حول العالم

البدري: ما تبقى من حياتي لن يحقق أحلامي

التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي أعطت زخمًا كبيرًا للكُتّاب

  • شغفي للحرف جعلني أقاوم مجتمعي المنغلق
  • سعادة قصوى أن ترى كتابك عابرًا للحدود
  • أعمال حاصلة على جوائز أدبية دون المستوى
  • لا زلنا أمة تقرأ، رغم الانشغال بالسوشيال ميديا

في حوارنا مع الأديبة العراقية المبدعة خلود البدري، ناقشنا العديد من القضايا التي أجابت عنها بأسلوبها الأدبي البديع، غير أن أكثر ما توقفنا أمامه في حوارنا معها، تصريحها الصادم بأن طبيبها المعالج أخبرها  بأنها ستعيش سنة واحدة بعد إجراء العملية الجراحية.

أضافت: الأعمار بيد الله، وإذن الوقت المتبقي في هذه الحالة لا يفي بما أروم القيام به: أن يكون لدي الوقت الكافي لقراءة المزيد من الكتب، فكل كتاب حياة. وأن أسافر وأرى العالم، أزور المعارض وأطلع على معالم الدول وثقافاتها.

نص الحوار..

-متى بدأتِ مسيرتك مع الكتابة الأدبية والروائية؟

– للفيلسّوف رينيه ديكارت مقولة أنا من مؤيديها، يقول فيها: «لا شيء يأتي من العدم». وإذن لا بد من العودة إلى شغف الطفولة بالكتب، والقراءات المبكرة. فقد ايقظت وشكّلت الكتب أفكاري ولامست رؤاي. فكانت ضرورة ملحّة بالنسبة لي، حينها بدأت بكتابة انطباعاتي وملاحظاتي في دفاتر خاصة. ثم كتبت الشعر، فالقصة القصيرة، وأخيرًا لم أكتفِ فأردت الكتابة بشكل أعمق وأوسع وأن أعبر عما يشغل تفكيري فكانت الرواية.

_ ما هي التحديات التي واجهتك ككاتبة في مسيرتك المهنية، وكيف تغلبتي عليها؟

– يتوجّب هنا أن أتحدث كامرأة ولدت وعاشت في جنوب العراق، لكنها توخّت حياة مغايرة: أن تكتب وتنشر، فهذا شيء صعب عند البدء. أو أن تتخبّط ويلفّها الماضي في أردانه. لكن شغفي وحبي للحرف جعلني أقاوم ما يريده مني مجتمعي المنغلق، فكان الانتصار للكلمة. طبعًا تغيّر الوضع الآن بفضل الانفتاح على التكنولوجيا.

_ ما أهم قراءاتك في السابق والآن؟

– كانت كلاسيكيات الأدب الروسي والفرنسي والانجليزي أهم ما قرأت. ومع تنوع وتعدد مصادر الكتب، قرأت الكثير في الرواية العربية والعراقية، كروايات غائب طعمة فرمان: النخلة والجيران، وخمسة أصوات والقربان. و لفؤاد التكرلي: الرجع البعيد، والمسرات والأوجاع. ولأسماء عربية قرأت الكثير. ما يميزني ربما عن غيري أني لست من دعاة الانتهاء من كتاب ثم الشروع في قراءة كتاب آخر.

أما التنوع الذي أقصده هنا فأنا أقرأ في النقد وتحت يدي الآن كتاب في «بنية النصّ الروائي» دراسة لإبراهيم خليل، وكتاب لمحمد خضير «يمسك وما لا يمسك» أما في الرواية أقرأ  «اسم الوردة» لأمبرتو إيكو و«المزدوج» لدوستويفسكي والأعمال القصصية القصيرة لأنطون تشيخوف. و«نظام التفاهة» ل د. آلان دونو. وبعض كتب عن التنمية البشرية بسبب حالتي الصحية، ككتاب «الراحة» لمات هيغو وكتاب «مميز بالأصفر»، و«ابق قويًّا».  

_ من أكثر الكتاب والأدباء الذين تأثرت بهم وتعتبريهم مثلك الأعلى؟

– حقًا لم أتأثر بأحد، فأنا أقرأ كل ما تقع عليه يدي، وأجده في مكتبات مدينتي، لكن عندما قرأت الخبز الحافي لمحمد شكري تمنيت كتابة الرواية، فكانت روايتي «أسماء فقط »، ستقول: ما الشيء المشترك بين الروايتين فأقول: المُشترك بينهما، الكتابة دون قيود، واظهار الفقر هاوية مهوّل تنخر المجتمع.

_ لو طلبت منك ترشيح روائي أو روائية عربية لجائزة نوبل للآداب، فمن تختارين؟

– بصراحة ليس من السهولة الجواب على هذا السؤال. الترشيح صعب. فحسب وصف ألفرد نوبل في وصية المؤسسة لهذه الجائزة (منح الجائزة لكاتب قدم خدمة كبيرة للإنسانية من خلال عمل أدبي)، و(أظهر مثالية قوية). وتأخذ الجائزة بعض الأحيان أبعادا سياسية في منحها بعض الأدباء، كذلك ليس بمقدورنا معرفة آليات اشتغال لجان تحكيمها، وأي الأعمال التي لها الفضل في الإسهام في نضال الإنسانية، ولها أكبر تأثير وملموسّية، والتي يستحق كاتبها أن ينال الجائزة عنها.

_ إلى إي مدى استفدتي في مسيرتك الأدبية من التطور الهائل في وسائل التواصل الاجتماعي؟

– أعطت التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي زخمًا كبيرًا للكُتّاب، وأنا منهم، نحن نكتب ليُقرأ ما نكتبه، فلوسائل التواصل الاجتماعي حسناتها في محو الحواجز بين القارئ والكاتب. وبعدما كان الكاتب في مكان قصي عن القارئ، أصبح بفضلها صديقه، يُحاوره ويناقشه فيما يكتب، في السلب أو الإيجاب.

_ هل أثر مجال عملك على كتاباتك الأدبية؟ وهل تجدي في الوظيفة قيود على الإبداع؟

– لا شك الوظيفة تأخذ الكثير من وقت وجهد الكاتب، لكن عملي في تدريس اللغة العربية ، وحبي لها خفف عني بعض العبء، هذا لا يعني أني لم أعانِ في تنظيم وقتي وجهدي، لهذا تحتّم عليّ الحرص على اقتطاع جزء من يومي، فكان الصحو مبكرًا والبدء بالكتابة طقس مهم من طقوسي اليومية، ثم التوجه إلى العمل بعدها. أظن أننا إذا كنا نريد تحقيق شيء ما لا بدّ لنا من التوازن بين الأثنين.

_ حدثينا عن شعورك عندما تري مؤلفاتك مشاركة في معارض الكتب الدولية؟

– من جهتي أشعر بالسعادة، ماذا يتمنى الكاتب غير رؤية جهده وتعبه وأبداعه يُعرض في معارض الكتب يقتنيها القارئ فتنال إعجابه. أنها سعادة قصوى أن ترى كتابك عابرًا للحدود.

_ هل ترين في منح الجوائز الأدبية علاقات شخصية أو مصالح متبادلة في اختيار أصحابها؟

– من خلال سنوات القراءة والمتابعة يعرف الكاتب هل يستحق كتاب ما الفوز بجائزة أدبية؟ مؤخرًا اقتنيت عدة روايات حاصلة على جوائز أدبية، لا لشيء إلا لمعرفة ما الذي يُميزها عن غيرها من الروايات. فوجدت أن بعضها ليس بالمستوى المطلوب.

_ إلى أي مدى حققت حلمك ككاتبة وأديبة؟

– يقال: عندما تضع حدًا لطموحك، فإنك تكون قد وضعت حدًا لحياتك. وعليه فالطموح ليس له حدود، والمبدع لا يجزم بأي حال من الأحوال بأنه حقق حلمه، ها أنا ذا أكتب روايتي الثالثة، لقد حققت بعض ما تمنيت، لكن ليس كل ما طمحت إليه.

_ ما هو حلم حياتك الذي لم يتحقق إلى الآن؟

– أخبرني طبيبي المعالج بأني سأعيش سنة واحدة بعد أجراء العملية الجراحية. طبعا_ الأعمار بيد الله _ وإذن الوقت المتبقي في هذه الحالة  لا يفي بما أروم القيام به: أن يكون لدي الوقت الكافي لقراءة المزيد من الكتب، فكل كتاب حياة. وأن أسافر وأرى العالم، أزور المعارض وأطلع على معالم الدول وثقافاتها.

_ يتعرض الشباب العربي لمحاولات لتذويب الهوية، ما دور الأدباء في الوقوف أمام هذه المحاولات؟

للكلمة دور كبير في الدفع نحو بناء جيل يؤمن بالتطور والعلم ومحبة الآخر، واحترام الهوية العربية والتمسك بصيانة المقدس، ومعرفة خصوصية ثقافتنا وفكرنا وحضارتنا. على الاديب أن يلهم وينمي ويدعم. ومن المهم أن يعي الشباب مواكبة التطور بالتفكير والعمل والحوار مع الآخر، وأن يكون الأديب قدوة حسنة، يُرغبهم بحب المطالعة لأنها البوابة الأولى للولوج إلى عالم بناء الشخصية، وأن أمكن محاورتهم وتبادل الآراء معهم، ثم كسب ثقتهم لتقبل النصح.   

_ هل على الكاتب مسؤولية تجاه مجتمعه؟ وهل يمكن للكاتب قيادة الجماهير وتوجيهها أم أن السوشيال ميديا سحبت البساط من تحت أقدام الكتاب؟

– نعم، للكاتب دوره تجاه مجتمعه. ودليل تأثير الكلمة الأقبال الكبير على معارض الكتاب في الدول العربية، هذا يثبت أننا لا زلنا أمة تقرأ، رغم انشغال البعض وليس الكل بالسوشيال ميديا.

_ هل أثرت تكنولوجيا المعلومات على تطور الأدب العربي أم أدت إلى تراجعه لانشغال الكتاب بالتواصل الاجتماعي وإبداء الآراء؟

– نعم أثرت، وتزايد نفوذها، كيف لا وقد أمتد تأثيرها اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا. تُعتبر التكنولوجيا جزء من الحياة الآن. كذلك لشبكة التواصل الاجتماعي انعكاس سلبي: كهدر الوقت والمجاملات على حساب وقت الاديب الضيق، لكنها في الوقت نفسه اضافت له الكثير.  

_ كيف ترين مستقبل الكتاب الورقي؟ وهل يستطيع الصمود أمام الكتاب الإلكتروني أو المسموع؟

– يبقى الكتاب الورقي بالنسبة لي المصدر الأول في القراءة. أنا مثلا أستمع للكتاب المسموع، وأقرأ الكترونيًا لكن شغفي يظل الكتاب الورقي. حين امسك قلم الرصاص أدون ملاحظة على صفحة هنا، وفكرة سريعة طرأت على ذهني في صفحة أخرى، احس أنها متعة ما بعدها متعة.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى