إبداع

«العزيزة» وثيقة تاريخية بمنهج أدبي

الروائي العراقي «راسم ألحديثي» استطاع توظيف المكان في الرواية

كامل الدليمي
Latest posts by كامل الدليمي (see all)

الرواية العراقية تعددت مناهجها خلال العقدين الأخيرين بحكم تراكمات سياسية واقتصادية واجتماعية ونفسية حفرت في مخيلة الروائي لينتج أعمالًا مغايرة بحكم الأحداث الجسام التي تمر على العراق في ظل احتلالين (الأمريكي وحكم الذيول والتابعين).

وكلا الاحتلالين بغيض استنهض همة الأدباء للاشتغال في منطقة ساخنة تتوزع على مجريين الأول تدويني يقترب من كتابة التاريخ بطريقة أدبية ممزوجة بشيء من المخيال وفقًا لثقافة الأديب ومساحة اطلاعه على مجريات الأحداث .

ومن المفيد التنبيه إلى أن «راسم ألحديثي» الروائي قد استفاد كثيرًا من توظيف المكان في روايته «العزيزة» لتشكل صرخة بوجه أدوات الاحتلال الأمريكي من المنظمات الإرهابية المدعومة والموجهة منه لتساعد في تفكيك العرى الاجتماعية السائدة وتصنع تعقيدات جديدة على الحياة العامة الغاية منها النيل من تماسك المجتمع .

لذا فإن ظهور كتابات مقاومة لهذا السيل الجارف من اللا معقول يعد أمرًا طبيعيًا تمارسه المجتمعات الحية الرافضة والعارضة والمقاومة لما يسيء للحياة العامة.

 

العزيزة وأدب المقاومة

تذكرني رواية «العزيزة» بكتابات غسان كنفاني عام 1966م التي شكلت مفتاحًا لنوع من الخطاب أطلق عليه «أدب المقاومة»  وشاعت هذه الكتابات منذ عام 1948 ــ 1966 ويقول غسان كنفاني في مقدمة كتابه (المقاومة والحرب في الرواية العربية) الذي يُعد الوثيقة في تاريخ الأدب العربي المعاصر، إن شعورًا بمثل هذه الضرورة وفي هذا الوقت بالذات كان لا بد له من التصدي لدراسة  الخطاب الأدبي المقاوم.

هنا يجدر طرح السؤال، ما هي الصيغ والأساليب التي يمكن إيصال الفكرة إلى القارئ روائيًا عن الحرب أو الاحتلال وما يرافق الاحتلال من اختلالات في الموازين الاجتماعية والاقتصادية وحجم الأزمات والكوارث التي تسهم في تغيير سلوكيات الفرد وبالتالي المجتمع؟

ونحن بصدد قراءة رواية «العزيزة» للروائي العراقي «راسم ألحديثي» التي أنظر لمضمونها أنها وثيقة تاريخية تفضح الاحتلال الأمريكي من جهة وتؤشر من جهة ثانية إلى الفراغ الاجتماعي الذي استغلته مجاميع إرهابية تعمل أصلًا لتدعيم وجود الاحتلال، وتسلط الضوء على وجهه القبيح من خلال النظرة البراغماتية الميكافيلية التي ينتهجها لتحقيق أهدافه في استعمال القوة الغاشمة لتركيع الشعوب والهيمنة على مقدراتها.

وقد حاول هذا النمط من السرد الروائي  فضح ما يجري في الواقع العراقي من تدمير وتحزب طائش وتخريب طال كل شيء بسبب الاحتلال الغاشم وما رافقه من مستجدات سلبية ، بما في ذلك تخريب الإنسان وإخضاعه إلى مستوى من اليأس لا قبل للعراقيين به على مر تاريخهم.

 

رصد الواقع وشهادة الكاتب على العصر

والملاحظ أن الرواية ومنذ المستهل اتخذت التدوين التاريخي كأحد الأساليب الروائية التي تقحم الروائي في بعض الأحيان في متابعة الحدث بشكل تسجيلي يخلو في بعض جوانبه من المخيال الذي يعد ضرورة لا بد من تلمسها في ثنايا السرد.

عمل «ألحديثي» في رواية «العزيزة» كمراقب خارجي مع أن أحداث الرواية تدور في مدينة حديثة ذلك المعقل الوطني الذي بقي عصيًا على الاحتلال والمجاميع الإرهابية التي نتجت عنه بعد سنة 2003، أي أن الرائي هو راء خارجي قدم خلاصة رؤيته لحدث بعينه واستبصر الحال الجديدة التي أقل ما يمكن القول عنها بأنها بطولات وملاحم سطرها أبطال الرواية التي نستعرض في الصفحات التالية دورها في تخليق وصناعة المواقف الإنسانية.

وهنا يمكن القول أن للروائي الخيار الكامل لأنه يحمل شهادة على العصر الذي عاشه أو الحادثة التي وضعت من أجلها الرواية.

(محمود، رجل الدين، المرأة، الجن …) كلها مفاتيح للرواية تذكرني بأول مسعى اختطه الروائي العربي الكبير «نجيب محفوظ»،  والذي عرف فيما بعد  بالتجريب الذي عنى تجاوز تقاليد السرد الروائي السابقة، الواقعيّة، في ثلاثيّته أواخر النصف الأول من القرن العشرين، والتي اتسمت بضرورة التجريب استنادًا لمتطلبات الموقف السردي إذا صح التعبير.

كشف الروائي للوهلة الأولى عن زيف البعد الديني وإيغاله في الخرافة وما جاء على لسان (شيخ قدوري) من خلال مداخلته حول (المس الجنوني الذي أصاب المسكينة)، بحيث أخرج عن مستوى التأثير من البداية لم تكن ثيابها المخرقة هي مدخل للشيطان كما جاء على لسان زوجها، بأن الموضع تعلق بشيء آخر تسبب في خرقه ينظر ص7-8.

 

العلاقة بين التاريخ والرواية

ثمة أمر آخر قصد الروائي التركيز عليه في المستهل وهو حقيقة تجسدت على أرض الواقع من خلال صمود المدينة بوجه (داعش) تلك المنظمة الإرهابية التي تجاوز فعلها الشائن أفعال اسوأ المنظمات الإرهابية على وجه الأرض، نعم (محمود) هو أحد أبطال مدينة حديثة ذات النسيج الاجتماعي المعروف بالحرص على القيم الاجتماعية ولو كلف ذلك الحياة . ينظر / ص8-9.

إن العلاقة بين التاريخ والرواية علاقة تبادلية في رواية «العزيزة» كما وجدنا تجسيد ذلك من خلال بعض الجمل التسجيلية التي تروي حادثة بعينها وتركز على البعد القيمي السياسي أو الاجتماعي لها، نظرًا ولأن الرواية التاريخية عبّرت عن وجدان المجتمع من الداخل تجاه محنة الحرب على نحو مباشر أو غير مباشر، والأمثلة على تلك الروايات كثيرة  أكثر من تناولها بالبحث أمين معلوف وعفيف دمشقية اللذين ركّزا إشكالية الحرب في الرواية العربية والتداخل بين تقنيات الرواية والبعد التسجيلي للأحداث.

ومع كل ذلك أقول: أن الرواية، أكثر الفنون تعبيرًا عن الإنسان، واللحظات المأساوية التى قد يمر بها الشخص، ويعد وسيلة للتوثيق وتسجيل الأحداث بما يوازي تأثير الصورة الحقيقية، وما زال الأدب وسيلة تعبير صادقة عن تفصيلات الحرب الدقيقة، حتى أنه سلاح بعض الجنود للتعبير عن مأساة الحرب، وهذا ما تجلى لنا في نتاجات أدباء الحربين العالميتين من آثار أدبية وخصوصًا الروايات التي جسدت ويلات الحرب وأرخت لمواقف لولا الرواية لبقيت في الظل.

مثال ذلك رواية (جوني حمل سلاحه) للكاتب الأمريكي دالتون ترامبو، صدرت عام 1939، والتي كشفت صفحات مأساوية للحرب. كذلك هو مضمون «العزيزة» التي فضحت ممارسات القوى الساندة للاحتلال الأمريكي للعراق وهل (داعش) إلا فصيل من فصائل الاحتلال وصفحة مأساوية من صفحات تحطيم بنية الحياة الاجتماعية في العراق؟

 

يقترب الوصف الروائي من أخبار الصحف

يؤرخ الروائي لرحلة شاقة من مدينة حديثة باتجاه الأمان أينما كان في بغداد أو أي مدينة أخرى تشهد استقرارًا نسبيًا في ظل فوضى الموت المتوزعة على أرجاء البلاد، فمحمود ورجل الدين والمرأة منتفخة البطن والأطفال جميعا باتجاه المجهول في قاعدة (عين الأسد) أحد مقرات قوات الاحتلال وبؤرة الكائنات الجرثومية المسماة (داعش).

يصف الروائي قائلًا: «طائرة تطير وأخرى تحط، انفجارات هنا وهناك، إطلاقات بعيدة وغيرها قريبة، من يسلك طريق حديثة – بغداد اليوم؟ طريق الموت (درب الصد ما رد) دكاكين فارغة فتحت أبوابها عنوة، بيوت مهجورة، طريق مزروع بحفر الموت، جنود مسّمرون قلقون، نحن في أواسط تموز 2015م، الشمس تحرق الأرض، مر على هذا اليوم ثلاثة عشر عامًا من احتلال بغداد ، ونحن بانتظار الأمن والديمقراطية المزعومة» ص23.

ويقترب هذا الوصف الروائي كثيرًا من الأخبار التي تناقلتها الصحف في حينها والتي تبشِّر بداعش الأمريكي ولنطلع على هذا الخبر في البوست واشنطن: «أن طيران قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لم يقدم الدعم المطلوب بحيث يرجح كفة القوات العراقية على كفة داعش».

وظل أهالي الرمادي نحو عام يدافعون عن مركز المحافظة ضد داعش وهجماتها وانتحارييها، يستنجدون بالعشائر، ويتسولون السلاح، ليتمكنوا من الاستمرار في المواجهة، لكن المعركة في نهاية المطاف حُسمت لغير صالحهم بسبب اختلال موازين القوى. وقامت داعش بعد استيلائها على الرمادي بتدمير مباني الحكومة الأساسية، الأمر الذي اضطر السكان المدنيين، ولا سيما النساء والشيوخ والأطفال إلى هجرة جماعية هربًا من انتقامها، ويقدر عدد  الذين تركوا منازلهم بنحو 200 ألف شخص بحثًا عن الأمان، حسب تقدير المفوضية العليا لحقوق الإنسان.

 

صورة دقيقة لمعاناة الإنسان العراقي

ويعاني النازح من ظروف قاسية بسبب الإجراءات الأمنية المشددة التي أدت إلى اكتظاظهم عند مشارف العاصمة بغداد، وذلك بسبب مطالبتهم بإيجاد كفيل شخصي لهم، بزعم الخوف من تسلل بعض العناصر الإرهابية من تنظيم داعش أو غيره. لقد سبب وقوع مركز محافظة الأنبار بيد داعش صدمة جديدة، بخصوص قدرة الجيش العراقي وفاعليته، ناهيك عن تماسكه وعقيدته العسكرية، وهو أمر طالما شكك به الأميركيون.

ما أقرب الشبه بين الصورتين الأولى ما تناولته الصحف حول المهجرين ومعاناتهم وبين ما أورده «راسم ألحديثي» في روايته «العزيزة» التي مثلت صورة دقيقة بلا رتوش لمعاناة الإنسان العراقي ورحلة البحث عن الأمان وطريق «حديثة الصمود – والعاصمة بغداد»، هو مجازفة كبرى فليس الخطر الوحيد داعش بل أن جسر الرذيلة نحو بغداد فرضت الحكومة شرط وجود كفيل لدخول النازحين إلى العاصمة وهذا ما دونته الرواية كوصمة عار في جبين السلطة وكيفية تعاملها مع أبناء المدن المبتلاة بداعش.

وصورة أكثر قتامة للظلم والقسوة هي قضية (الغريري) ومقتل أربعة من أفراد الأسرة من قِبل القوات الأمريكية الغازية .

 

البعد الدرامي لرواية «العزيزة»

أن البعد الدرامي وبناءه في رواية «العزيزة» كان يشبه الحلم؛ ذلك لأنها تبتعد عن التأمل، أو الانفعال، أو الترجيع الذاتي. وتتجه نحو حوارية تاريخية شخوصها قيد الحياة وفي خضم الصراع يمثلان الواقع، والتمثيل الواقعي للشخصيات في الرواية منحها زخمًا كبيرًا لما تضمنته من الصراعات الداخلية والخارجية، وشكلت ضمانة لمراهنة الروائي على (زمكانية) حقيقية، وليست مفترضة ورؤيا واضحة نفذت إلى معنى المعنى، مبتعدة عن المتخيل السردي الذي قد لا يكون له التأثير الكبير على عملية (التلقي) وقد سعى «ألحديثي» إلى تقديم رؤيا محملة بخطاب يتجاور فيه الخطاب العلمي مع الإنساني الطافح بالمشاعر الإنسانية، ومثل خطاب الرواية صفعة سياسية واجتماعية بل ونفسية معًا.

إن اللحظة التي تبلغ فيها الحركة ذروتها في الرواية تتمثل في بلوغ (محمود) ورفاقه حافة النجاة وحجم المعاناة التي رافقتهم بدءًا من نقطة الانطلاق وصولا إلى حافة الأمن، وقد مثلت الأحداث حركة فيزيائية انفعالية لمتلقي الحدث، الأمر الذي جعل من الرواية على إيجازها وعدم احتوائها على يصطلح على تسميته (الفائض السردي) وفي الرواية مفارقة لفظية والمفارقة اللفظية Verbal Irony تعبير يخفي معنى يستهدفه الروائي، ولكنه يختلف عن المعنى الخارجي.

 

عنصر الزمن بطل مضاد في الرواية

إن (محمود) شخصية أساسية في الرواية، ويمكن أن نرى أن الزمن في الرواية كان بطلًا مضادًا، وهو الأمر الذي يرفع وتيرة الحدث الدرامي في الرواية، ويدخل المتلقي في حال دهشة تلقٍّ. فلم يتوقع أن تأتي المفارقة الدرامية بصورة أن الزمن سيوصل الأفراد النازحين إلى مرحلة الشعور بالغربة عن الوطن من خلال إشكالية (الكفيل) على مشارف العاصمة.

الخطاب الروائي وخصوصًا الذي تضمنته حوارات (محمود) كان يدخل النسق الظاهر في علاقة ضدية مع النسق المضمر. فالذي يَظهر قبول بفعل الزمن. والإظهار بقبول ضغط الزمن يعني صراعًا داخليًا يؤدي إلى الرضوخ، وهذا تمامًا ما وقع تحت تأثيره محمود. وما يظهر قبولًا واستسلامًا أمام فعل الزمن، يضمر صراعًا داخليًا بين الواقع والمستقبل، الحقيقة والحلم، الممكن والمستحيل. وينسحب هذا الأمر على مكان زمن الحدث، انطلاقًا من قرار محمود الهجرة الى حافة الأمن. والرواية مؤثرة بل (وثيقة تاريخية) بمنهج أدبي رصين.

تعليقات الفيس بوك
اظهر المزيد

كامل الدليمي

كاتب ومفكر وناقد عراقي صدر عنه -عقلنة الجنون-المراه العربية بين التحلل والتحرر-خلخال الوقت-تهافت الادب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى