إبداع

الكنز الخفي

تلك الآيات نِعَمٌ للإنسان الذي يظلم نفسه بعدم الانتفاع بها

د. عبد الراضي رضوان
Latest posts by د. عبد الراضي رضوان (see all)

الوقت من أشرف المخلوقات وأثمنها وأشدّها بأساً.

فلأنه شريف فقد أقسم الله تعالى به بأسمائه المختلفة وبمراحله الباكرة والوسطى والمتأخرة، فأقسم تعالى بالفجر، والضحى، والعصر، والليل، وأقسم ببعض الحِقَب مثل حياة النبي صلى الله عليه وسلم: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) (الحجر: 72).

وذكر القرآن أسماءه وفتراته: الدهر، الحين، الآن، اليوم، السنة، الشهر، الحول، الأجل، الأمد.

والوقت من أنفس الأشياء لأنه عُمر الإنسان وبُعْدُه الرابع (الجسدي، العقلي، الروحي، الزمني) الذي ينقضي بانقضائه، فإذا ذهب يومٌ كما يقول الحسن البصري ذهب بعض الإنسان وإذا ذهب البعض يُوشك الكل أن يذهب.

والوقت نفيس لأنه مَجْمع للآيات الربانية: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ۖ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا) (الإسراء: 12).

وتلك الآيات نِعَمٌ للإنسان الذي يظلم نفسه بعدم الانتفاع بها أو حُسن استثمارها كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ) ؛ لأن نعمة الوقت سبب لابتغاء الفضل وطلب العلم وتحصيل الرزق وإعمار الأرض، ووسيلة للمعرفة التاريخية والحساب الزمنى اللازم لتصريف الأمور والمعاملات.

كما أنها وسيلة مباشرة لعبادة الله ذِكْراً وشكرا: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ) (الفرقان: 62).
ولا تتوقف وجوه نفاسة الوقت وقيمته عند حدود التنبيه عليها من جانب أهل الفكر وأهل الذِكْر من الحكماء والعارفين الذين جعلوه سيفا (إما أن تقطعه وإما أن يقطعك) وقرنوه بالنفس إما أن تشغلها بالحق وإلا شغلَتْك بالباطل.

والتنبيه كذلك من خطورة سهولة التفريط فيه:
والوقتُ أَنْفَسُ ما عُنيتَ بحفظه..
وأراه أسهلَ ما عليكَ يضيعُ.
بل النذير الأكبر على نفاسة الوقت وقيمته يأتي من كونه أسرع الأشياء حساباً عنه وعليه: (لن تزول قَدَما عبْدٍ حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه).

ومسؤولية الإنسان عن الوقت وإدارته لا ترتبط خطورتها به وحده من خلال حسابه عليها ثوابا أو عقابا لكنها ترتبط كذلك بالمجتمع ، فلا يمكن لأمة تبدد أوقاتها أن تتمكن من صناعة تاريخها وحضارتها وتحقيق تقدُّمها؛ لذلك يجب المطالبة بالحَجْر على السفهاء الذين يبددون الأوقات فهم أخطر على المجتمع ممن يبددون الثروات لأن الثروات يمكن استعادتها وتعويضها بينما الوقت المُهْدَر لا يمكن استبداله أو تعويضه أو استعادته أو إيقافه.

وتلك الحقيقة من حقائق الزمن اليقينية تتلازم مع يقينية الموت الذي هو نهاية الوقت والتاريخ والزمن للميت، وتتجلّى له عندها كل الحقائق التي غفل عنها.

فرغم أن الإنسان على يقين تام بحقيقة الموت فإنه يتجاهل الاستجابة لذلك النذير اليقيني الحدّي في صراعه من الوقت، ولا ينتبه إلا بعد فواته عند ساعتين من الساعات الجليلة في تحديد مصيره:
الأولى ..
ساعة الموت عندما يستدبر الدنيا ويستقبل الآخرة فيتضرع راجياً مهلة من الوقت لإصلاح ما فسد وتدارك ما فات فيُصدَم بالرفض وعدم الاستجابة: (وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ) (المنافقون: 10)

الثانية..
ساعة الحساب حيث تُوفّى كل نفس ما عملت وتُجزى بما كَسَبتْ فيدخل المحسنون الجنة ويُلقى بالمسيئين إلى جهنم عندها : (وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ۚ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ۖ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ) (فاطر: 37).

وربما لا يكون هناك أكثر خداعاً من الوقت في شدة تفلُّته بدون أن يشعر المرء فتمرُّ سنوات العمر مَرّ السحاب وكأنها في ظنه ثواني معدودة عندما يُحاسب عليه: (قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (113) (المؤمنون).

لكن السؤال الوجودي الذي يشغل العقلاء والحكماء:
ألا يمكن للإنسان الانتصار في معركة الوقت والصراع مع الزمن؟
وإن كان الانتصار ممكنا فما وسائل تحقيقه؟

والحقيقة المذهلة أن الجواب بالإيجاب والانتصار في المعركة ضد الزمن. أما الوسائل فمتعددة بعضها ذاتي نفسي وبعضها خارجي مجتمعي..
أولها..
محاسبة النفس على الأعمال والأفكار والأفعال والأقوال ونهيها عن الهوى والغي.
الثاني ..
توطين النفس على المعالي:
إنما المرء حيث يجعل نفسه
فكن طالبًا في الناس أعلى المراتب.
فيبتعد الإنسان عن سفاسف الأمور والمفاسد ومساوئ الأخلاق كالأكاذيب ونكران الجميل والخداع والشرور يتخلص من أمراض القلوب التي تمنعه من فضائل الأعمال والأقوال وصالح النوايا.
الثالث ..
الصُّحبة الصالحة المعينة على الطيبات.
الرابع ..
تهديد النفس دائمًا بسيف الموت ونذيره ولذلك كان بعض الصالحين يذهب إلى قبره فينام فيه كل أسبوع مرة.
الخامس..
طلب العلم لإدراك قيمة الوقت وشغل النفس به.
السادس ..
إتقان عمله الذي يقوم به سواء أكان من العبادت أو المعاملات أو الاعتقادات أو المعيشيات.
السابع ..
حسن التنظيم والتقسيم وإدارة الوقت، فقِسْم للنفس وقسم للأهل وقسم للرب: (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ (7) وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب (8)) (الشرح).

وبذلك نكون قد أفلحنا في معركتنا لأجل الانتفاع بالكنز الخفي والحفاظ عليه كي لا نكون من الذين يعضون أصابع الندم بخسارتهم هذا الكنز أو ضياعه من أيديهم وهم لا يشعرون.

«بوابة يوتوبيا»

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى