إبداع

اخلع يأسك.. فروعات الحياة تنتظرك

من لا يُعلي من شأن نفسه ويقدرها فلن يجد منْ يحترمها نيابةً عنه

حورية عبيدة
Latest posts by حورية عبيدة (see all)
كثيرًا ما نمُرُّ بتجاربٍ مُؤلمةٍ أو صدماتٍ مُوجعةٍ تسحقُ مشاعرَنا؛ فنحزنُ في صمتٍ يكادُ القلبُ يتفطرَ، ومع ذلك نسترُ آلامِنا؛ لتسقطَ دمْعاتُ عَيْن الرُوح دواخلنا فقط، كي نثبتَ للآخرين ولأنفسنا أنّا «مسيطرون» على الوضع بما أُوتينا من قوةٍ، مُوقنين -وذاك عَينُ الخطأ- أن البَوحَ ضَعفٌ، وأنَّ الوَجعَ سيستكينُ؛ ولا بد من التدرُّبِ على احتماله وكفى، والحق أنَّه مَحضُ وَهْمٍ.
 
تبقى النفس المُتعبة تُجدِّفُ في نُور يأسِها، والرُوح المُضرجة بالأوجاع تُهامِسُ رياحَ النِسيان؛ لتَعصفَ بذاكرةٍ «مَلغومةٍ بذكرياتٍ قابلة للاشتعال» دُون طائلٍ، ويَئنُ القلبُ الذي لم يعدْ يتسع لأوجاعٍ إضافيةٍ.. فتهربُ الرُوحُ للصمتِ الذي يَتسترُ على آلامٍ صاخبةٍ لا يقْدرُ على إسكاتِها.. فتتمزقُ النفس بين تَهاطُلِ الأحزان الواحد فوق الآخر، وبين دَفْقاتِ الوَجع المتوالية، فلا ترى إلا الهروب للخَيالِ سبيلاً.. ذلك الآَسِر الخَطير.
 
حتمًا يأتي على النفس حِينٌ من الدهر يستوقفُها مُتسائلاً عمَّا يُبقيها مُكللة بالكَدَر؛ وكأنَّها ترعاهُ لحظةً بلحظةٍ حتى التفككِ والتشتُتِ! يتعجَّبُ قائلاً: كيف تتنزّلُ فراشاتُ السعادة على أكتافنا ونحن نَجتر خيباتٍ تترك نُدوبًا لن تبرحَنا؟!
 

فتح حقائب النفس

 
لا ريب أن المواجهة؛ وفَتحَ حقائبِ النفس الداخليةِ هي الحل الأنْجع، لننظفَها من مشاعرٍ تالفةٍ وأحاسيسَ عفِنةٍ، كي نُشرِّعَ أبواب الأمل والتفاؤل؛ ثم ننطلقُ نتنشقُ عبيرَ أنْسام حياةٍ جديدةٍ، مع أشياءٍ مختلفةٍ أو أشخاصٍ جُدد.
 
أثقُ أنَّ الخروجَ من التجاربِ المؤلمةِ لا يَتمُ في لحظةٍ، ولا بين عَشيةٍ وضُحاها، بَيْدَ أنَّ الحياة التي لن نعيشَها غير مرةٍ واحدةٍ؛ تستحقُ ألا نتركُ النفس لمعاناتِها، ولابد من البحث عن حلولٍ للتخلصِ منها أو تخفيفها على أقلِ تقديرٍ.
 
الألم تمامًا كشجرةٍ أصلُها يعجُّ بالوجعِ؛ وفرعُها لا يثمرُ إلا المشاعر السلبيةِ؛ كالاكتئاب والإحباط والقُنوط والغضب والكراهية، واتهام القدر بالظلم في إيقاعاته، ثم يَبرعُ الجسدُ الماهر الماكِرُ في ترجمتها لآلامٍ عُضويةٍ، كلُّها خُلاصة إحساس الفَقْد؛ فَقْد عزيز.. فَقْد حبيب.. فَقْد حُبٍ واهتمام.
 
«اِخلعْ يأسَك.. قاومْ مادمتُ حيًّا.. فالأمرُ ليس قَصِّيًّا مُستحيلاً».. عبارةٌ أُرددُها دومًا لنفسي؛ ولكل مَنْ يَمرُّ بتجاربَ مُوجعةٍ، فمهما بلغتَ من العُمْرِ؛ يمكنكَ البَدء مِن جديد.
 
لا تهتمْ بما سيقوله الآخرون عنك؛ فهم لم يعيشوا معاناتكَ كي يدركوها على حقيقتها، إذن؛ ألْقِ بهؤلاء خلف ظَهرِ اهتمامك، حاول أن تغادرَ من كان سببًا في إيلامك.. أو غادِرْ أنت، إن لم تستطعْ؛ فَخَففْ مِن وطأتهم بأن تصنعَ لنفسكَ حياةً جديدةً، فبالورقة والقلم خُطْ بيدكَ أهدافًا وآمالاً تَودُ تحقيقَها، وانزعْ من مُخيلتكَ أنَّ الأوان قد فاتَ.
 

ابتعد عمّا يؤلمك

 
ابتعدْ قدر المُستطاع عمّا/عمّن يُذكركَ بحياتكَ التي تَودُ تغييرَها، وكلما تذكرتَهم أَعرضْ عنهم، اكتبْ تحتهم بخطٍ واضح:ٍ «صاروا ماضِيًا»؛ كيلا يسرِقون لحظتَك الآنيةِ؛ تلك التي بدأتَ تحياها لتخططَ لمستقبلٍ جديدٍ، صادقْ أُناسًا جُدد، زُرْ أماكنَ لم تطِأها من قَبْلِ، ابحثْ في نفسِك عن موهبتكَ التي لم تلقَ منكَ اهتمامًا واعْتنْ بها قَدرَ المُستطاع.
 
مارسْ نشاطًا رياضيًّا أو المشي مدة ساعة يوميًّا، أو عملاً خيريًّا، ووسعْ دائرةَ اهتمامِك باكتساب مهاراتٍ جديدةٍ، وثقْ بأنك قادرٌ على النجاح وحدك، ولا تربط مصيرَك بأحدٍ، ولا تلتفتْ أبدًا لمَن يحاولُ إعاقتَك وتثبيط همَّتك؛ بل استغنْ عنهم، لأنَّ إعادةِ صياغة حياتِك هي هدفك الأسْمى، ولا تنسْ التواصل مع أصدقاءٍ مقرَّبين مُحببين إليك؛ فهم خيرُ مَنْ يصدرون لك طاقةً إيجابيةً.. ولا تتركْ نَفسَكَ فريسةً للوحدةِ والخَوفِ.
 
ربِّت على روحِكَ لأنها تستحق الاهتمام، فمن لا يُعلي من شأنِ نفسِه ويُقدرُها فلن يجدَ مَنْ يحترمُها نيابةً عنه، ولا تنسْ شِفاءَ الصدورِ في أنْ تمارسَ التناسي والتسامح والغُفران؛ لأنها دليلُ قوة الإرادة، كي تتفرغ نفسيًّا وروحيًّا وعقليّا لاستقبال روعاتِ حياتكَ المقبلة؛ لتبدأ في غرسِ سلسلةٍ من ذكرياتٍ سعيدةٍ تنتظرُك.
تعليقات الفيس بوك
اظهر المزيد

حورية عبيدة

أديبة وكاتبة صحفية، حائزة على درع "الكتّاب المتميزبن" من مؤسسة الأهرام، عضو نقابة الصحفيين، عضو اتحاد كتّاب وأدباء مصر، عضو اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات، عضو جمعية الكاتبات المصريات. صدر لها العديد من المقالات والحوارات الصحفية والمؤلفات منها: ( ترنيمة عِشق، ويبقَى عطرها، مُدن تغزل الوجع).

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى