كتاب الأسبوع

«امرأة على الضفة الأخرى».. محطات أنثوية صادقة

حالات من الحب والضياع المؤقت، والعنفوان، والتقاسيم التي تتناغم مع تلك الحالات وتعبر عنها

ديوان «امرأة على الضفة الأخرى» للأديبة والمترجمة الليبية نعمة الفيتوري.

يقع الديوان في 114 صفحة من القطع المتوسط، ويضم: (خلطة أشياء…، ما وراء المنطق، أنا تعيسة، رحلة للمجهول، سلم اكتفاء، أقوال…، تعاويذ الهواء، قصة من لا شيء، حياة عابرة، حقيقة مجردة، اشتباه، سرقوا عمري…، انطفاء العالم،
بلا رتوش…، تآمر غربة، ظمأ، خسارة…، حيرة..، صهيل غربة…، ميت حاضر، رزنامة..، غياب بعذر، تنهيدة حجر، ركن الشغف، عطر مقتول، علاقة جادة، فلسفة شجرة، حزن قديم، حطام أنثى، قرارات مهزومة، طوبى لها، حالات …، خطوتي ما قبل الأخيرة نحو البداية، ومضات، الأم لا تموت، وشوشة..، نهاية…، كن…؟، متى؟، تعال، غربة أم، رسالة للذكرى، بعثرة.)

امرأة على الضفة الأخرى

تقول المؤلفة في مقدمة الديوان:

رحلتي بداية من «أنات ذاتي» مجموعتي الأولى وحتى «امرأة على الضفة الأخرى»؛ أختصر المعنى بأنها محطات لحالات أنثوية صادقة، حالات من الحب والضياع المؤقت، والعنفوان، والتقاسيم التي تتناغم مع تلك الحالات وتعبر عنها.

حالات قد أخفيها؛ لكن أعيشها بحذافيرها، حالات من جنون امرأة تحس بكل ذرة في كيانها ولا تتردد في البوح بمشاعرها، فتسكب إحساسها على الورق بلا قيود، وبمنتهى الحرية التي لا تخدش.

أقف على الضفة الأخرى لأشعر بالهدوء الذي يناسب طبيعتي وأرى بوضوح كياني الذي أحب، متمثلًا في أنات ذاتي وعنفواني وتقاسيمي التي تخصني وحدي وآثار خطواتي على الطريق الذي اخترته وأشفق علي من قساوته، وروضني على تحمل عثراته واجتيازها.

وعلى الضفة الأخرى من العالم المادي أسمو  عن الزيف لأطلق صرخة لكل ما حولي:

دعوني أكتب وأتلاشى في إحساسي وأزين عقلي بالشفافية وقلبي بالصدق والورق بالكلمات.

أنا امرأة تعيش المراحل بكل حب، متصالحة مع نفسها، تجاعيدها تحكي حكايا عمرها الذي لا تخجل من ذكره بالأرقام.

امرأة أقدس آلامي وأبني منها جسرًا كي أعبر للآتي الأفضل قدر الإمكان، قد أسقط مرات كثيرة؛ لكنني أرمم نفسي بحب وأطبب تلك الآلام بالكلمات والأمل.

أنا امرأة على الضفة الأخرى دائمة البحث والسؤال والترقب، لا أهدأ وحتمًا كلما تقدم بي العمر وانتهت مرحلة ما سأجد دائمًا بدايات جديدة.

وقد تتجلى معاني تلك المقدمة في هذه النصوص التي هي رؤيتي من ضفة أخرى.

من أجواء الديوان

ما وراء المنطق

تركت ذاك الباب مفتوحًا

وطار بي العقل إلى ما وراء المنطق

المنطق الذي يجعل الأشياء محتملة

أمارس عادتي الجديدة بانتظام

وكل صباح أغرد كعصفور

وأرسم سماوات زرقاء

وأحتضن غيمة وحيدة لتذرفني

مطرًا

في الليل أنوي السهر

أنافس الأسرار على البوح

وأتوازن في وجه القمر

حتى لا يغيب

أخاف الظلام كما أخاف الحب

أتحدى فقداني لحضن حبيبي

وأقترب من فم الغربة أقتلع لسانها

قبل أن تكشف لي الحقيقة

سنوات الوحدة بلا نهاية

تمط شفتيها كلما رغبت النهاية في تقبيلها

واليأس طريح الفراش يرتمي على طول المدى

تلك الرغبة تئن بالسؤال

وتهدأ على ضفاف إجابة ولو

كذبًا

نحن غريبان نلتقي حينًا ونبتعد دهرًا

كل يوم يتفنن العمر في قتلنا

ويقسم أن يذبحنا كلما حيينا

حقيبتي المعلقة على ظهري

تنتحب من الأسى وتعلن تمردها عند كل محطة

أنا المغادرة إلى لا مكان

تلوح لي الشراعات الراسية

على شواطئ آمنة

وأنا لا زلت اسأل

أما آن للطريق أن ينتهي؟

_____________

أنا تعيسة

 أنا تعيسة

قالت المرأة العائدة من لقاء حب

مسحت بمنديل زهري

بقايا دمعة كانت تلهث على الخد

جسدها المنتفض يسابق الوقت

الوقت الذي لم يعد يهتم

بأي شيء

الهزيمة التي تشل المشاعر أصابتها في مقتل

حتى أن زهور قلبها انحنت

في كل خيبة كانت تقول

كم أنا تعيسة

لن أمنح الحب إلا لمن يستحقونه؟

العاشق المختبئ في ثنايا الليل

يتناوب مع خيباته على السهر

يملأ كوؤس الهوى بدمعات خاسرة

يتجرعها دفعة واحدة

حد الثمالة

المرارة هي كأسه الوحيد

نشوته اللدود

هذا الحب اللعين

كافر

أحمق

عبثي

جبان

أقترحوا مزيدًا من الصفات لننعته بها

قولوا فيه أبشع الأقوال

وأتركوه وحيدًا

عذبوه

بالوحدة

لا تمتثلوا له

تحدوا قلوبكم الضعيفة

واسلكوا دروباً سهلة

لا مكان فيها

للحزن ولا للخذلان

ابحثوا عن ليال مبهجة

ونوم بلا أرق

أو قلق

تشبثوا بصديق ودود

وطفل مبتسم

وقلوب نقية

أو هشة

وإن وجدتم فأخبروني

وإن فشلتم

فاقتلوني

وانتحروا.

_______________

رحلة للمجهول

 عبر نوافذ القطار يجري النخيل كطيور مهاجرة، الدخان المتصاعد من البيوت يفشي أسرارها وحقائب السفر تعاني من الإرهاق تنام فيها الأحلام على وسادة من الترقب، فالكراسي تحمل الكثير من المتناقضات والحكايات، رضيع أزعج بكاءه شاب منهمك في لعبة البابجي وأطفال لا يكفون عن اختلاس النظرات بدهشة لوجوه غير مألوفة، وهذه امرأة دوخت قطعة علكة ودقت على جسدها آلاف المرات، ومسافر يتخيل نفسه تلك القطعة يطحنه السفر وتستعبده حقيبة، ويدور بين رحى الأماكن يبحث عن ظل، ظل لحكاية دائمة ومستقرة .. أنساه تتابع المحطات من أين بدأ؟ وكيف سينتهي؟ القطار وسيلة تنقله من عالم إلى آخر، إلى مشاهد جديدة أو بالكاد يعرفها؛ أو ربما رآها كأنه يراها للمرة الأولى.

التائه لا يتعرف على الطرق بسهولة لأنها لا تعنيه، لم يزرع فيها أمنيات، لم يحظ فيها بذكريات تهون عليه مسيرة العمر، الحيز الفارغ منا يظل فارغًا ما لم يجد جدارًا يستند عليه ظهر أيامه، تحيطه حدود ينطلق منها ويعود إليها ،تخصه وحده ،لا تصدق من يرحب بك قائلًا:

المكان مكانك ..

محض لحظات كريمة سريعة الملل، الملل الذي لا يكذب، ترى من خلاله أنك مهما سافرت وأينما حللت ستظل غريبًا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى