إبداع

الصوت

نغمة تدخل القلب دون استئذان

أحمد خلف
Latest posts by أحمد خلف (see all)

 

اندفعت باتجاه باب الدار وتوقعاتها لا تخيبها أبدًا، بل دائمًا تأتي حسب ظنها وتوقعاتها المحتدمة، تلك طرقاتهُ تعرفها، أمضت أغلب ساعات الليل بالتفكير به.

طرقتان اثنتان ثم تتبعهما ثالثة بعد فترة قصيرة جدًا، فتحت باب الدار سعة حجم الكف ثم وسعت الفتحة أكثر، لم تجد أحدًا هناك، عادت إلى جلستها الأولى في مملكتها الخاصة مبتئسة، انكفأت على: (دليلك إلى السعادة سيدتي) ابتسمت بحنق ولم تمنح نفسها مهلة التفكير بإمكانية عدم قدوم أحد لزيارتها، لقد وعدها وهي ليست واهمة أو حالمة.

عودت نفسها منذ أول أيام تعلقها به وبالأشياء الجميلة المحيطة بها حتى لو لم تكن ملكًا لها، تفرض على الآخرين حضورًا مفاجئًا بوجودها القوي مستغلة فتنتها اللطيفة والمرحة جدًا بشفافيتها المعهودة كطائر لا يعرف كيف يحط على غصن أو يستقر في الفلا، غالبًا ما تأخذ حصتها من أي ممنوع.

 يقول لها: إن أحببت شيء، إنسان أو شجرة لا بد أن اتبيَّن موقعي منه.

 تهز رأسها له ومع نفسها تقول:

ــ كذلك أنا لا أريد أن ألقي خطوتي في أي مكان لا أعرفه.

      وإذ تبتسَّم لكلامه لم يكن يغيب عنها المعنى، لكنها تواصل الإصغاء لحديثه المتقطع، حين ينفجر بالضحك تقول له: آه كم أحب نبرة ضحكتك، أليس فيها خصوصية؟

 وبدوره يواصل الضحك حتى يطلق مع نفسه على ضحكته المتفجرة بالضحكة الماكرة، الغريب ترفض أن يلصق أي وصف أو كلمة نابية بشخصه، وكثيرًا ما وجدت فيه نموذجها المتفرد في شخصه، وبدت سعيدة في تعلقها به إنه حتمًا سيأتي حاملًا معه تلك الذخائر التي تحلم بها كل فتاة، لا تخلو من طموح مشهود له بالفرادة والتمايز، وكلما أصغت إلى سيل الكلمات المتلاحقة يداخلها الظن أنها تحيا وسط غابة من أشجار الزيتون أو وسط حلم لا يريد أن ينهي خديعته لها، اتراه يخدعها بعذوبة الكلمات؟

 ذات مرة قال لها بثقة كافية: ليس عندي غير الكلمات ذخيرتي للوقوف بوجه هذه الدنيا اللعوب!!

ترى ما الذي يقصده باللعوب؟ ألا تراه يعنيني من بين جميع من يعرف، يا إلهي، ما الذي يجري معي؟ وللحظة مارقة تذكرت نبرة صوته المتسللة إلى عقلها وقلبها وتمنت لو تسمعه ثانية وثالثة حتى تنام هادئة البال.

           لكن هي الأخرى لها نبرة صوت ملائكية تذهل الآخر، كلما أصغى إلى كلماتها تنهال في سمعه، نغمة تتبعها نغمة لتدخل الروح بدون استئذان، يظل وقع صدى الصوت المنغم يرن في داخله، كأنه يصغي إلى صوتٍ لم يتعود على رنينه، وقال يخاطب نفسه:

هذا صوت من الأصوات التي حباها الله بنعمة فائضة، من مرونة وجمال يسحر العقول والقلوب المرهفة، كان قد حدَّثها عن عشقه للموسيقى، وهي على أثر هذا العشق راحت تبحث في ما حولها عن فرصة سانحة للتعود، على صوت الموسيقى ليترك صداه في روحها الهائمة، قال لها مرة:

ما عدت اهتم بموسيقى شوبان أو موتزارت أو سواهما، صوتك حين أسمعه ينقلني إلى سماء بعيدة صافية مليئة بنسمات عذبة (تفجرت بالضحك) لكنه واصل كلامه معها:

ــ وحدك تصنعين هذا الجمال المرح، ألا تعلمين كم يمتعني صوتك؟  

        ترى هل حقًا قال لها ذلك وقد خص صوتها بكلمات لم تسمعها من قبل، أرادت رضاه وتجعله سعيدًا وهو في حيازتها، تجعله رهن إشارتها، لكنه قرر إبهارها بفيض من كلمات لم تسمعها من قبل، هو الطريق المناسب لتعلقها به، رسم خطته بإحكام للفوز بكسب ودها أولًا والخطوة التالية ستكون قد جاءت بقدميها إلى المصيدة.

 ظل تفكيرها محصورًا في مصيدته وموسيقاه، هل تقنع نفسها بأنها ضحية خدعة ليست قادرة على مقارعتها؟ لم تعد صغيرة أو في دور المراهقة بل نظرت بإمعان إلى تقاسيم جسدها البض الممتلئ برشاقته وصفاء بشرته وليونتها الممتعة للنظر، دارت حول نفسها عدة دورات وصورتها تحف بها، كم يبدو جسدًا تشع منه بركة الجمال الآسر.

 أليس هذا الذي تراه في المرأة، هو من أتى به إلى شجرتي الوارفة، يتذوق طعمها المذهل كما قال لي أكثر من مرة، ولم يقع في لعبة المقارنة بين جسدي الذي يحبه ويعشقه وبين صوتي الذي يصرعه حالما يسمعني أكلمه بأي موضوع نتطرق له، أنا تلميذته المتمردة عليه في أحيان كثيرة، أبتسم له حين أسمعه يقول لي:

ــــ كم أتعبتيني وأنا رجل أكلت عمري السنين؟

      تتصفح مجلتها المفضلة: دليلك سيدتي. تنظر إلى نفسها في المرآة الجانبية ثانية،  أغرتها صورتها وأعجبها العنق المرمري، الذي حدثها عنه أنه من الجمال بحيث لا يستطع ألا أن يتمنى ملامسته ولثمه عشرات المرات، عنق مهيأ للثم والتقبيل.

استدارت نصف دورة لترى في مرآتها كيف تجمع الجمال الذي تحمله على كتفيها، هل هي تحب نفسها كثيرًا؟ وفي إحدى المرات سألته: لماذا لم تعد تغازلني؟ ابتسم لها وكف يده الجسور لا مس الزند والعنق وضغط على الأكتاف الهشة الممتلئة ثراءً.

 مرة ثانية تساءلت مع نفسها:

ــ أي أمير أو ملك كان يعشق نفسه حين ينظر إلى صفحة الماء الصافي؟ انتبهي يا مجنونة.. الجميع يقول أول من يحسد الخير أو الجمال أهله، هل صحيح أنا أحسد نفسي؟ لكنه قال لها ذات مرة عليك أن تخشوشني، أنتِ ناعمة ورقيقة أكثر مما ينبغي، نعومة تتلاشى مع أول هبّة ريح أو إعصار.

 لعلها تدرك أنه لا يعني نعومة الجسد بل مقارعة الدنيا التي لا يكف عن تحذيرها من أفانين الدنيا الفانية، أثارتها الصورة وتعللت بالصبر الجميل، مقارعة الدنيا لأجل ماذا لا بد وحده يعرف ما يؤلمه ويؤذيه، وإذا كان يقصد ما وراء الأكمة كيف لها أن تعرف ما ينوي أن يفعله معها أو من أجلها؟

هل تراه يخدعها حين وعدها بالزيارة المرتقبة؟ ولمن تلجأ لكي يهدأ كل شيء، نهضت متثاقلة دارت في غرف البيت، كانت وحدها والعائلة لم تأتِ من أعمالها بعد، أرادت الذهاب إلى السوق الكبير، لحظتها ترددت كثيرًا، ينبغي أن يكون معي أحد، أخشى تلك الضجة والناس تزحم فضاء السوق، لكن الوقت جد مناسب للتبضع، أرادت شراء حاجيات تذكّرها به، ما يحبه وما كلمها عنه وما يرغب به.

 قالت الفرجة على ما يعرضه العطارون والبقالون والتجار وأصحاب الحوانيت الصغيرة ، وحدها تكفي لتخلق للقلب مسرة، دغدغتها الصورة الزئبقية للسوق، بضائعه والحاجيات التي تبهج النفس، ابتسمت مع نفسها، إذًا لا بد من زيارة خاطفة قبل حلول الظهيرة القائظة، ستترك ورقة لمن يأتي إلى المنزل بعد خروجها منه أي واحد من أفراد العائلة: أنا أتبضع في السوق الكبير وسآتي حالًا.

اقنعتها الورقة وابتهجت لفطنتها وتدبير أمرها، وما أجمل المصادفة لو التقيته هناك في السوق يبحث عن هدية يبتاعها لي سأقول له ما أحلاك من عاشق قلبك بسعة السوق هذا وحجمه، أكيد سيضحك وربما يقول كلمته الملازمة لنهاية كلامه معي، يا إلهي؟

        امسكت حافظة نقودها بيدها وقبضت عليها بقوة ثم ما لبثت أن اندفعت باتجاه مرماها، تحث الخطى لا تلوي على شيء وهي ترى العديد من الفتيات والنساء يتجهن الوجهة التي ترمي إليها، لم يبق من الطريق إلا أقله، فكرت من البداية أن تستقل عربة أجرة، لكن  ترددت طويلًا في قرارها حتى وجدت نفسها قد قطعت مسافة لا يُستهان بها، ابتهجت وهي ترى واجهات السوق تلوح من بعيد كأنها تلوح لها: تعالي..

 شعرت بظل طويل لولدين أو ثلاثة أولاد يترصدونها على مقربة منها، داهمها إحساس بالخشية والتردد والندم لمَّا رأت أحد الأولاد يبتسم لها بصورة لا تخلو من وعيد أو شماتة، كان أكبر منها وأطول قامة، له نظرة عميقة ركزت عليها على وجهها وقامتها، ثانية كرر ابتسامته لها، لكنها شاهدته يختفي في زاوية ما غير أن رفيقيه برزا من لا مكان ولوحا لها بيديهما وغابا أيضًا.

 لم تشغل بالها بالأمر طويلًا مع أنها أحست بضربة خاطفة وسط القلب من رؤيتها الأولاد الثلاثة، قررت تبديل طريق العودة لكي لا تسلم أمرها إلى أحد، والغريب أنها وهي وسط السوق شاهدت شابًا في عمر صاحبها يرمقها بنوع من الحنان مبتسمًا لها، أصدرت شهقة دون سيطرة منها على نفسها، هو بدمه ولحمه لا يمكن لعينيها تخطئانه، نظرته وابتسامته وتلك الالتفاتة السريعة، التي ميزته بها وهو إذ لوح بيده مصادفة إنما لوحها لأحدهم، تصر على أنها إشارة متفق عليها بينهما.

 لكن فتاها تقهقر وسط الزحام فقد أخذته موجة من البشر جعلته يختفي لحين، لكنها أصرت على متابعتها له للتأكد من وجوده وسوف تسأله: لماذا لم يأتِ كما وعدها ليلة أمس؟ وستقول له أيضًا إن كان يخدعها في لعبة المواعيد؟ أم تراه تأخر عليها لأسباب قاهرة.

 اندفعت بالاتجاه الذي توجه إليه فتاها، أصرت على أنها شاهدته وأن عينيهما التقيتا به في لحظة عابرة، لحظة خاطفة لا يمكن أن تحسبها على جريان الزمن، استاءت من عبارتها الأخيرة ( خاطفة)، لكن أين رأت هذا المشهد الغريب؟ مطاردة شاب غريب يظن أهله أنه ابنهم ولكنهم يرتدون على نحورهم لمَّا تأكد لهم أنه مجرد شبه بين ابنهم وبين الشاب الغريب.

 ضحكت مع نفسها لما تذكرت أنها قرأت عن الولد المفقود والبحث الدؤوب عنه، في كتاب لعلها تتذكر عنوانه: (عن الأولين والآخرين) لكن كاتبه ما عادت تتذكر اسمه، يا الله كيف للذاكرة أن تعمل أو تتعطل في وقت نحن بحاجة لها؟

كانت تترك وراءها الأسواق وفوضاها وتتجه نحو الدار، ظلت تحث الخُطى غير مطمئنة لخروجها في هذه الساعة من الظهيرة، لماذا لم تحسب لهذا الوقت الموحش أي حساب؟ ألم تحذرها العائلة من مغبة الخروج في وقت تخلو فيه الشوارع من المارة؟

 لا تدري لماذا لم تهدأ روحها بل ظلت تلوب من طول الطريق خائفة، مترددة، واصلت سيرها كأنها تجري مسرعة، لمحت صورة الأولاد الثلاثة، أسمتهم بالطغمة، لعلها سمعت كلمة الطغمة من أحدهم، أعجبتها التسمية الآن حيث تعيدها وتطلقها على الأولاد البلطجية وقالت أن لهم وجوها كالحة مخيفة، وجوه لصوص مستميتون لأجل السرقة، لا تدري كيف خُطفوا من أمامها مسرعين ومما زاد من مخاوفها أنهم تلاشوا، اختفوا من أمامها، أتراهم سيظهرون من شق في الأرض الصلبة هذه؟

ولبرهة عابرة تخيلتهم كيف يقتنصونها ويجندلونها بين أيديهم القوية، ترى ماذا يفعلون بالبنات اللواتي يختطفونهن، حتمًا سيلقون بها في بيت أو زريبة ليمارسوا معها فعلتهم النكراء.

 اشتد الخوف في قلبها من الصورة الدامية، لكن أين تلاشوا؟ يا الله لم أعد أراهم، هل حقًا عطفوا عليها؟ أي نكتة هذه التي تأتي على لسان فتاة بلهاء، احتضنت حاجياتها التي ابتاعتها من السوق بقوة، أسندتها إلى صدرها وهي تتلفت يمنة ويسرة بحثًا عن الأولاد المشاكسين (الطغمة)، ترى هل هذه لعبتهم يرعبون بها البنات الوحيدات اللواتي يصادفونهن في الطريق؟  إلى البيت أو المدرسة؟

 كانت مسيرتها حافلة بالشكوى والظنون، أصبح همها الوصول إلى البيت بأي صيغة كانت، ما تفكر به هو توقع لازمها منذ صباح اليوم أنها ستلقاه ينتظرها مهما طال الوقت، ترى هل سيتحقق لها ذلك؟ هل تركن حالها العسير هذا إلى توقعاتها التي طوقتها من كل صوب؟ راحت تحث الخطى قبل أن يأتي أي واحد من أفراد عائلتها ويمطرها بعشرات الأسئلة الصعبة.

تعليقات الفيس بوك
اظهر المزيد

أحمد خلف

كاتب وصحفي عراقي صدر له: العديد من الروايات منها رواية الحلم العظيم، الذئاب على الأبواب، عن الأولين والآخرين. والعديد من المجموعات القصصية منها، نزهة في شوارع مهجورة، القادم البعيد، منزل العرائس، صراخ في علبة، خريف البلدة، في ظلال المشكينو، الخراب الجميل . كما صدر له كتاب، الرواق الطويل.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى