إبداع

العائد من الموت

معظم تجارب النجاح تأتى بعد الفشل

د. القس جرجس عوض
Latest posts by د. القس جرجس عوض (see all)

الفشل أمر غير مرغوب قد يصيب البعض فى رحلة الحياة، مثل الرسوب فى الدراسة، أو فشل فى عمل أو مشروع، أو زواج، أو حتى علاقة عاطفية.

وسواء كان عدم التوفيق شخصيا أو بسبب قوة خارجية أفشلت المخططات المرجوة.. ومعظم البشر إن لم يكن الكل يتعرضون للفشل، فهو جزء من الحياة، ومعظم تجارب النجاح تأتى بعد الفشل.

لكن هناك البعض الذين يصبحون ضحايا للفشل ويصابون بالإحباط والاكتئاب بعد تجاربهم السلبية، وقد يقبل البعض منهم على الانتحار، والفرق بين من يصنعون النجاح بعد تجارب الفشل، وبين من يصنعهم الفشل، هو الإيمان والإرادة والتحدى، وينقسم الفاشلون إلى ثلاثة أقسام: الأول يفكرون ولا يعملون، والثانى يعملون ولا يفكرون، والقسم الثالث هم المحبطون، لذا علينا ان ندرك ان الفشل هو الليل الذى يليه النهار، وهو ألم المخاض قبل الولادة، المهم والاهم هو كيف نقبل التحدى ونحول الفشل إلى نجاح، فيجب ألا تقف متفرجا على فشلك تعدد جراحات الماضى، بل كن كالصخر أمام رياح الفشل، فالدموع والإحباط والكآبة لا تصنع النجاح، قال الفيلسوف سقراط « ليس سقوط المرء فشلا، إنما الفشل أن يبقى حيث سقط». فالإيمان يرفعنا والإرادة تشجعنا. لان الله لم يعطنا روح الفشل، بل روح القوة والحب والإرشاد.

علينا بالتفكير الإيجابى والعمل الجاد للخروج من أى أزمة، واحذر ان تحاول إرضاء كل الناس، لأن من هنا يأتى الفشل، ولنعلم انه كم من علماء وعظماء تم تصنيفهم من قبل الآخرين على أنهم أغبياء، ولو صدقوا قول الآخرين، ما كانوا صنعوا التاريخ. ومن أمثلة هؤلاء العظماء عميد الأدب العربى د.طه حسين، الذى تحدى ظلام الليل الذى كان يلازمه طيلة حياته، حيث فقد بصره منذ الطفولة، لكن بالإيمان والإرادة والتحدى استطاع ان ينير أذهان الآخرين، وهناك أمثلة لا حصر لها بالتاريخ، عن رجال عظماء استطاعوا أن يحولوا فشلهم إلى نجاح وكتبت أسماؤهم على جدران الزمان بأحرف من نور، أمثال أديسون ويقال إنه قدّم 99 تجربة فاشلة قبل أن يخترع المصباح الكهربائى، أيضا الكثيرون الذين لاقوا من معلميهم تنمرا بلا حدود وادعوا أنهم لا يصلحون لشىء، أمثال نيوتن ومارتن لوثر كينج ونيلسون مانديلا وآخرين.
 

ومن الأمثلة الرياضية التى شاهدناها اللاعب سيباستيان هالر، فرغم انه أصيب فى يوليو ٢٠٢٢ بالسرطان، وأجرى جراحة لإزالة ورم سرطانى من الخصية، فإنه وضع فى قلبه ان يتحدى المرض، ونجح فى القضاء عليه والعودة إلى ممارسة كرة القدم من جديد، وفى يناير 2023، عاد للملاعب وقد ارتدى حذاء مكتوبا عليه «اللعنة على السرطان» وكأنه يقول ان السرطان تحت الأقدام، لقد شن الحرب على السرطان، وكان الانتصار حليفه، ولِمَ لا، ففى مطلع العام الماضى كتب «لم يكن 2022 هو الأسهل والأفضل فى حياتى ولكنه أعدنى لقبول التحدى الأعظم الذى أتحمله الأعوام القادمة، وقد أصبح بطلا أسطوريا فى كوت ديفوار بعدما قاد منتخب بلاده إلى الفوز بكأس الأمم الإفريقية الأخيرة، حيث لقبه الجميع بالعائد من الموت. لقد استطاع هالر ان يفجر جبال السرطان وبإيمانه وإرادته حقق الانتصار.

عزيزى القارئ كن واحدا من هؤلاء الأبطال، ان الحياة مليئة بالتحديات وغالبا ما يولد النجاح من رحم الفشل. والأسوأ من الفشل هو من لا يحاول النجاح. وان سقوط الذهب على الأرض لا يفقده قيمته، فكن كالذهب وان وضع فى النار استعاد لمعانه ونقاوة معدنه، ولا تستسلم للفشل وان جاءت عليك الأحجار يوما، اجعل منها برجا يعلو فوق الأحقاد، ولا تجعل من فشلك قبرا تدفن فيه كل أحلامك، بل اجعله دافعا لالتقاط أنفاسك ومن ثم تحقق كل أهدافك، إن الفشل خطر جسيم إذا خيم على الأفراد والأسر والمجتمعات، يرهق نظام الدولة ويصيب مؤسساتها بالشلل، ولمحاربة هذا الداء اللعين يجب تكاتف كل المؤسسات الحكومية والمدنية فى التخلص من هذا الوباء عن طريق تحصين العقول ونشر منهجية التّعامل بإيجابيّة مع ظروف الحياة، والقدرة على التحكم فى انفعالاتنا بالتفكير الإيجابى، لنتعلم كيف نجد حلا لكل مشكلة نواجهها، والتدريب على ضبط النفس تجاه ما تتمّ مواجهته من تجارب ومصاعب الحياة اليومية، فهذا يقوى المناعة تجاه الفشل، ولنرفع راية،«لا للاستسلام لا للفشل» فى التعليم أو العمل أو الرياضة أو الأسرة وغيرها من مناحى الحياة، ليكن النجاح هو عنوان المشهد، المرحلة القادمة تحتاج إلى أبطال يقبلون التحدى فى كل المجالات ولنتكاتف معا لنعود إلى الحياة، وقل لا وألف لا للموت، بل الموت للفشل.

نقلًا عن الأهرام

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى