حول العالم

«المتاهات» أطول عمل أدبي عربي

رصد تحولات النفس البشرية وظهور عقدها وبعض المتلازمات النفسية

Advertisements

المتاهات، كما أعلن كاتبها الدكتور برهان شاوي، في أكثر من لقاء صحافي وتلفزيوني، هي تناص معكوس لـ«جحيم» الشاعر الإيطالي دانتي أليغيري، تبدأ من «متاهة آدم» وتنتهي بـ«متاهة العدم العظيم» مرورا بـ«متاهة حواء»، «متاهة قابيل»، «متاهة الأشباح»، «متاهة إبليس»، «متاهة الأرواح المنسية»، و«متاهة العميان»، «متاهة الأنبياء».

رصدت «المتاهات» تحولات النفس البشرية وظهور عقدها وبعض المتلازمات النفسية كعقدة أوديب، ومتلازمة ستوكهولم، المشاعر السادية، أو المازوشية، معتمدة على أساليب التحليل النفسي والاعترافات على لسان أبطالها من الأوادم والحواءات. بحيث نجد في المتاهات نقاطاً منها:

تحولات النفس البشرية في المتاهات

  1. البوح على لسان أبطالها: فعشرات الأوادم والحواءات، ((304) حواء وآدم – 119 حواء) قد يكونون خليطًا من شخصيات واقعية وأخرى من صنع خيال الكاتب، يبوحون بمختلف الاعترافات عن حياتهم كطريقة الاعتراف المسيحي أو التحليل النفسي للتخفيف عن أزماتهم وعقدهم.

 

  1. قد تجد نفسك على لسان أحد الأبطال أو البطلات أو في كل شخصية منهم. هناك تشابه بينك وبينهم. نعم الجواب وببساطة انها النفس الإنسانية التي تقودها الرغبة والشهوة الجنسية.

 

  1. الأمر المرتكز عند أبطال المتاهات هو أنّ الرغبة والشهوة هما المحركان لهم، فهم عميان تقودهم الرغبة الى حيث مصائرهم النهائية، كالذي حدث مع آدم الشبيبي ومع حواء ذي النورين وآدم زاباتو وإيفا مادهوري الهندية المسلمة وغيرهم.

 

  1. حركة البندول الموجودة في كل فرد من أفراد العالم، أي في كل نفس بشرية هي الرؤية المركزية في فهم الشخصيات. فنحن ما بين الانجذاب الروحي أو العقلي لمناقشة النظريات الفيزياوية أو الميتافيزيقية والفلسفية وما طرحه الفلاسفة القدماء وما بعدهم وفي فجاة نجد أنفسنا منقادين لشهواتنا ورغباتنا الموجودة في داخل كل منا.

تلاشي الحدود بين الواقعي والخيال

  1. تجد في المتاهات تلاشي الحدود بين الواقعي والخيال والوعي واللاوعي وبين الحقيقة والفنتازيا، وبين الكاتب وأبطال المتاهات. بحيث يختلط عليك ويتداخل عندك كل شيء، ولا تستطيع أن تجزم بشيء، عدا أنّك في متاهة.

 

  1. الرواية فنّ ذكي لمن يجيد استخدامها. فهو يستطيع أن يطرح عشرات الإشكالات الفكرية والعقائدية والنظريات على لسان أبطاله من دون أن يتبنى أي إشكال أو نظرية منها. وهذا ما فعله الروائي برهان شاوي. فأنت لا تستطيع أن تتيقن من أي نظرية أو إشكال يتبناه المؤلف، لأنّ الذين يتكلمون هم أبطاله وشخصياته الروائية وليس هو، لأنّ ثمة نقاشات تجدها على طول المتاهات وفي مختلف الأصعدة من الفلسفة والأديان وعلم النفس وخصوصا نظريات التحليل النفسي.

 

  1. من اللافت أنّ كاتب المتاهات، حسب الرواية، لا سيما متاهة المتاهات «متاهة العدم العظيم»، ليس فردا واحداً، بل عشرات، يمتدون من آدم البغدادي الذي يُقتل في نهاية المتاهة الأولى «متاهة آدم» مرورًا بآدم الاكويني، آدم اللا أحد، آدم الأعمى، آدم المجهول، آدم العليل، آدم المجنون، وهلم جرا، بحيث لا تستقر على كاتب حتى تنتقل إلى كاتب آخر. وهنا، حسب فهمي، أراد المؤلف إيصال رسالة مفادها أنّ كل فرد هو كاتب للمتاهة، وهو بطل في متاهة كتبتها يد القدر في متاهة الحياة. فكلنا كتّاب وأبطال نعيش في متاهات الحياة، والأسئلة التي لا تنفك عن عقولنا وأنفسنا بصورة لا نستطيع أن نغفل عنها.

أبطال المتاهات

8.يتمرد أبطال المتاهات على كاتبها ويغادرونها بكلمة (طز)، وهذا يوحي بأنّ الشخصيات الموجودة في المتاهات غير خاضعة لمزاج المؤلف ونفسيته في صنع الشخصية، وهذه الشخصيات غير مهتمة أصلا بما سيخلقه القارئ تجاه المؤلف بسبب هذا التمرّد.

 

  1. من الأشياء المحببة جدا إنك تجد أنّ أبطال المتاهات يتناقشون حول بعض الروايات وبحضور كاتبيها أحيانا كرواية «الأبله» بحضور دوستويفيسكي، ورواية «مئة عام من العزلة»، ورواية «لوليتا» وأبعادها النفسية، و«الجريمة والعقاب» و«الإخوة كارامازوف» وغيرها من الروايات، بل حتى مناقشة للمتاهات نفسها كما حصل في العدم العظيم في مناقشة بعض متاهات المتاهات.

متاهة العدم العظيم

ففي متاهة العدم، ورد هذا النص بين آدم المجنون أحد كتبة المتاهات المفترضين، وبين راهب ساكن في الصحراء. نورده نصاً من دون تصرّف:

«أطرق الراهب المضيف برأسه وكأنه يفكر بالأمر أيضا ثم مدّ يده إلى أحد كتب إيمانويل كانت الموجودة على الطاولة وواصل كلامه:

– هنا في هذا الكتاب (نقد العقل المحض)، يؤكد بأن معرفة العقل المحض تُستمد من منبعي: الأول، ملكة الحساسية وهي القوة التي تتقبل الانطباعات والإحساسات والتي هي تمنحنا نوعًا من المعرفة الوهمية الفارغة، والثاني ملكة الفهم وهي قوة بواسطتها يمكن معرفة الانطباعات والاحساسات التي وصلتنا عبر ملكة الحساسية،

وملكة الفهم هي قوة المعرفة وهي التي تشكل الانطباعات والإحساس في مقولات وحدوس، وبالتالي تتشكل منها عناصر المعرفة، بمعنى أن عملية المعرفة غير ممكنة بغير ملكة الإحساسات وملكة الفهم لأنه من دون الإحساسات، لا يمكن أن يكون الموضوع معطى، ومن دون فهم وإدراك الإحساسات لا يمكن بلورتها في مقولات وحدوس، ولا نستطيع التفكير في الموضوع. وبالتالي فإن المقولات بدون الحدوس تكون جوفاء والحدوس بدون المقولات تكون عمياء».

نوفيلات داخل الروايات 

  1. ضمن المتاهات، تجد نوفيلات مختلفة لكتابها، أي روايات في بطن الروايات، ومن هذه الروايات رواية يكتبها إبليس بيده ويرسلها لآدم الاكويني في تناص متعمد لوجود وخلق ادم وحواء وخروجهم من الجنة، وفق ما تقوله الأديان والكتب السماوية.

 

  1. كذلك هنالك نوفيلات قامت بالمرور على كل المتاهات وتقرير مصير أبطالها ومعاناتهم بعد خروجهم من المتاهات أمثال آدم المطرود، وقابيل الموسى، والقاتل المأجور، وآدم اللبناني، والخ من الأودام والحواءات.

 

  1. اعتمد الكاتب في السرد الرؤية الخارجية ذات الاتجاه الكلاسيكي. وتنطلق من الراوي (كلي العلم) الذي تصفه سيزا قاسم باعتباره الراوي المحيط، علماً بالظاهر والباطن والذي يقدّم مادته دون إشارة إلى مصدر (معلوماته) ما دام راوياً كلي العلم، أي عليم بشكل مطلق بعالم روايته ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، يستطيع أن يسمع بما يدور بخلد شخصياته الروائية، أو بحسب تعبير سيزا قاسم وهي تصفه بقولها: فكأنه ينتقل في الزمان والمكان دون معاناة ويرفع أسقف المنازل، فيرى ما بداخلها وما في خارجها ويشق قلوب الشخصيات ويغوص فيها ويتعرّف على أخفى الدوافع وأعمق الخلجات… إلخ.                                                                                                         وهو مع ذلك شخصية غير مشاركة في عالمها الروائي، لكنها وهي تتحدث عن ذلك العالم، شخصية يمكنها أن تتدخل في العمل الروائي بالتعاطف مثلاً مع إحدى الشخصيات أو بالانحياز أو بالتفسير أو بالتعليق أو باستشراف مستقبل شخصياتها إلى الحد الذي دفع النقاد إلى وصفها بالإله (مجازاً) لقدراتها الخلاقة وعلمها المطلق، مستعينة في كل ذلك بضمير الغائب (هو) غالباً.

«المتاهات» أطول عمل أدبي عربي

نستطيع أن نعتبر «المتاهات» أطول عمل عربي، حيث إنه لا يوجد عمل طويل في الرواية العربية يصل إلى حدود 5000 آلاف صفحة، ويكون أبطاله قد تجاوزوا المئات، علماً أنهم يحملون كلهم اسما واحداً، آدم للذكور ونادرًا قابيل وهابيل، وللأناث اسم حواء وأحيانا إيفا إذا كانت مسيحية أو أوروبية.

فضلاً عن أنّ المتاهات هي عمل ملحمي من ناحية التجنيس الأدبي، فأبطالها كثيرون وجغرافيتها واسعة ولا تنحاز لبطل ضد آخر.

وهي أيضًا رواية معرفية، أي إنها ليست رواية حكاية مترابطة وممتعة، وأنما هي معرفة وخبرة وتضج بالأسئلة ولا جواب فيها.

نقلًا عن.. «النهار»

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى