إبداع

السيدة انتظار

عشرون عامًا مرت منذ ارتباطه بزميلة له في العمل بعد قصة حب هادئة

Advertisements
Latest posts by فوز حمزة (see all)
تفقَّد محرر الصفحة الاجتماعية بريده الإلكتروني كما يفعل كل صباح ليجد إحدى وثلاثين رسالة جديدة قد وصلته من قرَّاء المجلة.
 
لم يجد لديه الرغبة في العمل أو تبادل الأحاديث مع أي شخص موجود في الغرفة رغم الابتسامات التي يراها على وجوه زملائه وهم يتبادلون النوادر بينهم..
 
ردد مع نفسه: ما أحوجني إلى الاختلاء بنفسي لعلي أحظى بلحظة سكون لأرى سر الإحساس الغريب الذي يداهمني منذ الأمس !
حانت منه نظرة ثانية إلى بريده الإلكتروني..
 
كان يعرف أن هذه الرسائل ستدخله وسط دوامة من المشاعر والأحاسيس لن يخرج منها إلا وهو مُنهك القوى.. عليه بكل بساطة أن يتحول لشخص آخر كما يفعل كل يوم.
 
أشعل سيجارة مع فنجان الشاي بالهيل الذي يفضله على أي مشروب ثانٍ محاولًا بهما تغيير مزاجه الذي يعمل كالستائر السميكة حينما تحجب أشعة الشمس خلفها فتخيّم العتمة على المكان..
 
الأفكار في رأسه تناطح بعضها البعض دون هوادة بينما رئتاه تدفعان الهواء بانتظام.. وبانتهاء كل جولة يجد المزيد منها قد بدأ بالتناسل دون أن يوقفها شيء.
 
حدَّق صَوب النافذة حيث الغيوم التي أخذت تتشتت على صفحة السماء.. قال مُحدّثًا نفسه: ستعيدها الريح ثانية.. لكن بهيئة أخرى كما فعلت الحياة معي.
 
عشرون عامًا مرت منذ ارتباطه بزميلة له في العمل بعد قصة حب هادئة.. كانت مسؤولة عن تحرير الصفحة الأدبية في المجلة.. بعد ذلك آثرت ترك كل شيء والتفرغ للبيت وللأولاد.. حاول ثنيها عن قرارها ربما ليبدو أمامها بمظهر الرجل المتحضر.. لكن في قرارة نفسه كان يقول ما حاجتي لامرأة تكتب الشِعر؟!
 
قالت له بعد عودتهما من رحلة شهر العسل: منذ اليوم، سأكتب القصائد لك وحدك.. لكنها لم تعد تكتب الشعر..
 
كبر الأولاد قبل الآوان وتحولت شيئًا فشيئًا إلى امرأة تراقب الأحداث من خلف الستار ثم تختبىء خلفه.
 
طائر مرَّ سريعًا أمام النافذة ذكَّره برسالة آخر عشيقة له: يوم أمس.. كنت أسير في الشارع وأردد مع نفسي… حان وقت الرحيل… وإن غادرت… فإلى الأبد… صدقني… سأجد رجلًا آخر نكاية بك.
 
كتب لها استردادًا لكرامته: أنا أيضًا منذ زمن أفكر بالرحيل.. لكن كنت أبحث عن مفردات مناسبة.. المفاجأة حينما عرفت أن الأمر لا يحتاج سوى ثلاث كلمات.. أرغب في الرحيل.
 
بعدها لم تكتب له.
 
الغريب أنه لم يشعر بأي حزن لفراقها.. فقط حزمة ذكريات على أُهبة الاستعداد للاختباء عند منتصف الليل وإحساس تجذَّر داخله من أنه وغد.
 
أكثر من ثلاثين عامًا قضاها وهو يكتب حلولًا لمشاكل نساء ورجال لم يرَهم في حياته.. عشاق مخدوعون وأمهات يشكين عقوق الأولاد.. رجال يبحثون عن الحب بعد سن الخمسين.. نساء تعاني خيانة الأزواج، مراهقون يفكرون في الانتحار لأنهم لا يجدون من يصغي لهم.. مشاكل بين أفراد الأسرة الواحدة بسبب الإرث.. فتيات حملن بلحظة حب غبية.. ربما يقف القتل الشبح المهدد لهن..
 
خِبرته الطويلة تجهز له الحلول في ثوانٍ قليلة.. ثمة رسالة غريبة من امرأة أثارت فضوله تسأله: هل يحق لها رد الخيانة بالخيانة؟ كتب لها جوابًا طويلًا بين فيه أن الخيانة تسرق أحلام صاحبها.. وفي أعماقه يقول: إن استطعتِ، فافعلي.
 
كل القصص يطالب أصحابها بحلول سحرية يمنحها المارد لهم بمجرد دعك المصباح، كتب مقالًا ذكر فيه أن الحلول مُخبأة في ظلام جيوبكم بينما أنتم تبحثون عنها تحت أعمدة النور الشاحبة.
 
أهدر سنوات من عمره لا يرى العالم إلا من خلال تلك الرسائل المليئة بخيبات الأمل والانكسارات المريرة، أحيانًا ينتابه شعور من أنه قد أدمن تلك القصص التي يخفي أصحابها الحقيقة.. انتهى من عمله وأغلق حاسوبه ليغادر دون وداع أحد.
 
دخل إحدى المقاهي.. وهو يرتشف من قدح الشاي بالنعناع.. راقب مشهد المطر عبر النافذة.. صوَّب نظره نحو السماء المليئة بالغيوم السوداء المتجهمة كمعاطف الشتاء.. شعر كأنها تحاول إلقاء حمولتها على الأرض كقراء صفحته وهم يسردون مشاكلهم في سطور.
 
عند المساء عاد لبيته.. جلس بعد العشاء صامتًا ينظر لزوجته التي راحت تبتسم له في صمت هي الأخرى.. خطر على باله أن يسألها.. هل أنا ضروري في حياتكِ؟ ماذا لو عرفتِ بأنني خُنتكَ مع نصف نساء المدينة؟ لكنه لم يقُل أية كلمة بل توجّه لحاسوبه ليجد رسالة في بريده الإلكتروني.. إنها من ذات السيدة التي تراسله منذ أشهر دون إعلامه باسمها.. لكن بريدها الإلكتروني باسم انتظار.
 
– مساء الخير أستاذ .. كيف حالك؟
 
– مساء الخير سيدتي.. أنا بخير.
 
– ترددت كثيرًا قبل أن أقرر مراسلتك هذا المساء.
 
– ما سبب انقطاعكِ الفترة الماضية؟
 
– شعرت بحاجتي للوحدة!!
 
– في زمن الجنون الذي نعيشه تبدو الوحدة مطلب باهض الثمن.
 
– تجتاحني في هذه اللحظة رغبة شديدة للتحدث عن نفسي.
 
– الجميع تجتاحهم أحيانًا هذه الرغبة.. مع ذلك أنا مستمع مثالي.
 
– أنا محظوظة بوجود من يصغي لي.
 
– مهنتي تحتم عليّ ذلك.
 
– مشكلتي أن الخيارات أمامي ليست كثيرة؛ إما الرحيل أو البقاء.
 
– بذلك تكون الحياة كريمة معك.. هل لي بمعرفة التفاصيل سيدتي؟
 
– ستصلك بعد لحظات رسالة مني.. على سطورها دوّنت كل شيء . ستجد في نهاية تلك السطور أكوام من العواطف.. لحظات كانت الأرض فيها متسعة.. نادتني كي أعيشها وقد عشتها كما ينبغي.. عشتها بما قل ودل.
 
– متشوق لقراءة سطورك سيدة انتظار!!
 
– أرجو أن تصل لمحض شخص بعينه.. إن وصلته؛ هذا يعني خروجها مني.. تحررت من سجنها ولن تعود إليه.
 
لقد سبق له الحديث مع هذه السيدة.. أو هكذا ظن.. ظلال حروفها أحيت داخله إحساسًا بالراحة وفي ذات الوقت ذكَّرته بالشمس المشتعلة في كبد السماء.. هذه المرأة نجحت في إثارة اهتمامه من جديد بالقصص التي لم يعد يملك شهية لقراءتها.
 
ظل مُحدقًا في شاشة الحاسوب بانتظار رسالتها.
 
سكن لدقيقة ثم تلتها دقيقة أخرى كمن يريد النهوض ولا يقوى على الحركة.. يود وبقوة رؤية صاحبة الرسالة.. لكنه يخشى الاقتراب كما يقلقه الابتعاد.. مد ذراعه والتقط الجهاز فكانت تلك الرسالة التي كان ينتظرها ويخشاها وراح يقرأ:
 
أيه حبيبي!
 
أين اختفى البريق الذي شًدك إلى عينيّ حين رأيتني أول مرة؟
 
لم أنسْ حين أخبرتني إنكَ منهما ترقب ولادة النهار من الليل..
 
كيف تبدد السِحر الذي كان يحيط بكلماتي حين تسمعها؟
 
صمتكَ حول تلك الكلمات إلى جثة تنتظر الدفن في منتصف ليلة ممطرة..
 
لماذا اختفت ابتسامة عينيكَ؟
 
وأنا ألامس يدكَ؛ لم أعد أشعر بنبضات قلبكَ.. حرارة أنفاسك أصابها البرد.. كل شيء ساكن رتيب..
 
كنت تقول لي: شفتاكِ لم تُخلق للكلام.. بعدها نغرق في الحب.. الآن لم تعد تغريك بالقُبَل!!
 
ما عاد عطري يهزم ليلك.. فأخذتك الأحلام بعيدًا..
 
هل أنسى لهفتك بينما نظراتك تلاحقني؟ تبعثرني ثم تلملمني.. تميتني فلا تحييني..
 
الآن.. أجدك جسدًا يبحث عن روح.. وروح تعبت من البحث.. قصائدك المرتجفة شوقًا وحنينًا.. سقطت حروف منها.. فتاه المعنى بين السطور..
 
لا أشعر معكَ سوى بالوحشة والحنين!!
 
ما بالكَ تطارد اليأس حافي القدمين!!
 
لماذا تركت الحزن يعشعش على نوافذنا؟
 
يحدث أن تكون معي ومع غيري في ذات الوقت..
 
ستحاول حجب النوافذ بالضباب.. لكن الحياة تفاصيل صغيرة..
 
لطالما قرأت رسائل العشق التي كنت ترسلها للأخريات..
 
كيف سأعثر على الدرب وسط الفوضى والطريق لا نهاية لها؟!
 
الجواب يكمن في خزائنك القديمة بعد منح نفسك فرصة للتفكير.. وإذا ما حصل فراق فإني سأغفر فالمسافات لم تبطل مفعول الأشواق.
 
تخيل لو أننا نعود للماضي.. إلى أول لقاء كي نرمم كل شيء ونقول ما لم نفصح عنه وقتها لعل الأمر ينجح هذه المرة.. ربما لا نحتاج سوى كلمات بسيطة.. لكنها مفعمة بالسعادة.. فيصبح الحزن لطيفًا.. أقل وجعًا.
 
ليتنا نحاول تبادل الحديث دون أقنعة.. أتعرف ما الذي أخشاه؟ أن أصحو لأجد نفسي لا أعرفك.
 
هذه هي مشكلتي يا سيد الحلول!!
 
بعد انتهائه من القراءة.. امتلأت عيناه بكل الدهشة.. ترك مقعده ومضى بخطوات بطيئة صوب الغرفة الأخرى حيث تجلس زوجته وهي تتطلع صوب جهاز الحاسوب خاصتها.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى