حول العالم

الرواية العربية بين الفصحى والعامية

النص الروائي تجسيد للبنيات الاجتماعية من خلال بعده النثري

تلعب اللغة دوراً فاعلاً في تكوين الرواية وتشكيلها مع عناصرها الأخرى من الأحداث والشخصيات والزمان والمكان والسرد والوصف والحوار وغيرها، فاللغة وعاء الفكر ومحور التخاطب والتواصل بين أبناء المجتمع ومهمة الكاتب أن يقدم أفكاره في صورة محسوسة من خلالها، ومن ثم فأيّ كاتب لا يمتلك ناصية اللغة ولا يحسن توظيفها توظيفاً أدبياً لن يتمكن من أن يكون روائياً ناجحاً.

وتسهم اللغة في الإعلاء من شأن الرواية أو الحطّ منها تبعاً للمستويات التي تُصاغ بها وتتشكّل لأنّ اللغة هي اللبنة الأولى التي تستند عليها الرواية في تأثيث هيكلها وبنائها السردي كما أنّ الرواية من أكثر الأنماط الأدبية تجسيداً للواقع وهي تتخذ من الأنساق الفكرية واللغوية وسيلة لتمثيلها الواقع، فالنص الروائي «تجسيد للبنيات الاجتماعية من خلال بعده النثري وخلقه لعالم اجتماعي يتفاعل مع العالم الاجتماعي المعاش، فهو يخلق عالماً عن طريق اللغة ويمارس رؤيته للعالم الاجتماعي الذي  يعيش فيه بجزئياته وتفاصيله». (اللغة في رواية تجليات الروح للكاتب محمد نصار، د. عبد الرحيم حمدان، مجلة الجامعة الإسلامية (سلسلة الدراسات الإنسانية) المجلد السادس عشر، العدد الثاني، 200، ص 103- 157).

عالمية الرواية العربية 

عندما بدأت الرواية في العصر الحديث تشقّ طريقها نحو العالمية برزت مسألة مهمة هي مستويات اللغة الروائية، وبصورة أدق ما اللغة التي ينبغي أن تستعمل في الكتابة الروائية.

 تباينت آراء الروائيين والنقاد والدارسين بشأن لغة السرد التي يكتب بها الروائي عمله ووجد بعضهم أنه يتوجب على الكاتب أن يراعي في رواياته مستويات شخصياته الروائية الثقافية والفكرية والاجتماعية مستندين على رأي ميخائيل باختين، الذي يرى أنّ الرواية ككل ظاهرة متعددة الأسلوب واللسان والصوت ويعثر المحلل فيها على بعض الوحدات الأسلوبية اللا متجانسة التي توجد أحياناً على مستويات لسانية مختلفة، ولغة الرواية هي نسق من اللغات وهي التنوع الاجتماعي للغات وأحياناً للغات والأصوات الفردية، تنوع منظم أدبي. وتقضي المسلّمات الضرورية بأن تنقسم اللغة القومية إلى لهجات اجتماعية وتلفّظ متصَنّع  عند جماعة ما» (الخطاب الروائي، ميخائل باختين).

العامية في الرواية

 فمنهم من يؤيد أن يكتب الروائي باللهجة العامية بأشكالها المختلفة لأنّ العامية تسهم في المحافظة على الموروث الثقافي اللغوي وإعادة إحيائه من جديد بعد إهماله كما أنها تساعد على تسهيل إيصال الأفكار إلى ذهن المتلقي ونقل الكاتب للواقع دون زخرفة مما يدفعه في بعض الأحيان إلى استعمالها، وهذا ما يذهب إليه محمد المنقري في قوله بأنّ الرواية «عالم يتوازى مع الحياة بأنواعها وأطيافها وناسها وأساليب تعبيراتهم، واللهجة الشعبية جزء أساسي من اليوميات وعبرها تفيض الدلالات عمقاً في نقل الواقع والتعبير عن إيقاعها لتعميق الصوت والصورة بأبعادها كلّها ليعيش القارئ في عمق الشارع». (بين العامية والفصحى يتحدد الجدل، محمد المنقري، مجلة عربيات الدولية، 25 مارس 2010).

اللغة الفصحى في الرواية

نجد فريقاً آخر يتمسك باللغة الفصحى وينظر إليها بنوع من التقديس وينادي بها ويدافع عنها مع المناشدة إلى التمسك بها سواء كان ذلك في السرد أو في الحوار  وعلى رأس هذا الاتجاه الدكتور طه حسين وعباس العقاد في روايته الوحيدة «سارة»، ويحيى حقي في روايته «صح النوم»، ومحمد عبد الحليم عبدالله، ونجيب محفوظ في مجمل أعمالهما، والناقد الجزائري عبد الملك مرتاض الذي يرى «أنّ اللغة التي يجب أن توظّف في متون النصوص الروائية هي الفصحى فالمبدع يستطيع أن يجدد في المعاني اللفظية ويكسبها طابعاً جمالياً لم يكن معروفاً من قبل عند المتلقّي وهذا ما سيثير فيه الدهشة، فالأدب في نظره يستطيع التلاعب بالألفاظ ويكسبها معاني جديدة وذلك للحرية الفنية التي يتمتع بها في نقل الأحداث» (في نظرية الرواية، عبد الملك مرتاض).

 ويرى من زاوية أخرى أنّ لغة الرواية «إذا لم تكن شعرية أنيقة عبقة مغرّدة مختالة  متهيّئة متزيّنة متغجّرة لا يمكن إلّا أن تكون شاحبة ذابلة عليلة كليلة حسيرة خلِقة بالية فانية، وربما شعثاء غبراء. اللغة هي أساس الجمال في العمل الإبداعي من حيث هو». (في نظرية الرواية، عبد الملك مرتاض).

رأي الفريق الثالث

ووسط هذا الجدل القائم بين الفريقين ثمة فريق ثالث يرى بأنه «لا يمكن التفضيل بين اللهجة العامية واللغة الفصحى فاستعمال هذه أو تلك يعتمد على السياق المناسب، ويطالب هذا الفريق بضرورة أن يوظف الكاتب في سرده العامية والفصحى معاً؛ فالفصحى ملائمة لتناول القضايا المصيرية الكبرى كالموت والحب والتأمل والفلسفة  أمّا العامية فمطلوبة لنقل المواقف الكوميدية الطريفة والوقائع اليومية العابرة، لذا لا يمكن الفصل بين (العامّيّة) و(الفصحى) بل يجب أن تندمجا كوحدة متكاملة في نصّ الكاتب، ولعل هذا ما فعله الروائي العراقي الراحل فؤاد التكرلي، الذي أعاد طبع بعض أعماله الروائية بعد أن قام بتقريب الكثير من الحوارات التي كانت مكتوبة بالعامية العراقية للعربية الفصحى». (السرد بين الفصحى والعامية، إبراهيم حاج عبدي، مقال منشور بتاريخ  24/ يونيو/ 2009).

ومنهم من استخدمها في الحوار، مثل توفيق الحكيم في «عودة الروح»، و«يوميات نائب في الأرياف»، وعبد الرحمن الشرقاوي في «الأرض»، وغالب هلسا في رواياته السبع، ويوسف السباعي كتب بعض حوار رواياته بالعامية، مثل: «أرض النفاق»، و«السقا مات».

العلاقة بين اللغة العربية والعامية

لابدّ من الإشارة إلى أنّ اللهجات العامية العربية من أصول فصيحة وكثير من الألفاظ العامية أصلها فصيح وأصابها بعض التغيير. «إنّ العامية ليست علماً انحرفَ عن  اللغة لأنّ الألفاظ العامية إمّا أن يكون أصلها فصيحاً أو أصابها بعض التغيير أو التحريف». (معجم الألفاظ العامية المصرية، فتح الله أحمد سلمان).

للغة العربية الفصحى قواعد وقوانين تضبطها سواء كانت نحوية أو صرفية أو غيرها «وهي ذات مصطلحات علمية وفنية وتتميز بتنوع الأساليب والعبارات والقدرة على التعبير عن معاناة ثانوية على عكس اللهجة العامية الخاصة بفئة معينة ولا قواعد لها تضبطها وتلتزم بها أيضاً ولا ثبات ولا استقرار وتفتقر إلى ما لا يحصى  من المصطلحات». (العربية بين العامية والفصحى، وفاء نجار، مجلة عود الند).

لغة التجديد والتطور

اللغة العربية ليست عقيمة بل هي لغة التجديد والتطور الدائم وقد حافظت على مكانتها الفريدة في ثقافتنا وتاريخنا وحضارتنا على مدى أكثر من أربعة عشر قرناً وتأتي في مقدمة اللغات العالمية التي نجحت في القيام بدورها الحضاري المتميز وقفزت بأهلها من مجتمع بدوي إلى مجتمع متمدن وأصبحت لغة الحضارة والثقافة والعلم على العالم لقرونٍ عديدة، وإنّ الروائي المبدع هو الذي يوظفها توظيفاً سليماً صحيحاً وفق معانٍ جديدة وسياقات سليمة يجذب بها العقول ويسحر بها الألباب فيؤثر في المتلقي.

إنّ براعة الكاتب وتمكّنه من ناصية اللغة هما سر إبداعه وتمكّنه لأنّ اللغة هي المرآة العاكسة لبناء النص الروائي برمّته، وعلى الكاتب أن يتحمّل دوره ويعمل جاهدا للحفاظ عليها وتجديدها في نصّه لما لها من انعكاس على ذهن المتلقي وتمكينها عنده فهي ليست مجرد لغة أصوات وكلام ومعان بل هي تعبرعن كيان أمة وثقافتها وهويتها، فهي الأساس الذي يصل حاضر الأمة بماضيها وهي من مكونات الشخصية العربية الأصيلة لذا يتوجب المحافظة عليها من التفريط والهجر.

والرواية المكتوبة باللغة العربية الفصيحة تعد رواية عالمية بامتياز لسهولة ترجمتها للغات أخرى لغير الناطقين بها لكنها ستضيع إذا ما كتبت باللهجة العامية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى