إبداع

اللعبة التدوينية بين الحكاية والحدث في «سارق الغنم»

قراءة نقدية في المجموعة القصصية الصادرة عن دار النخبة للأديب العراقي حسن الموسوي

علي لفتة سعيد
Latest posts by علي لفتة سعيد (see all)

في (سارق الغنم) يعمل القاص حسن الموسوي على اتّباع اللعبة التراتبية المتتالية مع الحدث. فهو يضع أدواته الإنتاجية بهدوءٍ ويعطي الرؤية الكليّة لفكرة القصة لتبيان الحدث المركزي، على اعتبار أن القصة القصيرة تكون أقرب للفكرة من الحكاية، كونها هي التي تفضي الى ملامح الحكاية، وبالتالي هي التي توصل إلى المستوى التأويلي.

في مجموعة (سارق الغنم) ثمة انحياز إلى المستوى الإخباري بطريقة من يفرش بساطه ليضع كلّ ما يتعلق بالفكرة لصياغة الحكاية. فما يأتي بعد العنوان هو الذي يحرّك الأدوات. فقد جعله القاص نقطة الارتكاز الثانية لأن المتلقّي دخل الى النقطة الأولى عبر العنوان الذي كان هو أيضًا يتّخذ من المستوى الإخباري مادّة رئيسية (تجارة رخيصة/ظلم القدر/اجتماع/ سارق الغنم / أمان ضائعة/ يا أمي .. سأحفظ وديعتك “بجزئين”…..)، وهناك أكثر من قصة بجزئين وهو يبدأ أولى قصصه باعتبارها الجزء الثاني (اختبار في المزرعة الجزء الثاني) ليبقى المتلقّي يبحث عن الجزء الأول.

ولأن هذا الأمر (تكتيكي)، فإن القاص لا يريد أن تكون للعنوان مرآة واضحة، بل أراده أن يبقى في مستواه الدلالي الذي يمكن أن يمنح (اعتيادية ) اللفظ قوّته الاعتبارية. ولهذا فإن القصص في أغلبها سواء تلك التي دوّنت بطريقة المتكلّم أو المخاطب أو الغائب فإنها تتّخذ ذات الماكينة الإنتاجية من خلال عدد من الخطوات:

الخطوة الأولى: إن العنوان ليس بوابة المدينة القصصية، بل هي العلامة الأولى لماهية الحكاية وجاءت في أغلبها مضاف ومضاف إليه ليعطي أرجحية لما سيأتي أكثر من الانتباه لقوة العنوان.

الخطوة الثانية : إن الاستهلال هو الرافعة الأولى لما يمكن أن يعطي مفعول الحكاية للدخول في معترك الفكرة التي تبغي القصة من خلالها طرحها.

الخطوة الثالثة: إن المتن هو الشارح الضامن لماهية الربط بين شبكة العلاقات التي تحتويها القصة الواحدة من أجل إبراز المعنى الدال على المدلول.

ولهذا فإن هذه الخاصية تحتاج الى أن تكون عملية الاسترسال هي الميزان الذي يمكن من خلالها معرفة جملة النص وهو ما جعل المستوى الإخباري يأخذ أغلب المستويات الأخرى بين جناحيه وهو ما يجعل الأمر وكأن الحكي هو المسيطر ما بين الراوي والمروي له من جهة، والراوي والقاص/ المنتج من جهةٍ أخرى.

وهذه الطريقة أخذت أكثر من سببٍ لطرح إشكالية العقدة القصصية:

السبب الأول: إنه أراد أن يعطي مفهوم المخاطب المباشر دلالة وجوده، باعتباره المسؤول عن توضيح الأجزاء الأخرى من القصة: «كنت أمامهم شخصًا آخر، شخص مليء بالشجاعة والعزيمة تصفحت في تلك الوجوه التي كانت تنتظر قراري، أطبق السكون على المكان، نظرت إلى الفتاة مليًّا، أخذ شيطاني يوسوس لي ويغويني) ص 11.

السبب الثاني: إنه أراد تكييف الواقع الخارجي مع الداخلي من خلال منح المستوى الإخباري ليكون مسؤولًا عن تقشير الفكرة ومنحها عامل الصراع والعنصر الدرامي: «قال الحاج عبد الحميد ان المشروع عبارة عن بناء جامع عصري وكبير بدلًا من الجامع القديم لأنه سمع شخصيًا ومن شيخ الجامع بضرورة تهديم هذا الجامع المتهالك وبناء جامع حديث» ص 77.

السبب الثالث: إنه أراد من اتخاذ هكذا شكل أن يعطي تصاعدًا للحدث عبر استخدام عملية كسر أفق التوقّع والاسترسال المباشر من خلال الانتقال بالحدث من موقع إلى آخر: «كان ذلك منذ أكثر من عشرين عاما، حين كانت تمر من أمام بيتنا وهي في طريقها إلى ثانوية الهدى للبنات في مدينة الكرادة وهي تنظر لي وتتمايل أمامي كأنها غصن البان» ص 87.

السبب الرابع: إنه أراد أن يجعل من الموضوعة منطقة صراعٍ داخل بؤرةٍ أراد توسيعها لتأخذ أكثر من جانبٍ عبر التركيز على المنطقة التي تتحوّل إلى بؤرة الصراع الدال على فهم العنوان وفهم المستوى القصدي: «ولم ينس أن يحدثهم عن مطاردته اللصوص الذين يغيرون كل ليلة على قريتهم وكيف استطاع في إحدى ليالي الشتاء الشديدة البرودة من أن يأسر زعيم اللصوص وإحضاره إلى القرية وسط تصفيق الأهالي له» ص 58.

السبب الرابع: إنه أراد أن يجعل من الحوار هو المستوى القصدي ليس لكونه صوت الشخصيات فحسيبي بل لأنه غاية من غايات الصراع وتفكيك أواصر الفكرة وتوزيعها على المتن: «ما سبب وجودك هنا تصفح في وجهها والحسرة تملأ قلبه،
ازدرد ريقه، استمطر ذكرياته وبصوت واهن قال:
– أمنيتي الأخيرة قبل أن أموت هو ان اعرف لماذا انا هنا» ص 50.

إن اللعبة التدوينية التي اتّخذها القاص هي أن تكون هناك مجموعة من العلامات ومن أهمها أن تكون في كلّ قصة دروس وعبر وعظية باعتبار أن الفكرة تأخذ السياق من أجل الاستدلال على ما موجود من صراع، ولهذا يتجّه في الكثير من الأحيان إلى وضع المستوى التحليلي قبالة المستويات الأخرى، وأهمها المستوى القصدي. فتبرز قوة العبر والوعظيات في جنبات النص وفكرته وغاياته: «فأعظم جهاد هو أن تجبر نفسك على أن تتعايش مع وجوه ملونة وجوه أدمنت ارتداء الأقنعة ليحيلوا حياتنا إلى حفلة تنكرية ما زالت فصولها تروي لنا قصصًا مشبعة بالعفن حتى بعد أن أسدل الستار على فصولها المليئة بالخداع والمراوغة» ص 94.

ولهذا نجد أن أسلوب اللعبة يتبع الفكرة والفكرة تتبع الشخصيات، لكي تكون بصيغة المتكلّم أو الغائب أو المخاطب وهو ما جعل حالة الاستطالة في التدوين تأخذ خاصيتها الواضحة، من أجل ألّا يترك شيئًا دون أن يكون له توضيح، وهو ما جعل حتى الجانب النفسي أن تبرز من خلاله صيغة الأسئلة التي تأخذ أكثر من سببٍ، أولّها أنها أسئلة الضمير للراوي، وثانيها إنها أسئلة استكشاف الحالة النفسية للراوي نفسه «هل انا معتوه كما وصفني صديقي؟ هل أنا مريض كما أشارت الطاولة؟» ص 11.

إن واحدة من أهم خطوات اللعبة هي اعتمادها على لغةٍ هادئةٍ وإخباريةٍ يتداخل معها المستوى التصويري الواصفة للحالة النفسية أكثر منها الحالة الداخلية للشخصيات من أجل أن يعطي العقدة القصصية منطقتها المرئية للمتلقّي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى