إبداع

الأحرف السبعة.. حكايتها وعلاقتها بالقرآن الكريم

لم تكن مهمة جمع المصحف وتوثيقه بشكل دقيق سهلة

Advertisements
Latest posts by د.تامر عزالدين (see all)

لم يكن الأمر الذي قام به عثمان بعد ما فعله أبو بكر وعمر وزيد في عهد أبي بكر بالمهمة السهلة..

السؤال هنا لماذا لم تكن المهمة سهلة بعد أن جمع أبو بكر ولجنته مصحفًا محفوظًا وموثقًا توثيقًا دقيقًا؟!

لكي نفهم ما فعله عثمان يجب أن نعيش قليلًا هذه الأجواء ونفهم أمرًا مهمًا..

الأحرف السبعة والقراءات السبع

هذا الأمر فيه شرح وتفصيل كبير لن يتسع المقال لأخوض في تفصيله ولكني سأطرحه بشكل بسيط، إنه أمر الأحرف السبعة والقراءات السبع للقرآن؛ لأن هذا الأمر له دخل كبير في ما قام به سيدنا عثمان..

– أولًا: ما حكاية الأحرف السبعة والقراءات السبع؟!

نسمع أن القرآن نزل على أحرف سبعة.. يعني إيه الكلام ده؟!

أنزل الله القرآن عربيًا وكان العرب كأي مجتمع كبير منتشر على رقعة كبيرة من البلاد لهم في لغتهم اختلافات حسب اختلاف المناطق..

كما هو الحال الآن فتجد في البلاد العربية بعض الأشياء تحمل نفس المعنى  ولها مسميات مختلفة من بلد إلى آخر وكل تلك المسميات عربية، وقد راعت لغة القرآن هذا الاختلاف فتعلمها الرسول بهذه الأحرف السبعة من جبريل وعلمها للصحابة..

وهذا غير اختلاف اللهجات وطريقة نطق الكلمة الواحدة والذي عُرف فيما بعد بمصطلح القراءات السبع.

إذًا، الأحرف السبعة غير القراءات السبع فتصنيف القراءات السبع جاء متأخرًا على يد أحمد بن مجاهد. المولود في ٢٤٥هـ، وهو تصنيف للهجات نطق القرآن بناءً على شروط معينة.

الفتوحات الإسلامية وخطر الاختلاف

تمام.. نرجع لموضوع الأحرف السبعة:

مع استمرار الفتوحات اختلطت الأجناس العربيّة بغيرها من الفرس والروم، وكان الصحابة قد توزعوا في البلاد المختلفة يعلمون الناس القرآن وأمور دينهم، فكان كل صحابي يعلّم من حوله بالحرف الذي تلقّاه من النبي صلى الله عليه وسلم، أهل الكوفة يقرأون بقراءة عبدالله بن مسعود وأهل البصرة بقراءة أبي موسى الأشعري وأهل الشام بقراءة أبيّ بن كعب.

ومع مرور الزمن أختلف الناس اختلافًا شديدًا، وقد تنبأ بهذا الأمر عثمان بن عفّان ولاحظه وفطن إلى خطورته؛ وتأكد من هذا الخطر عندما أفزع حذيفة بن اليمان رضي الله عنه اختلاف أهل الشام والعراق في القراءة فذهب إليه في المدينة وقال له: «يا أميرَ المؤمنينَ أدرِكْ هذه الأمةَ قبلَ أن يختلِفُوا في الكتابِ اختلافَ اليهودِ والنصارى».

لقد بدأ الناس في الأقطار البعيدة ينسخون القرآن بناءً على ما يسمعونه فاختلفت أشكال الكلمات باختلاف نطقها واختلف القرّاء في أيهم أصح قراءة؛ فقرر سيدنا عثمان أن يعتمد نسخة واحدة للقرآن ويدونه برسم يحتمل الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن فانتدب عثمان لهذه المهمّة الحساسة أربعة من شباب الصحابة كوَّن منهم لجنة تكون تلك هي مهمتها.

وكانوا واحدًا من الأنصار وهو زيد بن ثابت المكلّف بالجمع الأول، وأمّا الثلاثة الآخرين فكانوا من قريش وهم، عبد الله بن الزبير، سعيد بن العاص، عبد الرحمن بن حارث بن هشام.

ضوابط الجمع

ومن أهم الضوابط في المنهج الذي اشتغلوا عليه في وسط كم هائل من المصاحف التي ظهرت في هذا الوقت؛ أنهم كانوا قد اعتمدوا في الجمع على مصحف أبي بكر الذي انتقل إلى عمر أثناء خلافته ثم انتهى إلى حفصة بنت عمر رضي الله عنهما.

وبالطبع كان يجب أن يراعي في هذه المرة أمر الأحرف السبعة الذي أصبح واضح بعد اتساع الدولة الإسلامية و زيادة عدد المسلمين وتنوعهم.

فقد رسم عثمان الخطوة التالية في منهج الجمع الذي هو بمعنى النسخ -كما سبق وأن ذكرنا- حيث قال للثلاثة القرشيين: «إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم»

وكانت بعض المصاحف الموجودة مزيلة ببعض الشروحات والتفاسير التي كتبها العديد من الصحابة على صحفهم فأمر بتجريد هذا الأمر حتى لا يختلط مع آيات القرآن.

الرسم العثماني

جرّد المصحف من النقط والشكل والإعجام ليفسح المجال لقراءة القرآن بأي حرف من الحروف السبعة على أن يتفق الرسم مع الصحف التي جمع فيها القراءات في خلافة أبي بكر من الرقاع التي كتبت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وسُميت (الرسم العثماني) نسبة لتدوينها، ونسخها عدة نسخ مطابقة وصلت إلى فوق الأربعين نسخة في عهد عثمان.

ومن منهجهم أيضًا رضوان الله عليهم، أنهم كانوا لا يكتبون شيئًا إلا بعد أن يوافق قرّاء الصحابة عليه، واقتصروا في ذلك على ما ثبت بالتواتر دون الآحاد كما فعل أبو بكر في جمع القرآن في عهده على يد زيد.

ومما امتاز به جمع عثمان هو اتفاق الصحابة على ترتيب الصور كما هو في مصحفنا الآن، بعد أن توافق جميع الصحابة عليه

وبعد أن انتهت هذه اللجنة المدقّقة من عملها، أمر عثمان رضي الله عنه بالمصاحف المخالفة فحرّقت، حتى يقضي على احتمال الفتنة والاختلاف فيما كتب باختلاف الرسم مع اختلاف اللهجة والحرف.

نري من ذلك كيف أن الله -سبحانه وتعالى- قيَّد وسخَّر أحد عباده، مثل سيدنا عثمان ليأخذ هذا القرار الجرئ وليكون سببًا لحفظ القرآن من اللحن واللغط وإدخال فيه ما ليس منه.

ثم أمر بعمل نسخًا كثيرة مطابقة وأرسلها إلى جميع البلدان، وأرسل مع كل مصحف مقرئًا يقرأه بما يتوافق مع قراءة ذلك البلد أو القطر.

استخراج قواعد النطق (علم التجويد)

وكان كل بلد قد عكف على النسخ طبقًا لما أرسل إليهم، وعكف بعد ذلك العلماء مع تقدم العصور على دراسة هذا الرسم واستخراج قواعد النطق والقراءة التي قُرئ بها تواترًا، عُرفت بقواعد التجويد والنطق.

وأصبح مع سهولة التواصل بين الأقطار أن يصبح للقرآن علمًا قائمًا بذاته يدرس رسمه ونطقه وطرق قراءته فيصل إلينا تواترًا بقراءته وبرسمه على شكل معتمد وموثق. 

ورغم ما حدث من تطور اللهجات واللغة على مر العصور إلا أننا إلى الآن نقرأه وًنرتله بالشكل الذي قرأه به الوحي (جبريل) عليه السلام على سيدنا محمد، وقراءته (عليه الصلاة والسلام) على أصحابه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى