الذي كان على الأديب خوضه حين يهم بنشر كتابه.

  • هل أنت مع تصنيف الأدب إلى ذكوري ونسوي؟ وكيف ترى حضور المرأة العربية في عالم الأدب؟

-لا أميل لذلك، لأن تلك القضية حين تناقش من جانب عنصري تتشوه وتضل، مشاكل المرأة كثيفة جدا وقديمة ومتشعبة، والمرأة ظلمت ولا يزال الطريق طويل لحريتها، ولكن لا بد من معاملة هذه القضية كمعضلة بشرية، تخص الإنسان بغض النظر عن جنسه، هي مشكلة مجتمعية وتمس نصف المجتمع.

أما عن حضور المرأة العربية في عالم الأدب، فهو كثيف في الكم، وهذا واضح من الأسماء النسائية في عالم اصدار الكتب بكافة أنواعها، ويخضع لنفس فكرة أن هذه الكثافة سوف تنتج الريادة قريبا كثمرة، وأتوقع أن يثمر التيار الأدبي الحالي زيادة نوعية كبيرة في حضور المرأة في عالم الأدب.

  • إلى أي مدى حققت حلمك ككاتب؟ وما أقرب مؤلفاتك إلى قلبك؟

-الأحلام بلا حدود، ولكن المؤلفات التي صدرت لي تشعرني بالإنجاز، وخاصة أن هذه المؤلفات نسجت عبر سنين طويلة، فهي أفكار و بحوث تجمعت عبر السنين وإعيدت صياغتها مرات عديدة، ورغم اختلاف أسماء مؤلفاتي إلا أنها جميعا من الممكن أن تندرج تحت عنوان الكتاب الأول وهو (فيروس الدروشة)، لأنه ليس فقط عنوان كتاب ولكن قضية كبرى أحملها على عاتقي، فأطارد الفيروسات الفكرية القاتلة والمرهقة التي تتخلل وعينا.

  • في ضوء ما تشهده بلادنا العربية من أحداث وانقسامات فكرية، هل ساهم الفكر العربي كقوة ناعمة في إرساء روح الوحدة وتقبل الآخر؟

-بحر الفكر العربي حاليًا مضطرب، وتتغلب الطائفية والانتماء والتحيز على كثير من المتصدرين للفكر العربي، ومن يخلص النية وينفض عن كاهله الطائفية؛ قد تنقصه الحكمة في عرض أفكار الوحدة وتقبل الآخر، ومع ذلك فهناك قامات فكرية عالية تتصدر لهذه القضية بنجاح ونزاهة ولكن نطمع في المزيد نظرًا لشدة الانقسامات بين العرب اليوم.

  • يتعرض الشباب العربي لمحاولات لتذويب الهوية، ما دور الأدب في الوقوف أمام هذه المحاولات؟

-الأمر أشبه باستخدام مشرط الجرَّاح، لا بد من دقة شديدة في تناول هذا الموضوع، فهناك تداخل اليوم بين التفتيش في الأفكار المرهقة التي تتسبب في نكد حياة المجتمع، وبين الضرب بمعول الهدم في جذور الهوية، وأعتقد أن للرواية دور كبير في هذا العمل، فهي أكثر المرشحين لتجسيد التمسك بالهوية والثقة بها، خلال نسج شخصيات وأحداث ترسم ملامح الهوية بوضوح وتجمع الناس عليها.

  • هل على الكاتب مسؤولية تجاه مجتمعه؟ وهل يمكنه قيادة الجماهير وتوجيهها في ظل أزمة الكتاب الحالية؟

-في القرن الأخير تصدرت كل الأيدلوجيات لقيادة الناس، وفشلت جميعها، وزادت من معاناة الناس، واليوم لا يستطيع التصدر سوى المثقف، هو الذي يمتلك الحكمة، وخاصة المثقف المصلح، الذي يرمي بذور ثقافته في أرض المجتمع، فما فائدة اندفاع تيار من ملايين الناس في  اتجاه بكل قوة دون أن يكون لهم عقل، المفكر والكاتب والمثقف هم اليوم عقل الناس وضميرهم ورشدهم.

  • هل أثرت التقنيات الحديثة من فيس بوك وما شابهها على تطور الأدب العربي أم أنه أدى إلى تراجعه لانشغال الكُتاب بالتواصل الاجتماعي وإبداء الآراء؟

-لكل نعمة طرف ضار وآخر نافع، والتقنيات الحديثة يغلب علىها الطرف النافع، وما انشغال الكتَّاب بالتواصل الاجتماعي و تبادل الآراء إلا جهد يصب في صالح إرشاد الناس والإحساس بنبضهم وهمومهم، كل هذا التفاعل سوف يثمر ما هو في صالح الأديب والقارئ.

  • هل استطاع الإنترنت أن يؤسس لحركة ثقافة أدبية وتواصل بين المبدعين من جميع أنحاء الوطن العربي؟

-نعم، الإنترنت هو ثورة معلوماتية ووسيلة تواصل هائلة وأسطورية، ويتميز العرب بميزة لا تتوفر في كل المناطق في العالم، وهي وحدة اللغة والدين والمشاعر والنفسيات والأحلام والإجتماع، هذه الوحدة  جعلت الأفكار تنتقل سريعا عبر كل الوطن العربي، وهذا على عكس القارة الأوربية، حيث كانت اللغات لكل دولة عائقا عن التواصل،  فكان الكتاب الفكري يترجم أكثر من ترجمة تستغرقها أزمان حتى تصل للبلد الأخرى، وقد تمكَّنت شخصيا بسبب الإنترنت من التعلم من مفكرين وعلماء بلا عدد من كل بلاد العرب.

  • كيف ترى مستقبل الكتاب الورقي؟ وهل يستطيع الصمود أما الكتاب الإلكتروني والمسموع؟

-لا شك أن الكتاب الإلكتروني والمسموع ساهما في نشر الكلمة، وسيستمر هذا الدور نظرا لكثافة من يستخدمه ووفرة الكتب ومجَّانيتها، وهذا المسار يتوازى مع مسار الكتاب الورقي، فمن يعجبه كتاب يحرص على شرائه ووجوده في مكتبته، فأهلا بالكتاب الإلكتروني والكتاب الورقي داعمين للثقافة.

  • ما هي آخر مشروعاتك الفكرية؟

-صدر منذ أسبوع الكتاب الرابع (دوائر بلا أسنان)، وأقوم بالعمل حاليًا على كتابين (الأول كتاب فكري والثاني مجموعة قصصية).

  • كلمة أخيرة تود تقديمها لقراء النخبة، ونصيحتك إلى الكتاب الجدد؟

-الكلمة الأولى لدار النخبة؛ أشكرها على كل ما تبذله من جهد وما تمثله من رقي، وأشكرها أيضًا لنشاطها المدهش.

-وانتهز الفرصة لأقترح أن تقوم النخبة بعمل انتخاب سنوي لكتاب العام، وتعطي ترشيحات وجوائز ولو رمزية، وذلك بتعيين لجنة متخصصة تقرر من يستحق هذه الجوائز، لأن دار بمثل قيمة وقامة النخبة يجب أن يكون لها دور في أن يخرج منها الأعمال التي تستحق الإسهام في الحياة الأدبية والإعلامية.

-وأنصح الكتاب الجدد بأن ثروتهم وأدواتهم ووسائلهم هي الفكرة، والفكرة لا تأتي عمدا بكثرة التفكير، الفكرة تأتي بالقراءة التي تتخلل عالم الوجدان، وتتفاعل داخله وتهضم وتنتج الفكرة، كما تهضم المعدة الطعام ويسري في الدماء، ولهذا فالقراءة اليومية الكثيفة هي جوهر الأديب والكاتب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى