إبداع

الصراع الفكري والأيدلوجي في رواية «خطايا العثماني الأخير»

«أحمد محروس» كاتب يعشق عالم المغامرة بكل مؤثراته الزمنية والمكانية

د. السيد الزرقاني

جاءت أطروحة الكاتب أحمد محروس في رواية «خطايا العثماني الأخير» الصادرة عن دار النخبة للنشر والتوزيع بالقاهرة في 175 صفحة، حاملة بداخلها أطروحات متعددة ولتدفع القارئ إلى حالة من حالات التخيل البصري والزمني عند قراءة الرواية بما تحمله من رؤى متعددة، وصراع مشوق بين شخوصٍ، أراه قد أحسن اختيارها.

ومن خلال تبني نظرية سردية جميلة تأخذ بلب القارئ الذي، مع ما يجده من متعة القراءة، لا يمكنه الهروب مما تحمله السطور من إسقاطات رمزية أضافت إلى النص الأدبي الكثير من المعاني العميقة.

وتكشف الرواية عن شخصية الكاتب، فهو يعشق عالم المغامرة بكل مؤثراته الزمنية والمكانية ونسج حكايات مترابطة المضمون، والأفكار، والرؤى، تأسر القارئ داخل مكنون اللغة الجميلة.

لقد اختار الكاتب نموذج الروايات التاريخية التي تحمل في مضمونها أفكارًا تراثية عظيمة نحتاج إليها، في وقت تتسلل فيه الأفكار والرؤى الضالة إلى مجتمعاتنا، في ظل غياب القدوة الرشيدة التي تحمي البلاد من هول المصائب التي ذقنا مرارتها من هؤلاء الضالين فكريًّا من مختلف الطبقات الاجتماعية.

أحمد محروس خلق حالة من الجدلية بين الشخصيات

لقد نجح الكاتب في الانطلاق بنا من عتبة الفكر والثقافة مؤكدًا أن نجاح أي أمة أو فرد يبدأ من تلك المنصة الفكرية والثقافية، التي تمكنك من المحاورة بشكل علمي مع من يحاول هدم الثوابت الفكرية عند أبناء الوطن الواحد، وهذا ما يتفرد به كاتبنا من خلال ممارسة الكتابة والإبداع في مجالات متعددة وموضوعات شتى.

وينطلق بنا الكاتب في خلق حالة من حالات الصراع الطبقي والفكري ما بين الشخصيات الرئيسة في الرواية، من خلال استخدام أسلوب سردي بسيط ومشوق للمتابعة، حيث خلق حالة من الجدلية ما بين شخصيات غير متجانسة ثقافيًّا أو اجتماعيًّا، ليمرر للقارئ التمسك بتلك الثوابت الاجتماعية، على الرغم من الرفض الطبقي الذي سيطر علي الكثير من الأبطال، حيث تطل علينا عبقرية الكاتب في الإمساك بالكلمات والحروف ليرسم لنا لوحات حوارية دقيقة المعاني والدلالات من رسم جيد لمسرح الحدث…

وتجلت براعة الكاتب في تحريك الشخصيات في حوار درامي وفلسفي بطريقة خاصة أظهرت براعته في تدفق الأحداث في ترابط وتداخل، دون الإخلال بالبناء الفني الرواية، ونجح الكاتب في إحداث حالة الدهشة لدى القارئ منذ الوهلة الأولى في اختيار العنوان  الذي أثار تلك الحالة التي تجذب القارئ إلى ميدان القراءة التاريخية، وقد أمسك الكاتب  خيوط روايته في عدة محاور، هي:

المحور الاجتماعي

يعتبر هذا المحور من أهم المحاور التي سعى إليها الكاتب أحمد محروس في الرواية، حيث كان حريصًا على نقل صور اجتماعية متشابكة في مواضع عدة، وحرص على تقسيم المجتمعات المتباينة في روايته إلى شرائح مختلفة، لكل منها خصائص متنوعة ومختلفة عن قرينتها في مجتمع آخر، من خلال تنقل الجَّدِّ من مكان إلى آخر ما بين مصر (البداية والنهاية)، ولبنان، وفلسطين، ولندن، لكل من تلك المجتمعات عادات وتقاليد مختلفة عن غيرها.

ففي ص9: «كان الشيخ قد انتهي لتوه من إمامة المصلين في صلاة الجمعة، وخرج وحوله كوكبة من المصليين الذين يكنون للشيخ أسمي آيات الإعجاب والتقدير، وكان المصلين ما زالوا يسألون إمامهم عن بعض الفتاوى، التي تشغل بالهم، وكان الرجل يجيبهم بكل أرياحية وسعة صدر، ولكن فجأة أدركه التعب  نظرًا لسنوات عمره».

وفي موضع آخر خاص بالجانب الاجتماعي، في بلاد الشام حين اعتمد على أسلوب الوصف والتحليل لشرائح المجتمع، وأخذ على عاتقه إبراز دور المثقفين في قيادة الأفكار الإصلاحية للعامة.

محور التوثيق التاريخي

تلك الرواية هي رواية تاريخية بالدرجة الأولي، وقد اكتسبت اهميتها فيما حملته من سرد تاريخي لحقبة من الزمان، ، وقد نجح الكاتب في توثيق تلك الأحداث معتمدًا علي العديد من المراجع التاريخية، التي تعد مصدرًا من مصادر الرؤية التاريخية. لذلك نجد أن الكاتب قد حرص على تسجيل تلك المراجع التاريخية التي اعتمد عليها في نهاية إصداره، ومن الواضح أن الكاتب نقل الكثير من الفقرات من تلك المصادر، وقام بالإشارة إليها ما بين  قوسين.

حيث كتب في ص 23: «كان الشيخ (محمد بك أبو السنين) والذي أشار إليه المؤرخ المصري الشهير (تقي الدين المقرزي) في كتابة «البيان والإعراب»…..).

العنوان:

عنوان الرواية «خطايا العثماني الأخير» هو من نوعية العناوين المفتوحة التي تحتمل العديد من المعاني، وقد تمكن المؤلف من خلال هذا العنوان أن يستحوذ على فكر وانتباه القارئ الذي يظل هذا العنوان يداعب مخيلته وهو يبحر في قراءة تلك الرواية الممتعة.

لقد تمكن المؤلف من أن يتجاوز ببصيرته منطق الأحداث المباشر، فمن هو المسئول عن كل ما شهدته مصر من محن ونوازل، هل هم المماليك الذين يظهرون في الصورة أم أنها خطايا شخص آخر؟ لقد أجاب الكاتب.

شخصيات الرواية:

الكاتب اعتمد علي بعض الشخصيات الرئيسة مثل (رضوان الورداني)، و(قابيل كتبغا)، وهناك شخصيات ثانوية في الرواية (ياقوت)، و(جورج سمعان)، و(الهواري)، و(الجزار).

الصراع الدرامي والتاريخي

يعتبر هذا المحور من أهم محاور الرواية التاريخية، حيث نجح الكاتب في رصد محاور الصراع بين شخصيات الرواية بعبقرية من الصفحات الأولي منها، ورسم لوحات درامية دسمة، بداية من حالة الصراع الوجودي في حي (الوردان) بين بطلي الرواية (الشيخ رضوان الورداني) و(شيخ البلد قابيل كاتبغا)، وكان مدلول الصراع الوجودي بينهما عاليَ النبرة واللغة، ربما قصد الكاتب في الحط من قدر هذا المملوكي الذي لا نعرف له أصل. (ص14)

الصراع بين المماليك أنفسهم تنفيذًا لمبدأ البقاء للأقوي (ص20).

الصراع بين (سليم الثالث) وأخيه غير الشقيق (ياقوت) إلى أن قام بتدبير عملية التخلص من أخية لينفرد بالحكم. (ص98)

الصراع بين تيار الإصلاح الذي يقوده الشيخ (رضوان الورداني) والسلطان (سليم الثالث)، وقد نجح الكاتب في سرد مقومات كل طرف من الطرفين، وكان دائمًا منحازًا إلى جانب التيار الإصلاحي، الذي يقوده الجد، سواء على المستوي الدولي ضد السلطان العثماني، أو على المستوى الداخلي في مصر حين عاد للاستقرار فيها بعد رحله طويلة، تحمل فيها التعب والمشقة دفاعًا عن أفكاره الإصلاحية. (ص170)

 الصراع بين المذاهب الدينية في لبنان… وأثرها الكبير في الحرب الأهلية وعدم استقرار الوضع السياسي في بلدنا، والذي امتد حتى اليوم في عدم التجانس، وحرص الكاتب في تناول جذور هذا الصراع بين المذاهب والطوائف في كلٍّ من العراق، وسوريا، واليمن، وتجلت خطورة هذا الجانب الخطير في الصراع بين (الشيخ رضوان الورداني) و(بكتاشي). (ص 57)

دور الصحافة

من العناوين المهمة جدًّا التي أشار إليها الكاتب هي الدور الكبير لوسائل الإعلام، التي كانت متوفرة في هذا الوقت منذ انتقال الشيخ (رضوان الورداني) إلى لبنان وتقربه إلى (جورج سمعان)، والذي أصدر جريدة (مرآة الوطن)، والتي كانت لها الدور الأكبر في تأييد الأفكار الإصلاحية في الإمبراطورية العثمانية، التي شهدت الكثير من السلبيات خاصة في الولايات العربية. (ص29)

  • جريدة «البصير» التي أصدرها في الإسكندرية (رشيد الشميل).
  • جريدة «الحق المر» التي كانت تصدر في لندن في ذلك الوقت. (ص87)

دور المقهى

أشار الكاتب إلى المقهى في إشارة عابرة، وكأنه أراد أن يؤكد على الدور الكبير الذي يلعبه المقهى في الحركات الثقافية عامة والسياسية بصفة خاصة، كما فيه مقرًّا أثناء نهضتها الثقافية والفكرية، حيث كان المقهى هو قبلتهم المعتادة لتبادل الأفكار والآراء بكل الصورة، في لبنان كان المقهى (التحتاني) هو قبلة الجد (رضوان الورداني)، و(جورج سمعان)، والأمير (ياقوت)، ومنها طرت كل الأفكار الإصلاحية التي نادوا بها.

وفي المقهى أيضا وقعت أكبر مشادة كلامية بين الشيخ (رضوان الورداني) ممثلًا عن الأزهر الذي يمثل الوسطية في الإسلام، و(عكرمة البكتاشي)، والذي انتهى بإبعاد  ممثل الأزهر عن لبنان. (ص51)

 الدين في الرواية

كان الدين ولا زال هو أحد الأسس المهمة في إدارة الحياة الاجتماعية والسياسية في حياة الأمم عامة، والدولة العثمانية خاصة، الكاتب أشار إلى عدة نقاط في هذا الأمر، أولها أن رجال الدين المرجعية الشرعية للأهالي، وأن رجل الدين هو مصدر ثقة للمواطن العادي، وتجلى ذلك في بداية الرواية، كما أن لرجال الدين الدور المؤثر في تنظيم صفوف المقاومة، بل والمشاركة فيها بفاعلية كبيرة، وأشار الكاتب إلى ذلك في مواضع عدة في المقاومة في عكا، والمقاومة المصرية ضد الحملة الفرنسية في ثورتي القاهرة الأولى والثانية.

كما أن رجال الدين على قدر إنهم يمثلون حلقة التنوير والإصلاح المهمة في المجتمع، إلا إن البعض ارتمى في أحضان السلاطين، وأصدر لهم الكثير من الفتاوى للنيل من الخارجين عنهم أو المعارضين لهم.

الأسماء في الرواية

كانت الأسماء داخل الرواية مختارة بعناية من جانب الكاتب، حيث تم استخدامها وتوظيفها بالشكل السليم في مواضعها بالرواية، وكلها لها علاقة بأحداث الرواية، وهو إيحاء من الكاتب بأن تكون تلك الشخصية مؤثرة في طرح كل الأفكار الدينية معتمدة على التراث الثقافي التي تسلحت به.

وجاءت شخصية الشيخ (رضوان الورداني) و(جورج سمعان) لتضيف معنى آخر أن الوحدة بين الأديان هي هدف سماوي وليس للتناقض والاختلاف؛ لأن الأديان تتواصل ولا تتصادم، وقد نجح في إضافة الصبغة الدينية على مدلول كل اسم من تلك الأسماء في موضعه.

كما أن اختيار أسماء الأماكن كان ذا مدلول تاريخي وديني في ذات الوقت، بادية من (حي الوردان)، و(حيفا)، و(عكا)، و(لندن)، و(الأزهر)، تلك الأماكن المعني بها  مسرح الحدث داخل الرواية، وعليها هؤلاء الشيوخ في كافة العلوم الشرعية والفقهيه التي تقود الأمة لمواجهة الأفكار المتطرفة.

وهنا إسقاط رائع من الكاتب على تلك الأماكن التي تحولت إلي ساحة للجدل بدلًا من أن تكون ساحة للعلم والفقه، وإن المقصود والمعد من قبل الأعداء هو ضرب تلك المؤسسة في الصميم وهدم مكانتها العالمية والدولية، والتي كان لها الدور الأكبر في الحفاظ على الهوية المصرية، رغم الاحتلال الذي امتد إلى أكثر من سبعين عامًا، كما أن اختيار حي الأزهر بما له من تأثير روحاني لدى العامة من المصريين لمهاجرين من جميع أنحاء مصر، والعلاقة المكانية التي جمعت بين أبطال الرواية، وهذا أضاف عمقًا تراثيًّا، وروحانيًّا لدى الجميع حتي نهاية الرواية.

السرد الأدبي

حيث نجد الكتاب يميل  في السرد الأدبي إلى الاعتماد على الجمل السهلة البسيطة، التي يوظفها في تناول وتصاعد الحدث، وهذا أضاف إلى النص الروائي لغة لم تُستخدم كثيرًا لدى الروائيين.

فمعظم الكتاب لا يعتمدون على تلك الجمل الشاعرية القصيرة والبليغة، وإنما يعتمد معظم السرد لديهم على الجمل الطويلة ذات التفاصيل المكانية والجغرافية، بعيد عن تلك المناطق الشعورية التي ركز فيها الكاتب أحمد محروس في تناوله للحدث، بجانب استخدام اللغة الفصحى القريبة من لغة الصحافة والشارع، والاحتفاظ الذكي بالكلمات الكبرى التي يستخدمها في صيغة الراوي المشارك؛ لتجعل لغته في متناول فهم الجميع بلا أية تعقيدات أو ملل.

البناء الفني للرواية

هذه الرواية تحتوي على ما يميزها عن غيرها من الروايات من حيث الانتماءات الواقعية، والاجتماعية، والنفسية، وتتميز بقوة بنائها الفني، وقد نجح الكاتب أحمد محروس في الإمساك ببراعة بعناصرها الفنية سواء المكانية أو الزمنية، واحتوت على عنصر التشويق بشكل دائم ومستمر، و ظهور الشخصيات بشكل مرحلي حافظ على البناء الدرامي للرواية دون إخلال، وإن كان الكاتب قد سار على نفس النهج الأدبي المتدرج والرابط بين عنصري الإبداع الابتكاري في القصة والعمق الفلسفي.

ونجح أحمد محروس في توظيف الشخصيات في خدمة الصراع الدرامي المتصاعد، حيث عرض كل الأنماط البشرية بتوازن، مما أضاف متعة للقارئ من خلال تلك الجمل السردية السهلة والبسيطة، وتلك العقد وتصاعدها وحلها في حالة من حالات الابتكار والإبداع الأدبي.

وأخير علينا أن نقر أن الكاتب أحمد محروس يمتلك من الثراء الإبداعي والثقافي ما يجعل تلك الرواية تتميز بثراء مضمونها، وتعدد مشاربها، وانتماءاتها ما بين الواقعية، والرومانسية، والاجتماعية، والنفسية؛ فهي مجموعة تنتمي لكل هذه التصنيفات، الأمر الذي يمكن معه أن نطلق عليها الرواية الشاملة المتحررة من التصنيف التقليدي لكثير من المجموعات النمطية.

أضف إلى ذلك قوة بنائها الفني؛ والإمساك ببراعة بعنصري الزمان والمكان، والابتكار في تعدد المكان ورحابته، وتعدد العقد والإشاعات بشكل مرحلي بنائي يسهم في تكوين العقدة الرئيسة والحل، والمحافظة على عناصر التشويق بشكل دائم ومستمر، مع نوع من التوتر الشيق، ورسم الشخصيات بهدوء دون إخلال في البناء الفني والدرامي.

تعليقات الفيس بوك
اظهر المزيد

د. السيد الزرقاني

كاتب صحفي، صدر له العديد من الكتابات الأدبية والنقدية منها: مجموعات قصصية "صرخات أنثى"، "رائحة العطر".

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى