إبداع

القراءة مدرسة لا يتخرج منها الإنسان ما دام حيًا

مثل كثيرين من أبناء جيلي، كان من الطبيعي أن تمر رحلة المطالعة في فترة الصبا والمراهقة

Advertisements
Latest posts by خالد الحلي (see all)

كان يشدني وأنا طفل صغير مرأى والدي، وهو يقرأ صفحات من مجلة «المختار» أو من سلسلة «اقرأ» التي كانت تصدر عن دار المعارف في القاهرة، أو من إصدارات «كتابي» لحلمي مراد.

وبعد أن أصبحت في السادس الابتدائي، كنت أقف مبهورًا أمام خزانة كتب يمتلكها شقيقي الأكبر مؤيد، أغلب محتوياتها باللغة الإنجليزية، وبينها مجموعة كتب عربية، منها «هؤلاء علموني» لسلامة موسى و«لمحات من تاريخ العالم» لجواهر لال نهرو و«من هنا نبدأ» لخالد محمد خالد و«قصة الإنسان» لجورج حنا، وقد شدني الكتابان الأولان أكثر من غيرهما، ولكنه لم يكن يسمح لي بالاقتراب منها أو تصفحها، بدعوى أنها عسيرة القراءة والفهم علي، وأن قراءة مجلتي «السندباد» و«سمير» كافية جدا بالنسبة لي.

مع بداية التفتح على آفاق القراءة، كنت حريصًا على متابعة مجلات أدبية مثل «الآداب» للدكتور سهيل إدريس، و«الأديب» لألبير أديب، و«المعارف» التي كانت تصدر عن دار الحياة في بيروت، و«الأفق الجديد» التي كان يصدرها في القدس الشاعر أمين شنار وغيرها.

وفي هذه الأجواء، وجدت أن الوقت قد أصبح مناسبًا لفك الحصار الذي فرضه علي شقيقي، فسمح لي بقراءة كتاب سلامة موسى، الذي وجدت أنه قد تحدث فيه عن عشرين شخصية، كان لها حضور إنساني متميز على أصعدة علمية أو فكرية أو ثقافية أو سياسية. ومن هذه الشخصيات سارتر وغاندي وغوركي وتولستوي وفرويد وديستوفيسكي ونيتشة وداروين وجوته وفولتير.

أما بالنسبة لكتاب نهرو «لمحات من تاريخ العالم»، فلم أجد نفسي ميالًا لقراءته، لأنه كان 530 صفحة من الحجم الكبير، ولكنني قرأت فيما بعد أنه كتاب تاريخي جامع حتى أواخر ثلاثينات القرن المنصرم، وأنه كان بمثابة رسائل وجهها من السجن لابنته أنديرا التي حملت لقب غاندي بعد زواجها من فيروز غاندي (لا تربطه قرابة بالمهاتما غاندي).

ومثل كثيرين من أبناء جيلي، كان من الطبيعي أن تمر رحلة المطالعة في فترة الصبا والمراهقة، بكتب مثل «آلام فيرتر» لجوته، وبعض ما هو معروف من كتب جبران خليل جبران ومي زيادة ومصطفى لطفي المنفلوطي ومصطفى صادق الرافعي.

إن المطالعة مدرسة يدخلها الإنسان بعد أن يعرف كيف يقرأ، ولا يمكن له أن يتخرج منها مادام حيا، لأنها تقدم له دروسا جديدة في كل رحلة معها، ناهضة به وبطبيعة قراءاته.

في بداية الستينات تعرفت على سلسلة «تراث الإنسانية» الشهرية التي كانت تصدر في القاهرة، وتتناول بالتعريف والبحث والتحليل روائع الكتب التي أثرت في الحضارة الإنسانية. وقد نقلتني هذه السلسلة في رحلات جميلة، مع مجموعة مهمة من كتب التراث العربي والعالمي مثل «الإمتاع والمؤانسة» لأبي حيان التوحيدي و«الفتوحات المكية» لمحيي الدين بن عربي و«الإلياذة» لهوميروس و«الأمير» لميكافيلي وغيرها.

لقد كنت مثل كثيرين، أقرأ كتابًا ما نتيجة قراءة موضوع ما عنه. وعندما كنت في الـ16 من عمري حفزني مقال للشاعر والباحث الراحل زهير أحمد القيسي إلى قراءة رواية (الساعة الخامسة والعشرون) للأديب الروماني كونستانتان جيورجيو، فوجدت فيها صورًا شديدة الإيلام عن الحروب والسجون والتعذيب، ومرارة الحزن البشري عندما لا يطاق احتماله تمامًا.

هنالك كتب تحن النفس إلى قراءتها ثانية، منها كتاب «ألف ليلة وليلة»، الذي أعود إليه أحيانًا، والذي قرأت عنه كتابًا رائعًا للدكتورة سهير القلماوي، كان في الأصل رسالة دكتوراه أعدتها بإشراف الدكتور طه حسين، الذي وصفها بأنها «رسالة بارعة من رسائل الدكتوراه التي ميزتها كلية الآداب في جامعة القاهرة»، كما قرأت عنه كتاب «ألف ليلة وليلة في الغرب» للدكتور محسن جاسم الموسوي، وكتاب «الموسيقى والغناء في ألف ليلة» تأليف الدكتور هنري فارمر وترجمة الدكتور حسين نصار.

«الشرق الأوسط»

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى