صدر حديثا

«الدراويش الطرابي».. فن الغناء السوداني

نماذج لفناني السودان بعرض لمحات من فنهم

صدر حديثًا عن دار النخبة للنشر والطباعة والتوزيع، كتاب «الدراويش الطرابي .. لمحات من فن الغناء السوداني»، للأديب والناقد السوداني د. مرتضى الغالي.

يعرض المؤلف في هذا الكتاب لنماذج من فناني السودان بعرض لمحة من حياتهم ونموذج لفنهم.

من أجواء «الدراويش الطرابي»

المسّاح: حالتو صعيبة خالص!

الشاعر المسّاح (إبن مدني) أُمّي (كامل الأمية) من حيث الأبجدية.. لا يقرأ ولا يكتُب..وهناك إجماع على انه لم يكن (ترزي درجة أولى) حيث لم يصبر على تعلم الصنعة..ولكن كان نموذجاَ ومثالاً للذكاء الفطري والإبداع الجريء والتصرّف في اللغة والابتداع العجيب في الفكرة الغنائية..!

لقد اكتسب على أحمداي لقبه المسّاح من (الحوامه الكتيره) في مدينته الجميلة.. يمسح الأرض شأن العاملين في مهنة المساحة (الجنزرجية) ولكنه يعمل بدون أجر بحثاً عن مواطن الجمال..وهو مثل ابن زريق البغدادي (كأنما هو في حلٍ ومرتحلٍ.. موكّلٌ بفضاء الله يذرعهُ)..!

ولو لم يكن له من الأغنيات غير (غصن الرياض المايد) وحدها، لكفت دليلاً على علو كعبه.. حتى عند مقارنته برصفائه من الشعراء الذي طافوا على المدارس وكلية غردون..! ولا تدري من أين أتى بمثل قوله:

عانيت في ليالي هواك صنوف وأحايد..

مشكلة بين هواي وجفاك..وأنت (محايد)..!!

لأنه انتهى إلي معني دقيق؛ فهو قد فصل نفسه عن الهوى وهذا مذهب في التجريد، وفصل محبوبه عن الجفاء، وجعل المعركة بين هواه (هو) وبين (جفاء) محبوبه، ولكن (ذات المحبوب) وقفت على الحياد..! وهو معنى قريب من توصيف آخر جاء في أغنيته (بالله يا نسيم الصبا) حيث يقول في معنى غير مسبوق:

محجوب سرّاج

جرحي اصبح ما بسيل لو تجرحيني..!!

محاسب في هيئة المياه والكهرباء..غاية في الهدوء والبراءة والحياء والخيرية..ولكنه من الشعراء الغنائيين الكبار..وهو صاحب لغة شعرية نسيج وحدها وغنائية ليريكية (نمبر ون)..! فأنت تعرف انه شاعر هذه الأغنية أو تلك من (سيماها)..حيث انه يتميز بأفكار وتعبيرات ومفردات تشكل معاً ما يتمايز عن أي قصيدة غنائية أخرى..وهو يجري في مضمار حسين بازرعة ومرحلة عبد الرحمن الريح الوترية اللاحقة (ما بعد الحقيبة) ولا يكاد يماثله من شعراء الأغاني المُحدثين من حيث البصمة التي يُعرف بها الشاعر سوى قلائل قد يكون منهم حسين عثمان منصور وقرشي محمد حسن وعبد المنعم عبد الحي والسر دوليب وسيف الدسوقي..!!

أخنت عليه الحياة وخذلته مصادفات الدنيا وجارت عليه أوضاعنا (المشقلبة).. فعاش كسيراً مغموراً ولم يتلألأ نجمه كما ينبغي..وعاش (عزيز النفس) ولكن في فقرٍ وإدقاع ..بسبب إهمال السودانيين اللامتناهي لمبدعيهم..فانتقل حتى من بيئة الأفندية وبيئته الحاضنة في حي العرب (المستودع المركزي للإبداع) إلى أقاصي حارات العاصمة وهو يحمل معه أبناء مصابين بالقصور العقلي أضافوا إلى معاناته الشخصية معاناة أخرى (مادية ونفسية) في بيت يكاد يخلو من احتياجات العيش الأساسية..

! هكذا إلى أن رحل عن الدنيا لم نلتفت إليه لا من حيث التضامن والتكافل المظنون من المجتمع..ولا من حيث التأمين المنتظر من التقاعد عن الخدمة..ولا من رعاية نقابته أو زملاء مهنته و(كاره)…

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى