حول العالم

الحداد يتحدث عن دهاليز المسابقات الأدبية

رحلة مع الإبداع منذ تسعينات القرن الماضي

  • ماذا تقول أو تكتب في زمن الصوت الواحد؟
  • دهاليز مخفية للمسابقات والجوائز الأدبية لا يرضى عنها المبدعون
  • أرشح القاص الروائي أحمد خلف لجائزة نوبل
  • انتابني شعور بالزهو عندما رأيت روايتي في معرض دولي

الكاتب الروائي والقاص العراقي عباس الحداد، بدأ مسيرته الأدبية منتصف تسعينات القرن الماضي، صدر له عن دار النخبة العربية رواية (عصا الساحر) التي فازت بالمركز الأول. أجرينا معه هذا الحوار الممتع الذي كشف فيه عن رأيه في الحركة الأدبية في الوطن العربي والجوائز الأدبية وغيرها من القضايا الهامة.

نص الحوار..

  • متى بدأت مسيرتك ككاتب روائي وقصصي؟

وأنا في سن الخامسة سحرتني حكايات جارتنا خديجة. هي امرأة لم يكن لها نصيب من الزواج حيث ترملت وهي في عز شبابها، ولم تقبل الزواج بعد موت أبن عمها في حادث سير. كانت كل ليلة بعد العشاء، وخاصة في ليالي الشتاء الطويلة الباردة، تجتمع بعض نساء المنطقة في باحة بيتنا الواسعة، يحطن المدفأة النفطية، وتجلس خديجة لتحكي لهن حكايات لها أول وليس لها آخر. تحدثهن عن خطف الأميرة في ليلة زواجها من قِبل عفريت من الجن، فيقوم الزوج سعد الذي لم يهنأ بعروسه بقطع الصحاري والبحار السبع والكهوف دون جدوى. أو تحدثنا عن حب ابنة  الملك  لفلاح القصر عندما سمعت حلو حديثه، ونشاطه. حكاية تلو حكاية وأنا ممدد في حضن أمي. من تلك اللحظات أحببت سماع الحكايات والقصص، وقمت في سن مبكرة جدًا بشراء مجلات الأطفال مثل مجلتي والمزمار وسمير، وعرفت بعد سنوات أن قصص خديجة هي من حكايات ألف ليلة وليلة، وأعتقد أن ما زرعته خديجة وحكاياتها في خيالي هو ما قربني كثيرًا من الأدب.   

منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، بدأت النشر في الصحف العراقية والمجلات الدورية، وبدأت النشر وفي ذهني مقولة همنغواي: (أن مهمة الأديب أن يقول الحق).

 أن تقول الحق!! وأن تكتب عن ما تعرفه وما تراه! أي فخ هذا أن تدخل إلى المصيدة بقدميك؟ فأنت لحظة تكتب تكون مسبقا مثقل بذاكرة غير بريئة. وعندما تلج عالم القصة والرواية الذي يحتاج وخاصة الرواية إلى تعدد الرؤى وتعدد الأفكار. وفي زمن الصوت الواحد، والرأي الواحد. ماذا تقول؟ ماذا تكتب؟ في زمن بدا فيه الأدب يختبئ وراء كلمات منمقة، مزوقة، وسيل من الهذيانات لا تقول شيء. أحدهم يتحدث عن خشبة، وآخر عن عصا، وثالث عن بسطال، وكأن هموم الناس انتهت! وبتنا وكأننا لا نشغل إلا بهذا ( الموزائيك ). ونحن نفهم أن الأدب هو الصورة الصادقة عن المجتمع. والأديب متى ما  كان قريبًا من الناس، من احتياجاتهم، من مشاعرهم. استطاع وبكل سهولة أن يصل إلى جمهوره وقرائه، ولعمري هذا مبتغاة كل أديب، لا بل مبتغاة كل ملتزم. يقف في طرفنا نحن وقود الحياة، المهووسون بالكلمة، والبراءة، وعذابات الناس، كل الناس . وأول من يعلن وقوفه أديب عراقي (مهدي عيسى الصقر) يقول: ( فالكتابة ليست لعبة في نظري، بل من أجل ان أخض القارئ، واجعله يشاركني حيرتي وألمي أيضًا، وأن يبحث معي عن أجوبة لمئات الأسئلة التي تشغل أيامي وتشغله  .

أصدرت ثلاثة مجاميع قصصية هي، همس، عشاق المدينة، وللخوف بقية. وبعد عام 2003، فكرت بكتابة الرواية وأصدرت أربع روايات هي، ريم وعيون الآخرين، وعصا الساحر التي فازت بالمرتبة الأولى عن دار النخبة، ورواية فتاح فال التي اختيرت من ضمن إصدارات اتحاد الأدباء والكتاب في العراق وأخيرًا صدرت لي رواية بيت الجن، ضمن منشورات اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين.

  • حدثنا عن الصعوبات والتحديات التي واجهتك، وكيف تغلبت عليها؟

كان الحصار اللئيم الذي فرض على العراق منذ التسعينيات قد أثر على معظم كتاب جيلي، فلا كتب جديدة تدخل العراق ولا الدوريات التي تعنى بالثقافة والأدب وبقينا نركض وراء كتب الاستنساخ الشحيحة.

  • ما هي أهم قراءاتك في السابق والآن سواء في مجال تخصصك أم بشكل عام.

بعد أن اطلعت على الكثير من القصص والروايات العراقية والعربية والعالمية، فمنذ البدء أولعت بسرد نجيب محفوظ، وأبطاله وأزقته، وحاراته. كما أعجبت بمفردة الشاعر العراقي يوسف الصائغ العذبة، وروايات جبرا إبراهيم جبرا، وحوارات أبطاله المثقفة، وقلق أبطال عبد الرحمن منيف، والتزام أبطال حنا مينة، بعد أن قرأت معظم ما نشر من قصص وروايات ونقود عراقية وعربية. واطلعت على كتب التراث العربي.

  • من أكثر الكتاب الذين تأثرت بهم سواء على المستوى العربي أم العالمي؟

على المستوى العربي هناك صنع الله إبراهيم ، واسيني الأعرج، غائب طعمة فرمان، فؤاد التكرلي ، واحمد خلف ، حنا مينه، عبد الرحمن منيف أما العالمي هم ، ِتشيخوف، تولستوي ، ديستويفسكي، فوكنر.

  • لو طلب منك ترشيح أحد الروائيين العرب المعاصرين لجائزة نوبل فمن تختار؟

بالرغم من الدهاليز المخفية للمسابقات والجوائز الأدبية التي لا يرضى عنها أغلب المبدعين ، فأنا أرشح الأستاذ القاص والروائي أحمد خلف.

  • إلى أي مدى استفدت في مسيرتك كروائي من تطور وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي؟

صحيح إذا قيل أن العالم أصبح قرية صغيرة. أنت من وراء جهاز الكومبيوتر تستطيع أن توصل رأيك أو قصصك إلى أي بلد تشاء، وتحاور من تشاء بضغطة زر لا غير، وتطلع عما هو جديد، وأصبح لدينا أصدقاء من خلال كتاباتهم.

  • هل تجد في الوظيفة قيودًا على الإبداع؟

بالتأكيد نعم. أنت أولًا يجب عليك أن توفر لقمة العيش لك ولأهل بيتك، وبعدها تفكر بإبداعك، وكما يعرف الجميع أن حرفة الأدب لا توفر ما تحتاجه العائلة.

  • حدثنا عن شعورك وأنت ترى مؤلفاتك مشاركة في معارض الكتب الدولية وما يتيحه ذلك من الوصول إلى القراء في مختلف أنحاء العالم؟

لا أخفي عليكم سرًا أن قلت لكم أن أول مرة أرى روايتي في معرض دولي، وهناك من تقدم أمام الكاميرا ورفع كتابي ليقتنيه، لا أعرف، انتابني شعور غريب، هو خليط من السعادة والزهو والمواصلة على الكتابة، نعم شخص لا تعرفه ولا يعرفك يحمل كتابك.

  • كيف ترى دور النقاد والمتخصصين في كتاباتك، وهل يظهر أثرها في حركة الإبداع لديك؟

الكاتب عندما يرى أن روايته يتابعها أكثر من ناقد، بالتأكيد هذا الفعل يؤثر في نفسية الكاتب نحو الأحسن. الناقد المتمكن من أدواته سيفتح لك أبواب وأفكار ربما لا تخطر ببالك وأنت تقدم عملك، وحقيقة أنا استفدت من نقود تناولت كتاباتي، وجعلتني أطمح نحو الأحسن، وأنا سعيد بعدد النقاد الذين كانوا يتابعون ما أنشر.

  • إلى أي مدى حققت حلمك ككاتب وأديب وما الحلم الذي لم يتحقق حتى الآن؟

الحقيقة لم استطع أن أكتب كل ما أربو إليه، فأنا أحلم أن أكتب ملحمة عن شعب بلاد الرافدين، ومدى الجور الذي لحق به من خلال الحروب الخاسرة.

  • في ضوء ما تشهده بلادنا العربية من أحداث وانقسامات فكرية وطائفية وسياسية ، هل ساهم الكتاب العرب كقوة ناعمة في إرساء روح الوحدة وتقبل الآخر؟

لا، هذا كثير على الكاتب العربي. الكاتب العربي فقير، ومنسي، ومهمش، إزاء الماكنة العظيمة لمن يسوق للأفكار المتطرفة، هم عندهم المال، والسلاح، والسلطة، وجيش من ألأميين والجهلة. فالذي ذبح نجيب محفوظ، قال لأنه كافر. وعندما سأله القاضي هل قرأت ما كتبه؟ قال لا، لأني لا أقرأ. هم قالوا لي أنه كافر. وهناك مئات من هذه القصص في عالمنا العربي.

  • هل تنتج الحروب والثورات مبدعين؟

بالتأكيد نعم. فمثلًا بعد التغيير الذي حدث في العراق بعد 2003، صدرت عدد من الروايات ما يفوق ما كتب منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921، بمئات المرات، وعليك أن تتصور ما كان مخبوء في الذاكرة من وجع.

  • هل على الكاتب مسؤولية تجاه مجتمعه؟ وهل يمكن للكاتب قيادة الجماهير وتوجيهها في ظل أزمة الكتاب الحالية؟

وأي مسؤولية، أنا أؤمن بمقولة سارتر الذي يقول فيها (أينما يوجد الظلم فنحن الكتاب مسؤولين عنه). نعم نحن مسؤولين، وكما قلت قبل قليل على رأي الروائي العراقي مهدي عيسى الصقر (الكتابة ليست لعبة، بل من أجل أن أخض القارئ ). لكن لا تصل إلى درجة قيادة الجماهير، هذه أحلام، ولا يمكن حتى الحلم بها، كما أشرت من قبل.

  • كيف ترى مستقبل الكتاب الورقي؟ وهل يستطيع الصمود أمام الكتاب الإلكتروني والمسموع؟

نحن جيل تعلمنا على الكتاب الورقي، ولذتنا ونحن نحتضن الكتاب، ونقلبه ،ونتمعن بالأسطر والغلاف ، لكنني أرى أن الأجيال الجديدة ابتعدت كثيرًا عن الأوراق ، على الرغم من أن العراق يعتبر من الأسواق الجيدة في استقبال الكتاب، فمثلا بعد السقوط عام 2003 ظهرت أكثر من 300 جريدة يومية، كان وقتها الإنترنت والموبايل غير معروفة للعراقيين، ولكن بعد كذا سنة، أغلقت هذه الجرائد وأصبحت على عدد أصابع اليد الواحدة.

  • ما هي مشروعاتك الفكرية؟

-أعمل على تكملة سيناريو مسلسل تلفزيوني، ولو أنني أعرف مسبقًا أنه سيركن على الرف، لعدم وجود تمويل مالي.

  • كلمة أخيرة تود تقديمها إلى قراء النخبة ونصيحتك إلى الكتاب الجدد؟

-لا يخفي على المتابع للشأن الثقافي حركة دار النخبة، وحضورها الفاعل في المشاركة في معارض الكتب التي تقام في الدول العربية، وهذا عمل يحسب لها، أما النصيحة للكتاب الجدد، فهي اقرأ.. اقرأ.. اقرأ كل ما هو جديد. مع خالص تحياتي ومودتي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى