صدر حديثا

الحمداني يؤرخ لـ«شعر الدليمي» في «النخبة»

دراسات أكاديمية في شعر الأديب العراقي الكبير

صدر حديثًا عن دار النخبة للنشر والطباعة والتوزيع، كتاب «دراسات أكاديمية في شعر كامل الدليمي» إعداد وتقديم الشاعر العراقي علي حميد الحمداني.

يقع الكتاب في 406 صفحة من القطع المتوسط، جمع فيها الشاعر العراقي علي الحمداني عددًا من الدراسات الأكاديمية لطلبة الدراسات العليا (الدكتوراه والماجستير) ومشاريع بحوث تخرج لطلبة الدراسات الأولية (البكالوريوس) تناولت تجربة الأديب العراقي الكبير كامل الدليمي في مجال الشعر وفقًا للنظريات النقدية المتاحة.

 وقد حصل الباحثون على تقييمات مختلفة من خلال هذه الدراسات في الجامعات العراقية وغير العراقية والتي شكلت تأريخًا مشرفًا للأديب والمفكر كامل الدليمي الذي بذل جهدًا مخلصًا وأوقف حياته لوضع لبنة ذهبية في صرح الثقافة العالمية.

شعر كامل الدليمي

يقول الحمداني في مقدمة الكتاب:

كامل الدليمي جلس على شاطئ الوجود وجمعه كله؛ الماضي منه والحاضر بنظرة شاملة وحكمة بالغة وخاطب العقل الإنساني يتأدب إزاءَها التاريخ ويدرك أن لا شيء خلقه الله أكثر أهمية من الإنسان.

عالج كامل الدليمي حكايته الخاصة وفق سردية أسهب فيها وكعادته في لغة الخطاب دون أن يقع في فخ التراكم اللفظي الزائد والغير مدروس، موظفًا محتويات الخيال العريض الكامن في ذاته ومدخراته منذ قصة النشأة الأولى وقدسية المصدر الطيني ليبدأ بها سرديته في النص النثري، ويختصر زمان مكونات الحكاية في رمزيات تذهب بالمتلقي وبدون عناء إلى مدلولات تلك الرموز المتداولة في سرديات تاريخية وأسطورية وموروثات كثيرة أدّت إلى ترسيخ تلك المدلولات في الذاكرة الإنسانية الجمعية وهذا ما مكنّه من المرور بسرعة كبيرة على حكايات تلك المدلولات وتصل السرعة تلك إلى حد توظيف كلمة واحدة، أو ما لا يتعدى الكلمتين والثلاث وهي صنعة خبير أتقنها مستعينًا بالخزين التراثي والحضاري المشترك بينه وبين المتلقي الذي سيتمم عناصر القصة من مدخراته ويتفاعل مع النص ليشترك مع الدليمي في السردية النهائية للنص والارتفاع بالمقام السردي إلى ما ينشده الدليمي في أن تكون القصة موضوع النص النثري هي القصة التي تروي الهَمَّ الجَمعي وإن جاءت صياغتها بقيادة ضمير المتكلم.

ضمير الـ(أنا) في شعر الدليمي

 لعل من أكثر النصوص لفتًا للانتباه واستقطابًا للمراجعة في نصوص كامل الدليمي هي تلك النصوص التي يجد الدليمي في نفسه ثقة كافية ليوظف الضمير (أنا) في الخطاب نيابة عن الضمير (أنتم) و(نحن) مما يمنح النص طيفًا زمنيًا واسعًا وكذلك تكون كل الأمكنة محلًّا مناسبًا له وهذا ما يحتّم أن يكون النص ناطقًا عن لسان حال المجموعة التي يستهدفها المؤلف.

 ولم يكن كامل الدليمي في نصوصه راويًا محايدًا، ولا طارئًا يترقب الشخصية الكامنة في سردية النص لكنه اختار وبذكاء أن يكون راويًا من الداخل مُلمًّا بتفاصيل الأحداث مما خوّله سرد حكاية النص نيابة عن الطيف الواسع من الأشخاص الذين عاشوا وما زالوا يعيشون تلك الحكاية.

 وما زال تعامل المتلقي مع النص الأدبي يشكل المحور الأساسي في إنتاج النص باعتباره الهدف الذي تتجه إليه القوى الكامنة في النص والتي استقت طاقتها من عدة عوامل أبرزها مؤلف النص والخلفية الفكرية والثقافية التي ارتسم عليها النص والشحنة اللغوية والكمّ المعرفي والفنّي الموجَّه المكون لقيمة النص، وهذه العوامل تتآزر معًا لتمنح القارئ حافزًا ورغبة بالهيمنة على خارطة النص المقروء ومزج مخرجاته مع خزينه الثقافي العام ليرى مع أي من مدخرات ذاكرته من النصوص السابقة يمتزج هذا النص وأية أضافة فكرية أو فنية أضافها إلى مدخرات الذاكرة.

 فالقارئ ينجو إذا كان مسلحًا بذكاء عاطفي وقراءته مجردة يحاذر فيها كي لا يفقد العقلُ المنطق ولا تزدوج فيه الرؤية ولا تدخل الخرافة لتضع مسارات واهمة تنتهي إلى الكثير من البدايات القلقة والدوامات المبهمة.

النص والقارئ والتاريخ

 إن أركان إنجاز المهمة المعرفية تكمن في نجاح التفاعل التام بين العناصر الثلاث، النص والقارئ والتاريخ، وذلك ما أدركه وحرص عليه كامل الدليمي ليقف في مكانه الصحيح من المعادلة الكيميائية لإنتاج النص الشعري الناجح، إدراكًا منه أن ثيمة هذا التاريخ تمثل ذاكرة القارئ وخزينه المعرفي واعتماد صورة ثابتة الحضور في قراءة النص الأدبي وباستبعاد مؤقت للمؤلف وللآراء النقدية ليحقق القارئ( قراءة تكوينية ) يكون للتاريخ الإبداعي (الذي تنتمي نصوص كامل الدليمي لهويته) دور في تحقيق تلك القراءة التي تمثل (عملًا إنتاجيًا) يتسلح به القارئ حين عرض النص المقروء من قبله على أعمال النقاد المقترنة بالنص، أو حين تمرير رقاقة النص تحت ضوء انتماءات الدليمي وحيثياته الفكرية. وهذا ما يصح قوله على الأعمال الأدبية لكامل الدليمي عامةً التي لا تحمل طابعًا تقريريًا أو نشاط علمي ونقدي بحت.

إن تراتبية الأفكار والعقائد والمناهج في ذاكرة القارئ تأخذ دورها في البنية الثقافية للفرد القارئ والتي تعد النواة الحقيقية لتكوين ثقافة مجتمع، وتصبح ثقافة عامة لا يرى المجتمع بدًا من اعتمادها كقوانين أولى للأخلاق.

 ولكي لا تعبث بالمجتمعات الثقافات الناقصة والمغلوطة وتحتل الصدارة فإن تناول هذه النتاجات الأدبية في دراسات وأطاريح أكاديمية تعتمدها وتجيزها المؤسسات الجامعية ستغني تيارًا ثقافيًا وفنيًا يصب في نهر المعرفة الذي يضمن ديمومة الحضارة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى