صدر حديثا

«المتشبثة بالحياة»…عودة بالقصة لفن الحكي

استخدام لغة بسيطة وتناول قضايا تهم القارئ والمثقف العادي

صدر حديثًا عن دار النخبة العربية للنشر والطباعة والتوزيع، الطبعة الثانية من المجموعة القصصية «المتشبثة بالحياة» للكاتب والقاص إبراهيم الديب، بعد نفاد الطبعة الأولى من المجموعة.

تقع المجموعة في 102 صفحة من القطع المتوسط، استطاع المؤلف من خلال استخدام لغة بسيطة تناول قضايا تهم القارئ والمثقف العادي.

رؤية نقدية في المجموعة القصصية «المتشبثة بالحياة»

يقول الأستاذ ناصر كمال المصري في رؤيته النقدية للمجموعة: تقع كتابات إبراهيم الديب القصصية في المنطقة الوسطي ما بين القصة التقليدية وكتابات ما بعد الحداثة، لذلك ظل محتفظاً بخيوط القص الذي يحافظ علي وظيفته الأساسية وهي الحكي، وهذا ما قربه من القارئ العادي الذي هجر قراءة القصة بعدما مال أصحابها نحو التعقيد في الأسلوب واللغة تقليداً للنماذج المعاصرة والتي يقتصر الاهتمام بها علي النخبة الثقافية.

استطاع إبراهيم الديب من خلال استخدام لغة بسيطة وتناول قضايا تهم القارئ والمثقف العادي من اقتناص اهتمام الغالبية لقراءة المزيد من أعماله الإبداعية وأعتقد أن هذه محاولة منه ومن كثير من الأدباء حالياً الذين يحاولون إعادة الزخم الذي فقده فن القصة في الآونة الأخيرة.

من قصص المجموعة

حلم مؤجل

 اشتهر كريم البيومي بالحرص الشديد في كل وجوه انفاق المال، لم يكن حرصاً عفوياً، أو عرضاً طارئاً، بل كان يصدر عن نفسه كعقيدة وبقناعة تامة تعبر تصالحه مع نفسه، في كل ما يصدر عنه من حرص الذي تحول من كثرة اعتياده لبخل شديد ممنهج يمارسه كطقوس عملية على أرض الواقع، فلم يكن يعبأ بمن يعترض على نهج عيشه، من الآخرين أو من أولاده، الذين طلبوا منه زيادة النفقة على معاشهم وخاصة طعامهم وشرابهم، يحدث بذلك نعمة الله عليه، سمع كريم البيومي قصصه في البخل تروى بين أهل الحي يتندرون بها تستحق كل قصة منها أن يفرد لها الجاحظ لو أنه معاصر لكريم البيومي مكاناً في كتابه البخلاء، فالرجل صاحب نظرية في البخل وفلسفته، وتطبيقه له أيضاً ما فاق به الكندي الذي تناوله الجاحظ وأفرد من قصص بخله في متن كتابه، التي تساوت شهرته في البخل مع أكبر الظن بل فاقت شهرته في الفلسفة، وأن المقربون منه يلومونه بسبب تضييقه على أهل بيته، وذكر له بأنه يأتي لأولاده إلا بلحم الرأس وكان إخباره الرجل له بذلك على طلب أحد أولاد كريم نفسه عله يتعدى بعد هذه الشكوى من لحم الرأس إلى لحم الذبيحة، فجاء تبرير كريم البيومي أن كل قطعة من  الرأس تتميز عن الأخرى بمذاق مختلف، فتجمع الرأس كل ما تحتوي عليه الذبيحة من مذاق شهي، فمن يتناول لحم الرأس و كأنه تناول كل أجزاء الذبيحة بثراء وتعدد طعمها الذي لا يقاوم.

كان لا يهتم بما يقال أو يردد عنه، في أمر البخل فهو تخطى الأربعين التي كان من المفترض أن يكون بلغ نصاب المال الذي يدخره من أجل تحقيق حلمه، وهو شراء قطعة أرض على طريق بورسعيد دمياط يشيد عليها عمارة ثم يرجع مسافة للخلف ليشاهد اسمه مكتوباً بالخط العريض على صالة عرض الموبيليا في طابق العمارة الأول، ولكن لا بأس بأنه مقبل على الخمسين فهو يعيش حياة داخلية بينه وبين نفسه كل ليلة وهو يحصي ماله المدخر قبل أن يغيبه النوم، بعد أن أصبح مبلغاً كبيراً، وهو مستمر في الإضافة إليه مستمتعاً بذلك ممنياً نفسه بأنه اقترب موعد تحقيق الحلم، كان استمتاعه الذهني لا حد له وحياة يراها أغنى وأجمل من حياة هؤلاء التافهين الذين يتهمونه بالبخل، فكلما تذكر ما يستحوذ عليه من مال يشعر بتفوق على الذين ينظرون إليه باستخفاف وسخرية فهو يرثي لحالهم، فهم من وجهة نظرة يستحقون الشفقة أكثر من الغضب منهم قبل أن يصفهم بالفاشلين مقارنة بما سيقوم به في المستقبل.

 فقد عكف نفسه إلى حياة داخلية اكتشف فيها عالماً أشد جمالاً وأعظم روعة، وأكثر دقة و تنوعاً، فمنح عنايته كلها لهذا العالم الداخلي، ذهب مع أحد السماسرة ليعاين قطعة الأرض لتحقيق حلمه أخيراً. أعجب بسكان المنطقة وبمساحة الأرض وبموقعها المتميز وحدد يوماً معلوماً مع مالكها لإتمام عملية الشراء، سيطر عليه الحلم أكثر من أي وقت مضى تراجع مسافة للابتعاد عن قطعة الأرض وهو مغمض العينين وأخذ يتخيلها عمارة وهو يعيش الحلم المؤجل، كان هناك موتوسيكل ينطلق بسرعة جنونية يصدم كريم البيومي يطرحه أرضاً، يقوده صبي هو الآخر يحلم بالفوز بالسباق على المتنافسين معه من الصبية الذين لا يقلون عنه جنوناً ولا سرعة على طريق بورسعيد دمياط الذي يتخذونه حلبة سباق لجنونهم…

المتشبثة بالحياة

 لم يتبق لها إلا النافذة وقضبانها الحديدية التي يتسلل منها بعض الضوء الخافت في وقت محدد من صباح اليوم فهو أحد الأسباب التي تربطها بالحياة، هي امرأة عجوز طاعنة في السن توفي زوجها منذ فتره طويلة، ولحق به ابنها أيضاً بعد بفترة قصيرة، لها أحفاد من ابنها عرضوا عليها أن تقيم معهم، ولكنها رفضت بشدة وظلت في بيتها وبيت زوجها لتجتر ماضيها وتستعيد حياتها الماضية مع زوجها وابنها حتى اختلط عليها الخيال بالواقع وقالت لهم: إذا خرجت من هنا سوف أموت على الفور اتركوني مع زوجي وابني وكأنها لم تعترف بموتهم… أكثر وقتها تقضيه خلف النافذة، تسمع صوت المارة والبائعين، ففي ذلك شريان حياة وأحد الأبواب التي ما زالت مفتوحة على الحياة، ولكي تتأكد أنها ما زالت تعيش وأنها تتفاعل مع الحياة.

هي على تلك الحالة من عشرات السنين شبه وحيدة، وكأنها في زنزانة سجن انفرادي إلا من أوهامها ووساوسها القاتلة، وبعض الساعات التي يأتي فيه بعض أحفادها.. تقوم بشراء أشياء كثيرة من البائعين الجائلين ليست في حاجة إليها، ولكن الوحدة قاتلة وتستولي عليها فتهرب منها بشراء أشياء كثيرة لمجرد الحديث معهم تقضي فترة طويلة من أجل تخفيض السعر ليس بخلاً ولا توفيراً للنقود ولكن لتستمر في الحديث معهم لفترة أطول، تهرب إلى من يمر في الشارع من أطفال تسألهم كم الساعة؟ وتسألهم عن أسماء آبائهم، وأمهاتهم ليس من باب التطفل ولكن من أجل التأكد أنها موجودة وما زالت تتنفس بعد أن تضع يدها على صدرها وتراقبها تعلو وتهبط أثناء الزفير والشهيق!…

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى