إبداع

«استراحة مفيستو» رواية عالمية السرد

الروائي برهان شاوي تجاوز حدود القص العربي

Advertisements
Latest posts by هاتف بشبوش (see all)

للمرة الثالثة يستفزني ما يكتبه الروائي برهان شاوي، فما بمستطاعي أن أضطهد قلمي وأوقفه عن بوحه المتشارد لكي يكتب عن هذه القامة الروائية العملاقة التي بدأت تأخذ حجمها في هذه الأيام على المستوى العراقي والعربي ولابد لها أن لا تتوقف عند هذه الحدود بل ستتعداها إلى العالمية في وقتٍ قريبٍ لا محال.

رواية «استراحة مفيستو» هي موضوع دراستنا، هذه الرواية كتبت بأسلوب سينمائي بحت، وقص وسرد بوحي عالمي تجاوز القص العربي والعراقي كثيرًا، حتى شخوص الرواية وأماكنها وأكشنة بعض المشاهد، والبوليسية وصبغة الرعب والجرميّة التي تحتويها توحي بأنها عالمية السرد، وهذه هي التي جعلت من برهان يرتقي سلّم العالمية.

برهان شاوي سجل رقمًا قياسيًا في «استراحة مفيستو»

برهان شاوي في «استراحة مفيستو» سجل رقمًا قياسيًا في كتابة الرواية من ناحية الوقت أو العامل الزمني وما تتطلبه الرواية من عناية فائقة ومتابعة وتنقيح ، إنه أنتج ( استراحة مفيستو) بشهرواحدٍ فقط (21/2/2016….21/3/2016) ،

ربما كان يكتب على مدار نصف نهار ثم يستريح النصف الآخر. أكثر الروايات العالمية الشهيرة أخذت من كاتبها سنين عديدة، جوستاف فلوبير كتب رواية مدام بوفاري على  مدار خمس عشرة سنة، البؤساء أخذت من الروائي هوغو أكثر من خمس سنين، الدون الهادئ لشولوخوف هي الأخرى أخذت وقتًا كبيرًا، وغيرها. يعجز المرء على هذه القابلية التي تحلى بها برهان شاوي، أكثر الروائيين العالميين في الزمن الرومانسي والكلاسيكي يكتب رواياته وينشرها في الصحف على شكل حلقات ولذلك نرى أكثر الروايات الشهيرة أخذت من الكتاب سنين وسنين حتى أنجزت وأصبحت في متناول القارئ ككتاب .

ولكننا أمام روائي عراقي وفي القرن الواحد والعشرين يسترسل ويكتب ويكمل الرواية في ظرف ثلاثين يومًا، حقًا أنه الروائي الثري الذي يملك من الخيال العجيب الغريب، وللأسف لا يوجد هناك إعلام حر غير منحاز كي ينصف هذه القامة التي أعطت الكثير ولا يزال الدرب عسيرًا.

 الروائية الإنكليزية (جوان رولينج موراي) التي كتبت هاري بوتر، فرنسية يهودية معدمة الحال حتى أصبحت من ضمن قائمة أثرياء العالم، الإعلام اليهودي جعل لها مهرجانًا سنويًا خاصًا باسم مهرجان هاري بوتر، أين نحن من ذاك! 

ورغم ما تقدم أعلاه نحنُ بانتظار تحويل متاهات برهان شاوي الست إلى عمل تلفزيوني درامي وهذا هو الإنجاز الكبير .

الدخول إلى عالم المرأة في «استراحة مفيستو» 

في «استراحة مفيستو» مرة أخرى يتحفنا الروائي برهان في الدخول إلى عالم المرأة الجميل والمثير وشاغل الدنيا، وجالب المتاعب، والممتع في الحب والجنس، إنه الروائي الذي يعرف جيدًا أنّ الدخول إلى القص بلا امرأة هو بمثابة الدخول إلى صحراء قاحلة بلا قطرة ماء. قص وسرد امتلأ بالحواءات الجميلات، تلك تحب ويقلقها الحبيب، وتلك يُختطف زوجها، وتلك أم، وتلك منتقمة من زوجها الخائن، وهكذا نجد الحواءات، حواء الدلو، حواء المسافر، حواء الصوفي، حواء المحدبة، حواء النمرود، حواء الأعمى، حواء الأبيض، حواء الأسود، حواء الدلو المدفون، وأغلبهنّ يُختطف أزواجهن بسبب المال الذي هو اللعنة الرئيسة على صاحبها في هذه الرواية، كما سنبين لاحقًا .

كما وأنّ محور الراواية الرئيسي الذي يجعلنا مشدودين على مسار السرد هو عثور آدم المسكين في مقبرة على حقيبة جلدية مليئة بستمائة ألف دولار، وبالقرب منها جثة ممدة ممقطوعة الرأس مما يجعل آدم المسكين دائم البحث عن شخصية الجثة المجنى عليها، ويتبين أيضًا وهذا هو المهم في جشع البشرية في عالم رأسمالي قذر، من أنّ الأشخاص الذين يختطفون، يقتلون في سبيل الحصول على المال الكثير من شركات التأمين.

الخيال والغموض في «استراحة مفيستو» 

في «استراحة مفيستو» تناول الروائي برهان شاوي بشكل فنتازي، خيالي، غامض نوعًا ما، لشخصية آدم المسكين الذي تلح عليه الظروف المادية ليستقرض نقودًا من أبشع رجل مُرابٍ في المدينة التي يعيش فيها، لكي يدفن أبويه. غريب أمر الإنسان حينما تتكالب عليه الظروف فإنه يستعين بالشيطان، ولم لا ففي هذا الزمن الرديء هناك من القادة الذين تفاعلوا مع هذه المقولة (في سبيل مصلحة بلادنا نتحالف مع أيٍ كان حتى مع الشيطان) .

في الرواية يموت أبَوَا آدم المسكين بطل الرواية ولم يمتلك نقودًا لدفنهما مما يضطره أن يستدين من هابيل السفاح الذي لا يرحم أحدًا في حال عدم استرداد الدَين، فمصيره الموت لا محال، مثلما حصل في مسرحية (تاجر البندقية) وكيف كان اليهودي المرابي شايلوك الذي أعطى مالًا إلى (أنطونيو) التاجر الذي تغرق مراكبه واشترط عليه حين لم يُرجع ما عليه من ديون وينتهي الوقت المحدد لتسديد الدين، عليه أن يستقطع اللحم الطري من جسمه المعافى.

حكايات من صلب الواقع العراقي

بالرغم من عالمية السرد، الاّ أننا نجد انفسنا وسط حكايات من صلب واقعنا العراقي المعاش، وفزوراته المترفة، فعلى سبيل المثال، هناك الكثير من العراقيين لا يمتلكون نقودًا لمراسيم دفن ذويهم، ومن هذه انطلقت الكثير من الحكايا المضحكة في هذا المجال، في السماوة كان هناك رجلُّ خفيف الظل ممراح طحنته السنين طحنًا حتى جعلته فقيرًا مدقعًا، هذا الرجل يدعى (حولي) ماتت أمه ولم يمتلك نقودًا لدفنها، صعد إلى أعلى السطح مناجيًا ربه قائلاً: (يارب تصور أنت حولي وأنا الله)، ماذا تفعل حين تموت أمك ولم تمتلك نقودًا لدفنها.

نزل حولي إلى باحة البيت مهمومًا منكسرًا جذلًا على فقره المدقع، فإذا بأحدهم من أثرياء السماوة يطرق الباب ويعطيه عشرة دنانير، فقال له حولي، هل أتيت وحدك لتعطيني هذه النقود أم الله أرسلك لي، قال له الله أرسلني فأتيت لأنك فقير وبحاجة إلى المال لدفنِ أمك، فرفع جميل رأسه الى الله وقال له: (هذه أول مرةٍ في حياتك تفعل معي خيرا يارب).

داخل «استراحة مفيستو» 

يبدأ آدم المسكين بالخوف من تهديدات هابيل السفاح لعدم قدرته على تسديد الدين، فيضطر أن يترك البيت خوفًا من مجيء هابيل السفاح ولا يعرف ما الذي يحصل، يهرب إلى فندق يسمى (استراحة مفيستو)، مفيستو كلمة من أسماء الشيطان، (لا أدري لماذا كلمات الرب والشيطان لها الكثير من المعاني والكلمات الأخرى المترادفة).

يهرب إلى الفندق وهنا تحصل المشاهد البوليسية المرعبة والمخيفة والتي يرسمها برهان بشكل مذهل لا يقل إبداعًا عن السيناريوهات التي نشاهدها عن طريق الأفلام العالمية، بل تتفوقها كثيرًا. هناك يلتقي بمدير الفندق آدم الآدم، ثم الصحفي آدم الضائع ثم الكثير من العاملين والعاملات الذين يتشابهون كثيرًا مع بعضهم، أي كل واحد منهم عبارة عن نسخة من الآخر، إنه فندق ألأشباح أو القادمين من الموت والمقابر، إنه فندق تسيّرهُ الأشباح الموتى، أو إنه على غرار ذلك المكان في براغ حين تدخله عبارة عن مرايا كثيرة، فترى نفسك فيها وقد استنسخت إلى أكثر من نفسك بمراتٍ عديدة، لربما الرسالة التي يريد إيصالها لنا الروائي برهان، هي أنّ البشر هو هو، ولكن في غالب الأحيان يتحول إلى طبعِ مجاراة القرود في التصرف، فلا نستطيع التمييز بين الوجوه المتعددة للقردة وتصرفاتها المخزية.

سجن كبير وسجانوه مجرمون

أو إننا وسط سجن كبير وسجّانوه كلهم جلاوزة مجرمون قتلة وسفاحون غير إنهم يختلفون في إسلوب تعاملهم مع السجين، فنرى ذاك السجان يحب الركل وآخر يحب الصفع وآخر يستهويه اللكم وأخرُ يفضل الضرب بالسوط وآخرُّ يتلذذ بالإغتصاب وهلم جرّا، لكنّ الفعل واحد هو السادية التي يملكها هذا الجلاد أو الجلواز، فلا مناص أن يكونوا بالنسبة للسجين كلهم متشابهين ومن نسخةٍ واحدةٍ لا تختلف سوى بالتصرف ونوع الإجرام .

آدم المسكين حينما يموت أبَواهُ يتعرف على جارته الخمسينية العمر التي  يصغرها سنًا (حواء الدلو)، وهي صديقة لوالدته لكنها مثيرة وجميلة، يستطيب لها قلبه وجوانحه ويشتهيها بعد كسر حاجز الخوف والحياء. من المثير جدًا والمغري في العراق وشعوب الشرق أن يقع رجل في حب امرأة تكبره سنًا وعلى مستوى عالٍ من الجمال المكتنز واللحم البض، يطلق على هذه المرأة كتسمية جنسية خالصة وخاصة في العراق (الأيجة).

كما وأننا رأينا هذا الحب القاتل والمدمر في الفيلم المصري الرائع والخالد من ذلك الزمن الرومانسي الجميل والذي لا يتكرر(أبي فوق الشجرة) من تمثيل الراحل عبد الحليم حافظ والممثلة الحسناء (نادية لطفي)، وكيف كان الفارق العمري بين الاثنين وما حل بعبد الحليم من جراء حب امرأة مكتنزة تكبره في السن. أما عالميًا فهو الحب الذي شاهدناه في الفيلم الدرامي الأكثر من رائع (القارئ) من تمثل حسناء تايتنك (كيت وينسلت) التي تعشق طفلًا يصغرها بأكثر من ثلاثين عامًا، الفلم كان يصرخ بالحب والجنس والتنهيد المثير الذي تفوح منه رائحة الصبا والأنوثة الأربعينية الشبقة في آنٍ واحد .

حواء تشفق على آدم المسكين

حواء الدلو تشفق على آدم المسكين فتقوم بمساعدته في إحضار الطعام. هو من النوع الإنطوائي، لكنها تستدرجه، تحب فيه الغموض، الشهامة، الشباب، سحنة وجهه، عضلاته، لكنه من النوع الخجول، النساء تحب الرجال الذين يتركون فيهنّ شيئًا من الجنس، النساء يستهويهنّ الرجل الذي يتجرأ وله القابلية على التقبيل أو ممارسة الجنس معها في أحلك الظروف، لا يمكن للمرأة بعد مضي السنوات أن تتذكر الرجل إذا لم يمارس معها الطقس الجنسي الذي تحبه وتشتهيه، الجنس هو الدليل الأكثر موضوعية للتذكر في عالم النسيان. ولذلك في يوم خاص يحصل الذي يحصل في ممارسة جنسية خجلة بين آدم المسكين وحواء الدلو ارتاح لها الطرفان وارتاحت شهوتهما وهدأت أعضاؤهما وكبر الحب بينهما، حتى غدا أسفينًا في حياتهما الباقية،  نتيجة استذواق عسيلة كل منهما الآخر  .

يهرب آدم المسكين من هابيل السفاح ويذهب إلى فندق (إستراحة مفيستو) مدير الفندق ينصحه بالذهاب إلى المقبرة القريبة لعدم توفر السكن الشاغر. ينذهل لما يسمع، لكنه يذهب مرغمًا وهناك يجد حقيبة مليئة بالدولارات وجثة ممدة مقطوعة الرأس بالقرب منها، يرتعب لما يرى إنّ الجثة تشبه مدير الفندق آدم الآدم، ويجد أيضًا مجموعة من الهويات الشخصية المتشابهة. يأخذ الحقيبة ومنها يسدد دينه لهابيل السفاح، فيتخلّص من موت محقق كان سيأتيه لو أنه أخلّ بالعهد والصفقة التي عقدها مع هابيل السفاح. يتبين فيما بعد أنّ مدير الفندق (آدم الآدم) هو الذي رتب هذه المكيدة لآدم المسكين، أي أنه تخلّص من ورطة الصفقة مع هابيل السفاح فيجد نفسه في ورطةِ صفقة أخرى أكثر خطورة على حياته. هذه هي الحياة التي يتكلم عنها برهان، عبارة عن صفقات مميتة مقلقة مشبوهة على الدوام .

الحديث عن الأرواح في «استراحة مفيستو» 

في جانب من الرواية حيث يُستغل آدم المسكين فيجد نفسه يعمل صحفيًا مرغمًا على ذلك بدلًا من الصحفي الرئيسي في الرواية آدم الضائع، يستغل آدم المسكين لوسامته وثقافته العالية لغرض الإيقاع بالنساء اللواتي يُختطف أزواجهنّ ولا يُعرف مصائرهم. يلتقي آدم المسكين بحواء المسافر ابنة الثلاثين ربيعًا فيجدها تشبه أمه ولديها ابنان قابيل وهابيل، وهذان يشبهان آدم المسكين، فيتبين أثناء السرد اللاحق إنها أمه وهذان أخواه المتوفيان في الطفولة، لكنها تأتي من القبر لزيارة ولدها آدم المسكين، أنه شيء من الحديث عن الأرواح التي تأتي لزيارة أماكنها بين الحين والحين.

الخيال العلمي وأفلام الرعب

هنا الروائي يقترب من القص العالمي لأفلام الرعب، أو أفلام الخيال العلمي التي تتحدث عن قدوم أحدهم من الماضي إلى الحاضر أو ذهاب أحدهم من الماضي والحاضر إلى المستقبل، حيث يروي لنا القادم من الماضي عن حيثيات الحياة أنذاك، أو يروي لنا القادم من المستقبل عن تطور الزمن وما وصل إليه العلم. هكذا يجعلنا برهان في أجواء ممتعة للغاية بين الخيال والحقيقة والواقع، فنجد حواء المسافر توضح لآدم المسكين في حوارية صحفية معها عما جرى لزوجها المخطوف وعن ظلم الحياة وتفاهة الإنسان فتقول :

 فليس هناك من بين جميع المخلوقات التي تتبرز من تجد غائطه أكثر جيفة وإثارة للاشمئزاز من غائط وخراء الإنسان، وفي هذه الجيفة وجد آدم المسافر زوجي نفسه عالقًا ومضطرًا للعمل في تنظيف المرافق لكن هذه المهنة حولت حياتنا إلى جيفة.. فقد كان المسكين يتحمم يوميًا لكن رائحة الغائط ظلت عالقة به) .

مهنة مثيرة للاشمئزاز

تتجلّى هذه في العراق وبلدان العالم الثالث المنحط إلى أسفل درجات الانحطاط، فهناك الكثيرون ممن امتهن هذه المهنة التي لا تطاق من جرّاء عالمٍ باطل، والأدهى من ذلك تراه يحمد ويشكر الله على نعمته هذه وهو في منتصف الخراء، مثلهُ مثل الذي يعمل حارسًا في مراحيض عامة، حيث يتحمل الروائح العفنة لخراء البشر وهو ماسك بيده مسبحة يحوقل ويسبح بها حمودًا شكورًا. بينما هنا في بلدان التحضر هناك من يمتهن هذه المهنة لكننا نراه نظيفًا عبقًا، بل يمتلك سيارة مرسيدس وبيتًا فاخرًا على غرار (ميكائيل) في فارسو المدينة التي كنت أعيش فيها سابقًا في الدنمارك. الحوارية أعلاه هي حوارية مؤلمة عن البشر ومدى الرائحة التي تنبعث من مخلفاته وفضلاته، بالرغم من إدعاء الإنسان وتبجحه بالمثل العليا واستخدامه لأجمل العطور والكريمات والدهون البراقة.

زوج حواء المسافر يضيق ذرعًا بعمله النتن وسط عالم لا يرحم، يترك الخراء ويضطر إلى العمل في المخدرات التي تجلب له المال الوفير والسهل الذي أصبح هو السعادة الحقيقية لدى الكثيرين للأسف وسط عالم رأسمالي جشع، عالم رأسمالي قال عنه ماركس قبل أكثر من مئة وخمسين عام ، (إنّ العالم القادم هو عالم المال الكثير الكثير لكنه ينحسر بيد أعداد قليلة من الأثرياء كما بينها الكاتب الأمريكي البديع (هوارد زين) في مسرحية (ماركس في سوهو) ترجمة حارث النبهان منشورات دارالمدى).

ثم نستكشف أثناء الرواية إنّ زوج حواء المسافر قد اختطف وقتل لأسباب مالية تتعلق بالمخدرات. لكنّ آدم المسكين لم يعرف من خلال اللقاء الصحفي معها من أن الجثة الممدة التي رآها في المقبرة قرب الحقيبة الجلدية من أنها تعود لزوجها وبهذا يكون قد خسر بما أراد معرفته من خلال اللقاء معها.

انتقام المرأة

ثم يتطرق الروائي إلى قضية المرأة وانتقامها، رأيناها حين تحب تذوب وتعشق وتضحي وتبني عالمًا جميلًا كما حواء الدل ، لكنه أعطانا مثالًا على المرأة المنتقمة التي تهد الجبال لو أرادت الانتقام، إذا ما أحبت فإنها عبارة عن إلهة الحب، أما إذا غضبت فهي إلهة الموت والانتقام، مثلما حصل لانتقام حواء النمرود من زوجها آدم الطيار المحامي، مع ابنها قابيل بالتبني، عاشت مع زوجها لعشرين عامًا بالرغبة والحب وانتهت معه بالانتقام لخيانته لها مع سكرتيرته. حيث تروي لآدم المسكين أثناء اللقاء الصحفي عن كيفية مضاجعتها مع ابنها قابيل بالتبني بعد رقصٍ وسكرٍ بينها وبين ابنها، حيث تروي لآدم المسكين الذي مثل دور الصحفي أيضا بدلًا من الصحفي آدم الضائع، عن كيفية انتقامها من زوجها مع ابنها بالتبني وتقول :

(وأخذت يده تجول (ابنها بالتبني) في أنحائي وبراكيني الفوارة، ولم أجد نفسي إلا وهو يأخذني إلى السرير في الغرفة المجاورة، ويخترقني، كل شيء جرى خلال دقائق معدودة، لا أعرف ماذا جرى بعد ذلك).

حواء الأعمى

وفي حوار آخر بين حواء الأعمى وآدم المسكين الذي يأخذ منحى آخرَ وبعدًا عميقًا، إذ أنّ كلا الاثنين يحاول الإطاحة بالآخر، حيث أنها تعيّره من أنه يلقب بالمسكين فقال لها (أن أكون مسكينًا خيرلي من أن أكون أعمى). كما وأنّ زوج حواء الأعمى يحمل اسم آدم عينُ الحياة، هي العمياء وهو عين الحياة، حبكة جميلة ورائعة من الروائي برهان في حيثيات الأسماء وما تحمله من دلائل عميقة، وكأن النور الذي ترى به حواء الأعمى هو لدى زوجها آدم عين الحياة، الزوج هنا اتكاء بالنسبة لحواء الأعمى، بينما بالنسبة لحواء النمرود التي ذكرناها أعلاه فالزوج هو انتقام .

ثم في حوارآخر تقول له حواء الأعمى:

(من أنتَ أيها المسكين يقول لها …… أنا ظل يمشي، أنا لستُ أنا، وهل أنتِ أنتِ؟) 

«استراحة مفيستو» تكشف أقنعة البشر 

هنا يدس لنا الروائي ما يريده بالضبط عن معشر البشر والإنسان الذي يتقنع بمئات الأقنعة وما نراه يمشي بلحمٍ ودم ما هو إلا الظل، هو الأكذوبة، هو الزائل لا محال، هو المتخفي، هو الزئبقية التي يتحلّى بها البشر التي سرعان ما تنساب وتختفي في الظروف الغامضة، أو تلقى في دروب الآخرين كي يتزحلق بها الآخر، لله درّك يا برهان على هذا الحوار الممتع الذي يحمل في طياته الفلسفة الإنسانية وأبعادها الأخرى التي لا نراها في حقيقتها ماثلة أمام أعيننا، بل هي الغبار العالق بوجوهنا والذي سرعان ما نريد أن نتخلّص منه بأسرع ما يمكن .

تنقلنا الرواية إلى مشهدٍ آخر على أنّ الفندق هو عبارة عن المدينة بأكملها، حيث يستطيع المرء أن يتجول في شوارعها وأزقتها. أي أن الرأسمالي الذي يمتلك هذه المدينة الذي هو آدم الآدم بيده كل مفاتيح هذه المدينة، بل كل ما يعيش فيها من بشر. ويتبين فيما بعد أن كل ما يعيش في هذه المدينة عبارة عن أشباح الموتى المتشابهين.

هذه الفكرة على وجه التقريب كما الفلم الأمريكي من بطولة آرنولد (يوم الحساب في أحد أجزائه)، حيث هناك في كوكب المريخ يتواجد الرأسمالي الذي يملك الهواء، وهو الذي يتحكم بحياة الآخرين في ما إذا أراد خنقهم أو إحيائهم عن طريق التحكم بكمية الأوكسجين، هكذا هو حال البشر حتى في امتلاكه لقسم من السموات السبع نراه جشعًا مجرمًا يريد المزيد والمزيد.

مشاهد النهاية في الرواية

في المشاهد النهائية من الرواية يُهدد ويُجبر آدم المسكين على أن يقف أمام مدير فندق (استراحة مفيستو)، يدخل ويجد هناك امرأتين حواء الأبيض وحواء الأسود واللتان تشبهان حواء الدلو، مما يجعله يتوجس خوفًا من حبيبته حواء الدلو التي ربما هي التي خططت لكل هذه الفبركات .

هنا أستطيع أن أنتقل من خلال الرواية لموضوعة في غاية الأهمية، لما ألمّ بالكثير من العراقيين كما وألمّ بالروائي برهان نفسه من عذابات وآلام في السجون وقبلها على الأرض وما أصابه من جراء المخبرين ورجال الأمن السري الذين نجا منهم بأعجوبة كما بين لنا في إحدى رواياته .

ولذلك آدم المسكين لما رأى حواء الأبيض وحواء الأسود تشبهان حواء الدلو، راح شاردًا بذهنه الى إنّ حواء الدلو ربما هي أحد مخبري آدم الآدم، وهذه كنا نعيشها أيام البعث والقصص التي لا تصدق بشأن الرجال الذين أصابتهم الأهوال من جرّاء جاسوسية زوجاتهم لدى السلطات، إنه موضوع متشابك حقا، يمكن للقارئ أن يغوص من خلاله في الكثير من التأويلات .

وقبل أن يدخل آدم المسكين إلى مكتب آدم الآدم يقرأ على باب الدخول نقشًا واضحا : ( أيها الداخلون إطرحواعنكم كل أمل) ، ما أروع الروائي برهان هنا وفي هذا المدخل، فالذي يدخل سجن قصر النهاية في أيام البعث المقبور لا يمكن له أن يفكر في الخروج منه تحت أي ظرف، إلا إذا كان ذا حظٍ عظيم.

مدينة أفلاطون الفاضلة

لكن هذا المدخل يذكرني أيضًا بما قرأته عن أفلاطون ومدينته الفاضلة حيث كتب على باب أكاديمية الرياضيات: (الذي لا يمتلك خبرة في الرياضيات عليه أن لا يفكر في الدخول) فأين هذه من تلك وما يفعله المجرمون والشياطين أصحاب النفوذ والمال والسلطة والجشع .

الرواية منذ عثور آدم المسكين على حقيبة الدولارات تحدثنا عن أنه حينما يتنقل وأينما يصول ويجول، نراه لايترك الحقيبة من يده، إنها أصبحت بمثابة السعادة الحقيقية لديه، وهنا نرى انّ السعادة الوحيدة التي يمكن أن نقبض عليها هي المال؛ بالرغم من كون السعادة الحقيقية هي عبارة عن قبضة ريح، ولذلك نرى أحيانًا آدم المسكين ينظر في المرآة ويرى نفسه بدون الحقيبة الجلدية التي يمسكها، ثم فجأة ترجع هذه الحقيبة إلى يده ويطمئن ويرتاح، ثم يضمحل وجودها وهكذا، هنا تتجلى السعادة بكونها لا يمكن مسكها إلى الأبد، وإذا تم مسكها فستغيب حتمًا في المشاهد الأخرى من الحياة، وكأن السعادة حركة متأرجحة غير ثابتة مثلما قال عنها عبقري التشاؤم شوبنهاور (إنّ حياتنا مثل البندول تتأرجح بين ألم الرغبة وفراغ الإشباع وليست السعادة إلا حلم لا يمكن تحقيقه).

المال مقابل الروح

يتبين أيضًا أنّ هذه الرواية تتناول صفقة غريبة، المال مقابل الروح، نعطيك هذا المال مقابل أن نقبض على روحك، أو تعيش فيه ببذخٍ وترف إلى أن ينتهي، فنأتي ونقبض على روحك، لكن آدم المسكين يتحير في هذه الصفقة، هل سيعيش بقية حياته بهذه النقود سعيدًا مرتاحًا حتى يموت، أم يرفض هذه النقود ويعيش حياة الفقر والذل. إنها كما يحصل في هذه الأيام العصيبة في سوريا وفي كثير من بلدان الفقر والتخلف حيث يبيع المرء أحد أعضائه إلى الأثرياء (صفقة أيضًا) كي يعيش بها مدة من الزمن، إنه عالم غريب، ولذلك ليس غريبًا حين يقص الروائي برهان كل هذا الخيال العجيب الغريب والصفقة التي تمّت (النقود مقابل القبض على روح آدم المسكين من قبل إبليس مفيستو).

هي هذه الحياة التي نعيشها والتي وصفها برهان في فندق صغيرٍ يمثل مدينة بأكملها، حيث تترآى لآدم المسكين بكل شوارعها المتسارعة، شوارع تسير به بأسرع مما يتصور، إنها الحياة التي تنزلق من بين أيدينا كانزلاق السمكة الطازجة، إنها الحياة التي تشبه عفطةَ عنزٍ في مدتها القصيرة الخاطفة.

حوارات فلسفية

الرواية في فصولها الأخيرة تحدثنا عن الحياة ومآسيها بفلسفة عالية على لسان حواء الدلو المدفون لنرَ ماذا تقول إلى آدم المسكين:

(مشكلتك أنك في عزلتك لا تسمع سوى موسيقى الصمت بينما لو أنصت للحياة لوجدتها جوقة موسيقى وصراخًا وضوضاء بل حتى كوكب الأرض فإنه في الكون اللانهائي لا يطلق سوى الأنين والآهات).

برهان له كل الأحقية بذلك، فها نحن كعراقيين مذ أتينا إلى هذه الحياة لم نحصد منها غير سمفونية الحرب والألم والقتل والتشريد القادم من الأزل والصاعد صوب الأبدية على ما يبدو .

في المقابر تتساوى الأوادم والحواءات

الرواية في مشوارها النهائي تخبرنا عن آدم المسكين وتقول:

(فتح عينيه وكانت ثمة أشجار جرداء تحيط بالمقبرة.. لم يعد آدم يعرف نفسه جيدًا.. هل هو آدم المسكين، أم آدم آدم مدير فندق استراحة مفيستو؟).

في المقابر تتساوى الآوادم والحواءات بكل مستوياتهم المعاشية والمادية، هذا هو قانون الموت. 

هكذا يحيرنا الروائي برهان شاوي في كتابه البديع هذا حيث يجعلنا نقرأ البشر في شتى صنوفهم. البشر واحد هو هو، لكننا مرة نراه ملاكًا دمثَ الخلق ومرة نراه شيطانًا لا يدانيه أحد، ولذلك يبقى آدم المسكين في النهاية لا يعرف من هو بالذات وسط هذا الكم الهائل من الآدميين وأفعالهم الشريرة في غالب الأحيان. فيجد نفسه في النهاية له رغبة في أن يلتقي حواء الدلو، لكنه يقرر فجأة أن لا يرى أيًا من الحواءات والأوادم ـ لكثرة ما أصابه من جرّائهم من الويلات والمتاعب. يتخلص آدم المسكين من لعنة الحقيبة الجلدية، أي يتخلص من لعنة النقود التي تشغل باله فيجد نفسه خفيفًا مطمئنًا .

وهذه هي النقطة الأخرى التي أراد الروائي إيصالها لنا، من أنّ آدم المسكين كان ينعم بحياة هادئة بسيطة رغم قلة المال والفقر، كان مثقفًا، مطلعًا، مستقرًا، محبًا ولكن ما أن حلّت النقود في عالمه حتى جعلت منه إنسانًا آخرا ، قلقًا تعبصا، مشغولًا، خائفًا، محبطًا، مرتبكًا، حارسًا عليها طوال الوقت أينما يذهب فهي معه، هذه هي ضريبة المال الكثير، وخصوصصا حينما يأتي على غير وجه حق .

في النهاية أستطيع القول من خلال الرواية: إنّ حياتنا هذه التي نعيشها على الأرض هي عبارة عن صفقات..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى