إبداع

البطل المفقود

المنتصرون قتلاهم أحياء، شهداء عند ربهم يرزقون

Advertisements
Latest posts by د.تامر عزالدين (see all)

عندما اقترب موسى بقومه من الجبل كان يعرف أن لا ملجأ له إلا الله فليس بعد الجبل إلا البحر، ومن خلفه فرعون وجنوده. وقف موسى واثقًا من النصر ومن النجاة، عبر موسى البحر وغرق فرعون وعلى الجانب الآخر ذهب للقاء ربه، أما بنو إسرائيل أضلَهم السامري.

الجبل كما هو، يقف شامخًا، يقف شاهدًا.. تتحرك المعدات فوقه تمهد، الطريق لحياة جديدة

كم مرَّ من سنين؟

ينظر من تحت عويناته ويقلّب بصره في المكان، كأنه يبحث عن شيء بعينه، أخذ يراقب الصحراء ويدقق في حبات الرمل تحت قدميه. تراه كان في هذا المكان، كم مرّ من زمن؟

يتحرك إنسان عينيه وكأنه يتابع شبحًا لا يراه أحدٌ غيره.

يسأله رفيقه:

– كأنك تفتقد شيئًا؟

يرد:

– ليس مجرد شيء.

يتقدم الرفيق ليقف في مواجهة الرجل الذي يبدو عليه أنه مسافر بخياله عبر الزمن المنصرم.

– لماذا جئت إلى هنا؟ ما زال هناك الكثير ليصبح الجبل ممهدًا للمشروع الجديد.

نظر إليه بعينٍ ثاقبة:

– أتعرف شيئًا عن هذا الجبل؟

رد رفيقه:

– الجلالة، سيكون مشروع رائع، منتجع يطل على البحر الأحمر ويرتفع عنه 1200 متر.

ينظر  إلى السفح يقول:

– أهذا كل ما يعني لك؟!

فيرد الرفيق:

– أتقصد تاريخ الجبل؟ يعتقد البعض أنه المكان الذي عبر  منه موسى باليهود البحر الأحمر هربًا من فرعون.

يرد:

– ربما، ولو كان فجدير به أن يكون هذا المكان ولكني لم أقصد ذلك.

يرد الرفيق وهو يستند على السيارة التي ما زال موتورها دائرًا:

– أختبارٌ هو؟! حسنًا… أتدري أنت أن هذا الجبل غني بالصخور الجيرية والعيون الكبريتية غير أن له تاريخ أثري مهم؟ فقد عثرت بعثة أثار فرنسية فيه عام 2006 م على كنز أثري يرجع لفترة الدولتين الحديثة والوسطى في مصر يرجع عمره لأكثر من أربعة آلاف عام، كما اكتشفت بعثة أخرى ألمانية مشابهة تمثالًا ضخمًا للملك أمنحتب الثالث.

ينظر إليه بإعجاب قائلًا:

– لذلك اخترتك سكرتيرًا لي.. لكن ليس هذا ما أقصد أيضًا.

– إذًا، عرّفني سر اهتمامك أن نأتي من هذا الطريق الغير ممهد ونقف في ذلك المكان وما زال أمامنا طريقًا طويلًا لكي نصل للغردقة، الكل ينتظرك هناك، ينتظر كلمة سفيرًا سابقًا لمصر لكي  يحكي عن ذكرياته في العمل الدبلوماسي.

يرد السفير السابق على سكرتيره:

– لذلك جئت إلى هذا المكان خصيصًا.

تبدو علامات التعجب على جبين السكرتير..

– لا أفهمك؟!

غاب ببصره في السماء الصافية وجمح خياله، اقتحمته مشاعر مفعمة ومرت قشعريرة خاطفة بجسده وهبّت نسمة هواء رقيقة تحمل رائحة غريبة رائحة أستدعت في نفسه الماضي أو كأنها هبّت من أحد أبواب الجنة، وصمت وهو يتخيل كيف كان الموقف هنا منذ سنوات طويلة مضت على الجبل، عندما هلّت ليالي أكتوبر 73 على الجبل.

الظلام يخيم بأوتاده على سطح الجبل، التفت وراءه، لمحهم يواصلون التقدم على  الطريق، الظلام يخفي أعدادهم لكن واضح أن الظلام يلد الكثير منهم، حاول أن يسرع الخُطى ولكن بخفة حتى لا يلحظه أحد.

إذًا، كان البدوي على حق عندما سألوه عن بئر قريب فهم في حاجة إلى الماء فأخبرهم بوجود بئر لكن يحميه كمين من الدبابات بالقرب منهما.

يعدو مسرعًا محاولًا الوصول للجبل الضخم، يتعثر  ويهوي وسط الحصى الخشن، يرتطم وجهه بالأرض الطيبة يقبلها وهو يهم برأسه مرة أخرى يجب أن يخبرهم، يشعر بجرح على جبينه يمسح الدم بكفه وهو ينهض مواصلًا الجري بقلب من فولاذ، يسمع صوت الزمجرة تتقدم خلفه لم تكن واحدة بل عشرات الدبابات تتقدم… هل كشفوا وجوده؟

لابد وأن ينجح في الرجوع لهم وتحذيرهم… نفَسه بدأ ينقطع ورائحة الدم الممتزج بالرمال تصل إلى أنفه، يرتطم قدمه بصخرة تطير إلى الوادي يخشى أن يستدلوا عليه يبتلعها السكون ويهدأ كل شيء.

أهو الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

لن ينالوا منه كان ذلك هو إيمانه، المهمة لابد وأن تتم على أكمل وجه، الفشل غير وارد، الهزيمة مستبعدة، لن يهزموا مرة أخرى… ترى أين الدفتار؟

تراه يختبئ في مكانٍ ما، أم كشفوا أمره؟

يلمح شبحًا خلف الصخرة.. إنه هو، حمدًا لله، لم يكتشفوا أمره.

يقترب منه، يتعرف عليه، يشير له بالتقدم، لقد هدأت زمجرة جنازير الدبابات وسكت هديرها وأصبح السكون لا يقطعه إلا وشوشة البحر تأتي من بعيد.

كان قرار النقيب غازي قائد المجموعة واضح، يجب أن تتحرك مجموعة منهم قبل بزوغ الفجر إلى حيث اكتشف (سيد) وصاحبه (الدفتار) بئر المياه وكتيبة الدبابات التي تحرسه، إنها فرصتهم لتنفيذ المهمة والوصول لبئر المياه في نفس الوقت، لن تبزغ شمس نهار جديد إلا وهم يكبِّدون العدو خسارة جديدة تضاف لنصرهم.

كان الحماس والانفعال يفيض من قلوبهم ويحوِّل كل واحد فيهم إلى مدرعة بشرية تنهب الرمال في الطريق لدبابات العدو، تحرك الخمسة بحذر يقودهم سيد والدفتار إلى حيث وجدوا البئر، لكن السكون مازال يسيطر على المكان.

لا توجد مؤشرات تدل على وجود رتل الدبابات الذي كان موجودًا منذ ساعات قليلة، تُرى هل يعدون لهم كمين؟ يجب أن يحذروا هؤلاء الأوغاد، أصبح البئر على بُعد خطوات منهم.

كانوا يتسللون في مهارة النمور وبخفة السناجب ويرصدون المكان بعيون الصقور وفي صدورهم حماسة تدفع فيهم طاقة تحرك كتيبة مدرعات، وكانت المفاجأة، البئر مردوم ولا أثر لدبابات العدو!

إذًا، هم عرفوا بوجودهم في المكان وبالتأكيد سيعودون للتفتيش بقوة أكبر، الموقف أصبح أكثر خطورة فالمجموعة بقيادة غازي مجموعة محدودة العدد لو علم الجيش الإسرائيلي بأمر هذه المهمة ستمتلئ السماء مع بداية أول ضوء للشمس بطائرات العدو وسيكون من السهل القضاء عليهم.

كان الليل ينسحب ببطء والسماء تتلون باللون الأزرق القاتم والزمن يسابقهم إلى حيث يتمركز غازي وباقي المجموعة، إنهم يعلمون أن الجحيم قادم، كانت الهرولة والتنفس السريع هو الصوت الذي يمكن أن تسمعه بينهم، حين وقف سيد فجأة ليثبت حركتهم عندما لمح على البُعد في قلب اللون الأزرق الذي بدأ ضوء الشمس يقتحمه شبح ثلاث دبابات.

نظر سيد إلى زملائه ودار بين عيونهم حديث يفهمونه وبدأت العيون تلمع  بالانتقام، أشار سيد إلى أحدهم، وتقدموا شاهرين سلاحهم الأبيض بينما تحرك الآخرون على الجانبين.

وبخفة الفهود قفز سيد وزميله على جنود الحراسة من الخلف واشتبكوا معهم حتى قتلوهم وقفز الآخرون على ظهر الدبابات الثلاث ففوجئ طاقم الدبابات بأشباح تخطف أرواحهم الواحد تلو الآخر، لم تمضِ دقائق من الهجوم المباغت إلا وكان هناك اثني عشر جنديًا إسرائيليًا قتيلًا وثلاث دبابات ترقد وسطهم بلا حِراك.

عندما بدأت ملامح الجبل تتضح في ضوء الشمس التي استيقظت من دقائق، كان غازي ومجموعته يتحركون بعد أن انضم إليهم سيد ومجموعته وبدأ الجحيم يعلن عن قدومه، فقد جنَّ جنون الجيش الإسرائيلي، انطلقت طائرة فوق الجبل تستكشفه، لقد أصبحوا هدفًا سهلًا.

بدأت المراوغة بين مجموعة غازي والطائرة، ولكن كان أمر اكتشافهم سهلًا فاقتربت الطائرة وقامت بإبرار عدد من الجنود الإسرائيليين بالمظلات لمحاولة تطويق الموقع فقام الجندي حسن السداوي بإطلاق قذيفة (آر‏.‏بي‏.‏جي) على الطائرة فأصيبت وهرع الإسرائيليون منها في محاولة للنجاة حيث تلقفهم سيد زكريا برشاشه بسرعة قبل أن يستفيقوا من هول المفاجأة وتمكن وحده من قتل‏ 22‏ جنديًا.

كان التهليل الله أكبر يزلزل الجبل، وبدأ الأمر يزداد صعوبة فقد ظهر عدد آخر من الطائرات التي قامت بإبرار مئات الجنود الإسرائليين على ظهر الجبل.

النصر حياة أبدية للمنتصرين، الحياة ذكرى ليست مجرد أنفاس تدخل وتخرج، والذكرى لا تموت، التاريخ لا يُمحي ومرارة الهزيمة تولِّد شوقًا لحلاوة النصر، ولمَ لا وهذه أرض تشتاق لأبناءها وأبناؤها يشتاقون إليها.

إنها ليست مجرد رمال وجبال، إنها أصل الحضارة ومهد الأديان، إنها جزء من كيان شعب.

سيد يقف وسط الجبل وسط الطلقات، يأبى أن يدنّس قاتلي الأنبياء شرف الأرض.

الذكرى لا تموت..

الانتصار لا يموت..

المنتصرون قتلاهم أحياء، شهداء عند ربهم يرزقون.

يتصاعد الغبار وتُدوي طلقات الرصاص وينقلب الجبل الذي كان منذ ساعات هادئًا إلى ساحة معركة بين فرّ وكرّ، يقف أحد الجنود الإسرائليين لا يفهم الموقف، من المفترض أن تكون مهمتهم أسهل مما يحدث الآن؛ فعددهم أكبر، هل يمكن أن يكون هؤلاء رجال من دم وبشر؟ ما هذه الشراسة التي يقاتلون بها؟

وقف الجندي الإسرائيلي جانبًا محتميًا بتل قريب، نظر إلى زملائه يتخطفون من حوله، إنه ليس فيلمًا هوليوديًا، إنه حقيقة، إن بأس هؤلاء لشديد، لكنهم كثرة، أعدادهم تتزايد.

بدأت قوة الجنود المصريين وذخيرتهم تنفذ ويسقط واحدٌ تلو الآخر، دماؤهم تسقي الرمال، تلونهما بلون وردي، دماؤهم تبدو زرقاء تلفظها الرمال، مَن هذا الذي يقاتل بشراسة؟

لقد بقي وحيدًا في الساحة كالشبح أو كالأسد يدافع عن عرينه، الجندي الإسرائيلي مندهش منه لو كان مكانه لاستسلم، فحيٌ أسير خيرٌ من بطل ميت، هذا ما يعتقده.

من أجل ماذا يا هذا؟!

من أجل جبل ورمال؟!

أم أن وراء تلك القوة أمر آخر؟

إنه جبل موسى نبينا، مالكم وماله، إنها أرض مملكة سليمان، ولو وقفت أنا مكانك ما فعلت ما تفعل يا هذا.

ولكن هل أتركك هكذا تقتل زملائي؟

لقد قُتل آخر زميل لك منذ ساعة وأنت ما زلت تقاوم، وها أنا وراءك، لا تلاحظني، لا تنتبه لي، إنك الآن لي.

تنطلق الرصاصة من سلاح الجندي ليسقط سيد زكريا وحوله مئات من الجنود الإسرائليين، يقترب الجندي القاتل منه، يقف متهيبًا جثته، ينظر إليه مليًا، يقدم له التحية وينزع منه سلسلته العسكرية، يفتش جيوبه،

ما يمكن أن يكون هناك في طياته؟ إنه خطاب، يضعه في جيبه. يطوي الجيش الإسرائيلي الخبر، ويعتبر الجيش المصري سيد ورفاقه مفقودين.

يغيب الجبل في ذاكرة التاريخ، تشقُّه المعدات، يقف السفير المصري السابق وسكرتيره صامتًا، ينتظر السكرتير أن يفهم سبب إصرار السفير لأن يأتي إلى هنا وهم في طريقهم إلى الغردقة، يرجع السفير من سفره بخياله وهو يشعر بجلالة الجبل ويقول لسكرتيره:

23 عامًا مضت قبل أن أعرف قصة بطل هذا الجبل، 23 عامًا نعتبره مفقودًا، حتى أقابل قاتله بعدها بـ23 عامًا ليفصح عن سره.

كنت في ألمانيا ذلك العام، عام 1996، عندما قدم إليّ ذلك الجندي الإسرائيلي ليقدّم لي سلسلة عسكرية وخطاب موجه منه إلى والده.

ينظر إلى الجبل ويتجه إلى السيارة… لا تعلم كم هي ثمينة هذه الأرض، وكم غالٍ هو الثمن الذي دُفع فيها، إنه ليس جبل، إنها ليست رمال، إنها تاريخ، إنها وطن.

تعال نستكمل الطريق لأحكي لك حكاية بطل حقيقي اسمه… سيد زكريا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى