إبداع

الأسود

قصة قصيرة من مجموعة «11 في كتاب» الفائزة بمسابقة «همس الأوراق» برعاية «النخبة»

Advertisements
Latest posts by رنا زلط (see all)

لا أعرف متى سيتوقف عن الركض خلفي؟

يجعل خطواتي سريعة دائمًا كأنني متأخرة عن كل شيء.. صديقاتي ينشدونني بالتوقف للهدوء والتنفس ولكني خائفة من ذلك.. خائفة ليلحق بي.. أشغل وقتي وعقلي بكل شيء متاح لكي لا يعبث داخل عقلي في وقت الفراغ.. لا أريد بالطبع فرصة للراحة و السكون.. فهذا الوقت يُعني العذاب الأبدي لي.. حتى النوم لا يتركني كي أنعم بحلم الهناءة والسعادة كما تتمنى لي أمي قبل النوم..

عندما كنت طفلة وأجلس أمام عرائسي و ألعابي يظهر لي بهيئته السوداء دون ملامح.. ألوح له وأضحك ضحكة البراءة والسذاجة كي يلعب معي و لكن يظل واقف ينظر إليّ دون حِراك و عندما أفكر الآن في الأمر هل لذلك الكائن عيون؟

سألت أمي يومًا بعد سنوات:

«هو عمو الأسود لِم لا يريد اللعب معي؟ و لِم لا يأكل معنا أيضًا؟ سيظل هكذا واقفًا لن يجلس؟ أنتي عاقبة له يا ماما ؟»

ضحكت الأم: «ماذا؟ عمو الأسود؟ هو الكرتون أكل عقلك؟ بهذا ستجعلينني أغلق التلفاز».

يا ليت كان هذا من عالم رسومي المتحركة و مجرد أوهام طفولية من الخوارق البريئة في عالم السحر.. ألهث من الخوف وأنا أشعر بوجوده حولي.. لا يتركني أبدًا أنعم بسلام.. لحظة الوعي بأن ذلك الشيء ليس بعم أو خال و أن لا أحد يراه غيري؛ وقتها شعرت أنني وحدي تمامًا في ذلك الرعب.. الاستيعاب بعد سذاجة الطفولة كانت بداية لحظات الخوف والقلق..

حاولت الصراخ و طلب المساعدة لأجعل ذلك الشيء أو الكائن يختفي ولكن لا يكون الجواب سوى السخرية والضحك..

ماذا أفعل ؟

ذات يوم قررت مواجهته والتحدث معه أثر الخوف البائس.. ظهر أمامي واقترب وشعرت ببرودة تتملك أطرافي ليس لها مثيل.. أنفاسي ازدادت وضربات قلبي اشتدت.. اقترب أكثر وحاولت أُحدث نفسي وسط رعبي أن لا أغلق عيناي وأواجهه بكل قوة.. تتبعت يده اليسرى التي بدأت بالبطئ في الارتفاع.. استقرت على موضع قلبي وشعرت بروحي تنسحب وأن الحياة تبدو بعيدة.. بعيدة للغاية ولا شيء سوى الظلام يخترقه دخان أبيض كثيف يخنقني أكثر أو هكذا ظننت.. جمعت كل قواي بالصراخ وجاءت أمي بالإنقاذ فتحت الأضواء وأنا أسعل بشدة وهي تحاول تهدأتي وتسقيني الماء..

عندما هدأت نظرت حولي و لم أجده ووجدت الضوء عاليًا عن المعتاد وهناك شيء يشبه ذلك الكائن ولكن لونه ناصع البياض.. اختفى في ثوان كالدخان..

من وقتها ولا أجعله يدركني كي لا يلمس روحي مرة أخرى.. سأتشبث بالحياة..

لكن ذلك يجعلني متعبة وشاحبة.. ذابلة بمعنى أصح.. لا أفكر فقط كيف لا أفكر به على الإطلاق؟

كيف أهرب منه؟ كيف لا أجعله منفردًا بي؟

هو يريد الانفراد بي كي يتملك روحي ولن أحقق آماله ذلك الأسود..

ولكن.. هل هو الآن لا يملك عقلي؟

حاولت أمارس كل شيء طبيعي في الحياة.. العمل، الأصدقاء، الأهل، حتى أثناء الضحك.. كل هذا مرهق كثيرًا لأن لا شيء طبيعي.. حياتي عبارة عن شريط رعب متلاحق فكيف يكون داخلي طبيعي؟.. خارجي يبدو كإنسان يملك النجوم وداخلي فيه صراع بالركض من ما يريد قبض روحي.. فمتى يتحقق الطبيعي بحق واستشعره؟

اعتدت على وجوده و تأقلمت مع الوقت.. أصبح الواقع والأحلام.. أحلامي أصبحت عبارة عن سلسلة مُتكررة من حلم واحد فقط.. أركض في الظلام في شارع ما خائفة وعندما يوشك أن يقبض علي استيقظ فزعه..

مرت السنوات والتقيت مع زوجي وأحببنا بعض كثيرًا وفي كل مرة أكون على وشك الاعتراف له عنه أتردد وأشل فالتزم الصمت.. الكائن يعرف.. أشعر بذلك وأشعر أنه هو من يشل حركة لساني وقتها!

كيف؟ لا أعلم ولا أعي..

وقت التجمعات، الأفراح والأعياد يظهر لي كثيرًا فيشتت انتباهي بمن حولي فيغضبون.. فأصبحت وحيدة معظم الوقت.. جعل الناس ينبذونني فيتحقق مراده في تملك حياتي..

أخاف على زوجي أكثر من المعتاد خوفًا أن يفعل به شيء فيختنق زوجي العزيز من الخوف الذي ليس له معنى بالنسبة له.. يبعد عني فيتحقق مراد ذلك البغيض..

أصبحت حاملًا.. و عند ولادتي وقف بالقرب مني وتهيأ لي أنه يبتسم.. سعيدًا ظننت أن الألم يرسم لي أشياء.. اشتد صراخي ولا أعرف هل كنت وقتها أصرخ من صعوبة الولادة والألم أم بسبب اقترابه مني أكثر والظلام المصاحب له بدأ يتوغل حولي.. أصرخ والظلام يزيد.. شرع في رفع يده وبكل ما ملكت من قوة أغلقت عيني و دفعت ابنتي للعالم..

ليس لها ذنب تموت معي.. وبعد ثوان صوت نحيبها طغى على كل شيء.. شعرت بأحد يربت على يدي و يقول لي «حمدًا على سلامتك يا مامي.. ابنتك مثل القمر.. لا تنامي لكي تحتضنيها قبل ذهابك لحجرتك».

أخذت ابنتي و أنا ما زالت في حالة تخدير من مما مر علي من أحداث.. لم أستوعب بعد أنني على قيد الحياة..

فجأة.. لم يعد يظهر.. أيام، شهور، مر خمس سنوات بدون الكائن الأسود.. استرجعت علاقاتي الاجتماعية وعلاقتي بزوجي.. أشعر بالسعادة ولأول مرة تعتدل حياتي وتصبح طبيعية كما داخلي.. توازن العالم الخاص بي.. إلى أن.. إلى أن كنت مع زوجي و أمي في حديقة للأطفال وابنتي تلعب أمامنا..

«ماما ماما ممكن تجعلي عمو يلعب معي يا أما لا يجري ورائي»

«عمو من يا حبيبتي؟!»

«عمو الأسود» 

ثوان مفزعة مرت عليّ.. نظرت في الاتجاه التي قالت عليه ابنتي ولم أجد سوى أطفال يلعبون..

«لا أحد واقفًا ولا أحد مرتدي اللون الأسود يا أرنوبتي الحلوة» قال زوجي.

«هو واقف أمامكم» قالت ابنتي بوجه عابس.

«بابا يلعب معكِ أحسن.. هو أجمل من الرجل الأسود، صحيح؟» قالت أمي وهي تداعبها.

«حاضر.. هيا يا بابا»

نظرت إلى أمي في عدم فهم.. تتجنب النظر إلي..

تعرف!.. أمي تعرف.

«أنتي تعرفين.. تعرفين أن هناك رجلًا أسود ظهر لي بالفعل.. تعلمين كل شيء و لكن أنكرتي وأشعرتيني إني مجنونة».

«اهدئي»

«كيف أهدأ؟.. عشت سنوات عذاب وحيدة وكنت محتاجة تصدقينني وتحسينني إني لستُ وحيدة»

«كانت محاولة مني كي أحميكي.. أهدئي لكي أحكيلك»

«أحكِ»

«الأسود بيظهر لكل بنت في العائلة.. من لحظة صراخها وخروجها للحياة إلى اللحظة التي تلد بدورها ابنتها.. يختفي من حياة الأم و يظهر لابنتها وهكذا»

«ولو أنجبت واحدة منا ولدًا، ماذا سيحدث؟»

«لن ينجب أحد ولدًا.. هذه لعنة وقعت علينا جميعًا.. نلد بنتًا واحدة»

«لعنة ماذا؟»

«علمت من أمي أن جدة من الجدود كانت عالمة في السحر بكل أنواعه.. وذات يوم انقلب عليها السحر هي وكل النسل الخاص بها ونتيجته الأسود»

«يعني ماذا؟ حنستمر في هذا العذاب؟ ليس هناك شيء يبطل هذه اللعنة اللعينة؟ لا شيء أبدًا؟»

«سمعت أن الشيء الوحيد التي سوف يقضي عليه هو أن النسل يقف.. بمعنى لا حب ولا زواج»

مرت دقائق كأنها سنوات في صمت.. أحاول استيعاب كلمات أمي.

«لكن لن أستطيع عيش ابنتي في هذا العذاب»

«ماذا ستفعلين؟ سوف تقولي لها لا تحب، لا تتزوج أو  لا تنجب على الإطلاق؟»

سكتت.. واعترف إن لديها حق.. كيف أطلب من ابنتي ذلك؟ كيف أقول لها لا تحبي، لا تتزوجي لكي لا تنجبي وينتهي هذا العذاب؟.. كيف أُحرمها؟.. ربما لو عرفت مبكرًا أن ذلك سيحدث لابنتي كنت بعدت عن الحب و الزواج.. أو ربما كنت سأُكمل لحظات الانتحار للنهاية عندما شرعت في بدأهم.. فكان يصيبني ذلك الكائن بالإحباط واليأس حد التفكير في إنهاء حياتي لأنعم بالراحة الأبدية.. وهل ابنتي ستمر بتلك اللحظات أيضًا؟.. انقبض قلبي و هززت رأسي.

«يجب أن أقول لها كل شيء وأقف بجوارها.. لن أتركها مثلما تركتيني وحيدة»

«سيقتلك قبل النطق.. لن يترك لكِ الفرصة.. حدث هذا مع جدة جدتي»

«لن أستطيع أن أشاهدها في صمت وأكون مثل العمياء.. من الممكن موتها مجرد صدفة»

«ليست صدفة»

عزمت أمري بيني وبين نفسي.. سأقول لها..

وقفت وفي طريقي لابنتي ولزوجي ظهرت دراجة هوائية من لا مكان ويبدو أنه لا يستطيع التوقف فهو استمر يقول: «ابتعدي، ابتعدي»  وأنا أشعر أن شيئًا مثبت قدماي مهما حاولت تحريكهما..

كل شيء حدث سريعًا.. ألقيت في الهواء وبعد ذلك تمددت على الأرض وانسحابي عن العالم بدا أكيدًا لي؛ حاولت العثور بنظراتي على ابنتي كي أودعها فوجدت شيئًا ناصع البياض يظهر من بعيد ويقترب.. ويقترب إلى أن سار أمامي مباشرةً فظهرت الملامح.. تشبه ملامح الجدة التي قالت عليها أمي.. دققت النظر.. نعم هي.. ابتسمت ومدت لي يدها بكل حنان وأخذتها وسرت معها.. و الآن أصبحت الكائن الأبيض لابنتي.. الكائن الحامي لها من الأسود..

قصة قصيرة من مجموعة «11 في كتاب» الفائزة بمسابقة «همس الأوراق» برعاية دار النخبة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى