إبداع

إني أكره أصنام الثقافة 

عندما يتحول المثـقف إلى صنم للعبادة والتأليه تـفسد الحياة الثـقافية

أ.د. سمير عبدالرحمن الشميري
Latest posts by أ.د. سمير عبدالرحمن الشميري (see all)

قال الشاعر:

لا تحسبوا كل من ذاق الهوى عرف الهوى

 ولا كل من شرب المدام نبيذ

ولا كل من طلب السعادة نالها

ولا كل من قرأ الكتاب فهيم

إني اكره الأصنام، أصنام الثـقافة وأصنام السياسة وأصنام العبادة…

فعندما يتحول المثـقف إلى صنم للعبادة والتأليه، تـفسد الحياة الثـقافية، وينسلخ المثـقف عن الثـقافة، ويتحول الى واعظ كهنوتي، فالإبداع لديه طنطنة ثقافية، ومواعظ ونصائح وبابوية ورياء مقزز، أو بالأحرى رياضة لسانية تلوكها الأفواه، فأصنام الثقافة تدعي امتلاك الحقيقة، ولا تريد ان تسقـط شعـرة من الرأس إلا بإذنهـا، فهي تضخـم العاديين وتحولهم إلى أنصـاف آلهـة، وتقزم المبدعين وتكبت أنفاسهم، و لا تريدهم أن يتنفسـوا إلا بإذنها وبإشارة من مقامها الكريم.

أصنام الثقافة تعرف كل شـيء وتبدع في كل مشـارب وصنـوف الإبداع، وتتمعق في قسـط أكبر من تصرفاتها غير مكترثة بأذواق ومشاعر الآخرين.

يقول الأستاذ/أحمد بهاء الدين:

«ويبدو أنه لا يوجد في عالم اليوم مفكـر واحـد راض…عن أولئك (الكتبة) لا (الكتاب) الذين يملؤون الصحائف كل يوم إما بتملق حكامهم أو بتملق قرائهم، بتملق أنفسهم، هؤلاء الذين يعيشون بالغرائز لا بالمشاعر، بالنقل لا بالعقل، ربمـا كانوا أحـد أوبئة الحضارة التي جعلت النشـر سهـلًا واسعًا ميسرًا، ولم يعد «بابًا ضيقًا» كما كان في الماضي عندما كان لا يظهر إلا الجديرون الذين يشقون ويتعبون ويرهقون الناس معهم، عملًا بكلمة الإنجيل (اجهدوا للدخول من الباب الضيق).

فهؤلاء لا يتميزون بالعمق والنطاسة وسعة الإدراك، وإنما ببلادة الأذواق والمشاعر، وبمواهب إبداعية ركيكة.. فهم سطحيون في فكرهم ومشاعرهم، وعاجزون عن الخلق، وبعيدون عن الركب ونكهة الإبداع ويغردون خارج سرب الإناقة والتألق الفكري والثقافي والأدبي.

وفي هذا السياق تندرج الشلل الثقافية، والتي تلحق الأذى بالمبدعين وترفع مقام المتملقين وغير الموهبين، وتمارس خداعًا على غير وجه.

إن الشلل الثقافية تفقـأ عين الإبداع، وتشكل شوكة مؤذية في خاصرة المشهـــد الثقافي، حين لا تتميز بالنزاهة والشفافية، ويغلب على مسلكها العواطف والتعصب والغيرة الممقوتة، وتغفل اللياقة في التعامل مع المبدعين، فهذه الشُلل تغير مكياجها ما بين الفينة والأخرى، وتضيف حمولة من التعاسة والقساواة على كاهل المثقفين والمبدعين، إنها تشوه مساحة الإبداع الثقافي وتغذي الأذواق والضمائر بثقافة فنية وجمالية زائفة في غير مكان وغير مجال.

ولقد كان محقًا المبدع/ يوسف سامي اليوسف حين قال: «هؤلاء الثرثارون، الذين يلاشون كل شيء في لجة الكلام الزائف، هم أعجز الناس عن رؤية الوظيفة الروحية للكتابة الأدبية، وهم وإن كانوا يعملون من أجل هـدف، فإنما يعملون من أجل إزالة الأصالة، أو ما تبقى منها في عصر هيمنت النذالة حتى على نقي عظامه».

فمتى يمكن أن نتسامى عن الصغائر؟ ومتى يمكن أن تكون نظرتنا ثاقبة وبعيدة النظر، تنظر إلى أبعد من أرنبة الأنــف؟!!.

في كل المجتمعات الصغيرة والكبيرة توجد الأنانية والنرجسية والحقد والغيرة والخوف والكراهية والحسد… إلا أن هذه الأحاسيس والمشاعر البشرية لها حدود وسقوف معينة، فإذا ما فاقت هذه المشاعر حدها المعقول تتحول إلى مرض نفسي، وتحول فضاء الثقافة والإبداع إلى عُقم وبلادة، وتصيب المبدع الحقيقي بأسوأ أنواع القهر والإذلال والانكسار الروحي، وتشكل تربة خصبة لإستشراء الزيف والجمود والسماجة الثقافية والإبداعية.

من كتاب «مقالات أدبية بنكهة سوسيولوجية» الصادر عن دار النخبة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى