إبداع

الحضارة الإسلامية ومناهجها الفكرية

الفقه الإسلامي كان عاملًا رئيسًا في وضع الحدود على تطور مجالات الاستقلال

أحمد شعبان محمد

نواصل عرض أجزاء من كتاب (نور الله ومنهجية فهم القرآن الكريم) الصادر عن دار النخبة للنشر والطباعة والتوزيع.

تحت عنوان الأخطاء المنهجية:

وقفت متأملًا أمام سؤال مفاده: ما السبب في عدم قبول هذا الموضوع (الاكتشاف) على مدى أكثر من أربعين عامًا؟

فكان لزامًا علي…

أولًا: أن أرصد الحضارة الإسلامية ومناهجها الفكرية.

فوجدت أن الحضارة الإسلامية سبقت أوربا في علوم الرياضيات والفلك والطب والصيدلة وغيرها حتى القرن الثالث عشر الميلادية. وهو أمر يعترف به حتى خصوم الحضارة الإسلامية أنفسهم فهي حقيقة لا يتنازع عليها.

غير أن هذا السبق سرعان ما توقف لتتمكن أوروبا من تجاوزه محققة هذه الهوة الواسعة التي نشهدها بينها وبين كل الحضارات الأخرى.

الفقه الإسلامي وحدود ممارسة الإبداع

فكيف حدثت هذه المفارقة؟

سوف يتضح مما يلي أن الفقه الإسلامي كان عاملًا رئيسًا في وضع الحدود على تطور مجالات الاستقلال، وفي إدامة النظام التعليمي ذي الطابع الشخصي والخصوصي، وقد منعت طبيعة الفكر الفقهي الإسلامي تطور القوانين الشمولية والمعايير غير الشخصية للتقويم، وضيقت الحدود التي يمكن ممارسة الإبداع داخلها دون التعرض لتهمة الكفر والزندقة.

ويفوق ذلك أهمية أن الفقه الإسلامي لا يفسح في المجال للتنظيمات المستقلة أو الاتجاهات المهنية أو المؤسسات المدنية. والمؤسسة الوحيدة التي يحميها الشرع والتي يمكن أن تنشأ المؤسسات في ظلها هي الوقف، ولكن الوقف يرتبط ارتباطًا مباشرًا بالأوامر والنواهي الدينية كما يراها الفقهاء. أما فيما عدا ذلك فإن الشرع الإسلامي لا يحتوي على آليات التغيير والتحولات الضرورية لوضع القانون الخاص بالمؤسسات.

العلم الحديث لم يرسخ جذوره في البلاد الإسلامية

ولقد شكا المفكرون المسلمون في وقت ليس بالبعيد -هو منتصف الثمانينيات الماضي- من أن العلم الحديث لم ترسخ جذوره في البلاد الإسلامية، مما منع من ظهور بلاد مثل هونج كونج أو سنغافورة أو اليابان في الديار الإسلامية.

والإجابة ببساطة لأن المجتمع العلمي له سماته التي يجب أن يتصف بها، وقد عرفت هذه السمات بما يسمى خليقة العلم والتي كانت تفتقر إليها المجتمعات الإسلامية وهي كما يلي: ـ

خليقة العلم

1 ـ العالمية: يستوجب هذا المعيار أمرين:

الأول: هو أن الدعاوى الخاصة باكتشاف المعرفة يجب أن يحكم عليها بمعزل عن الشخصيات وطبقًا لمعيار ثابت ودون النظر إلى صفات الباحث الشخصية.

والثاني: هو أن الأشخاص يجب أن يسمح لهم بالدخول بحرية في عالم الخطاب العلمي دون النظر إلى أصولهم العرقية أو روابط القربى أو المعرفة الدينية.

2 ـ الجماعية: ويقتضي هذا الموجب أن تكون مكتشفات البحث العلمي ملكًا للأمة كلها، وأن لا يسرها الباحث أو يستحوذ عليها وحده؛ وعليه أن يجعل النتائج متاحة من خلال النشر بمجرد اتخاذ التدابير المناسبة لتفادي الخطأ وتحري الدقة.

3 ـ التجرد: ويتوقع من العالم طبقًا لهذا المعيار أن يتابع البحث عن الحقيقة دون التأثر بالأهواء الشخصية من خلال الوسائل المتاحة للجمهور وأن يضرب صفحًا عن كل أشكال الكسب الشخصي والبحث عن الشهرة والمكانة المرموقة.

4 ـ الشك المنظم: ويقتضي هذا الموجب المؤسسي التعطيل المؤقت للأحكام والتدقيق المجرد في المعتقدات حسب المعايير المنطقية وتطبيق هذا الاتجاه على كل الدعاوى الخاصة باكتشاف المعرفة، بما فيها التي تصدر عن مؤسسات تحظى بالاحترام الكبير، وقد نلاحظ هنا أن هذا المعيار معيار متقلب غير ثابت وأن المجتمعات التقليدية (أو تلك التي تطورت حديثًا) حساسة بشكل خاص تجاه النقد والتساؤل الموجهين لقيمها الأساسية والمقدسة، وهذا الاتجاه يسود الآن بين المسلمين الذين لا يسمحون لأي شكل من أشكال الشك العلني سواء في الرواية أو البحث العلمي بخصوص النبي محمد عليه الصلاة والسلام أو تعاليمه.

كيف حدث البعد عن الشروط الأربعة

وسوف أبين في  الفقرات التالية إلي أي مدى بعدنا عن هذه الشروط الأربعة.

لقد كانت بنية الفكر والعواطف في الإسلام في القرون الوسطى بشكل عام ذات طبيعة جعلت طلب العلوم العقلية وعلوم الأولين أمرًا يثير الشكوك، وأهم تهمتين وجههما التقليديين هما أن دراسة الفلسفة والمنطق وعلوم الأولين قللت من احترام الدارس للشريعة، وأن هذه الدراسة لا فائدة منها لإعراضها عن المسائل الدينية، ولذا فإنها مخالفة للدين.

وقد وصفت هذه العلوم أيضًا بأنها (العلوم الملعونة والحكمة المشوبة بالإلحاد)، وقد اتسع هذا الشك في الفكر المنظم حتى شمل النحويين في بعض الأحيان بينما قيل أن دراسة المنطق (محرمة)، ولذلك فقد نفهم لماذا أخفى الحريصون على سمعتهم دراساتهم الفلسفية وتابعوها تحت اسم علم آخر له مكانة أفضل؟ كذلك كان الحائز على كتب تتناول العلوم الغريبة معرضًا بأن يعرف بفساد دينه.                                                                                       

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى