صدر حديثا

«امرأة نثار» تغوص في أعماق الأنثى

رواية لرائدة القصة الموريتانية أم كلثوم بنت أحمد

صدر حديثًا عن دار النخبة للنشر والطباعة والتوزيع، رواية «امرأة نثار»، للأديبة الموريتانية أم كلثوم بنت أحمد.

تقع الرواية في 406 صفحة من القطع المتوسط، وتهديها المؤلفة إلى كل إنسان ضاعت نفسه في زحام نفسه، فتشظى نثارًا في كونه، وأدمت شظاياه قلبه وهو يلملها في أرجاء تسع وعيه بوجوده.

تغوص المؤلفة في أعماق وخبايا نفسية المرأة من خلال بطلة الرواية التي تحاول أن تفك طلاسم شخصيتها وما مر بها من أحداث.

من أجواء رواية «امرأة نثار»

عشت فيما مضى من عمري؛ في رضا عن مقاديري.. كما لو كانت أُخرِجَت استجابة لطلبٍ مني..

كانت نفسي ترضيني في كل شيء.. لم أتمنى يوماً حياة غير حياتي، أحببتها بتفاصيلها، ولم يكن ذلك لأنني كنت أرى انعكاس ذلك الرضى في نفوس الآخرين؛ بل إن طريقة حياتي كانت مستفزّة؛ كانوا لا ينفكون عن محاولات جعلي أرعوي عما أفعل.

 فنفسي ترضيني أنا فحسب؛ وأجدها قدَّت على مقاسي، مضبوطة على كل مراحل عمري؛ لم تكن حلقة من حلقات عمري إلا استرسالاً لحلقات ماضية، كنت أعيش مع نفسي حالة حبٍ وهيام، تجعلني أحس بسعادة غامرة دائمة وأستسيغ دبيب الحياة عليّ؛ وتظهر سعادتي بنفسي في ابتسامة رضا لا تفارق محيّاي.

أحببت موضعي في الحياة واستمتعت بما وهبتني؛ كنت أعتبر الحياة ككل- بحراً أو نهراً- يمضي إلى وجهة لا تنتهي؛ انساب  معه في انكبابه ذلك؛ لكن بطريقتي التي تعجبني.

عشت طفولتي وشبابي بما أهوى لا كما يهوى الآخرون.. لم أعر قط أهمية لما يريد غيري؛ لم تكن هناك وصاية تستطيع أن تفرض نفسها عليّ؛ وقد كنت أنعم باستقلاليتي دون خوض معارك من أجل ذلك، فأنا أحب الهدوء والسلاسة في طريقة عيشي حريتي.

فلم أكن أتباهى بذلك؛ خارج دخيلتي كانت ممارستها تعنيني أنا فحسب؛ لكن المحيطين بي ينغرزون دوماً في ثنايا حياتي محاولين التأثير فيها؛ قدحاً وتعنيفاً؛ باذلين الجهد الجهيد لكسر شكيمتي، ولم أكن أساوم في ذلك بإصراري وعنادي فقط؛ فقد  كنت أحافظ على طريقتي في الحياة؛ بلا ضجيج ولا مشادات.. فآتي بما لا يتاتى للبنات في زمني ذلك؛ فأقرأ كل ما تطاله عيناي ولو كان ممنوعاً؛ وأرسم كل الوجوه الغريبة والمعتادة والمشاهد والمناظر، أرسم المرئي واللا مرئي.

لم أكن أنصاع للأوامر التي تجعل لحياتي جنساً معيناً؛ وكنت أُضْرَب لذلك وأعنف أشد تعنيف؛ فحركاتي غير أنثوية بزعمهم؛ حركات غير مستساغه للبنات كانت تجعل عيني أمي تتسع في حدة؛ وتلوي أصابعها في فخذي وتهبر هبرة منه حتى تكاد تاتي بها من أصلها.

 كنت أقتحم كل تلك المنهيات المؤطرة لجنسي كفتاة، فأجد سعادتي في الجري والعدو والقفز على الحبل والقفز الحر وتسلق الجدران كالفتيان ولعب كرة القدم، مرة لاعبة وطوراً حارسة مرمى، وطوراً أركب الدراجة كالفتيان، وأرمي «بلوحي» للماعز رافضة أن أسمن؛ أكره ذلك الإنتفاخ وتلك البلادة والبلاهة التي تتسم بها الفتيات المسمنات.

 كان ذلك الخبال يثير اشمئزازي، وكان جل أصدقائي ذكوراً منذ الطفولة مع أن لي صديقات؛ كنت أحس بجدوائية صحبة الذكور أكثر من البنات لما يجمعني معهم من خصال؛ لم أحس أبداً بخجل من ذلك؛ كما لو كنت من جنسهم؛ أعيش نديَّة تامة؛ لا أفطن للفوارق بيني وبينه، لا أتزين البتة إلا بزينتي التي وهبني الله إياها، فبشعري يتزين وجهي؛ وبمنحنيات جسدي التي تميزني كأنثى بين أصحابي  الذكور.

أغني المواويل أمامهم وأحياناً آتي برقصة عفوية تعبيراً عن فرح أو طرب من مقطع موسيقي لا هدف لإستعراض الجسد فيها؛ لا تستهويني حركات الإغراء والتكسر في المشية كانت مشيتي متتابعة الخطوات لا تغنج فيها، وأخرج صوتي بلا ترقيق أو تلطيف. كنت أخرج ملكاتي كما هي لا أسعفها بمدٍ طارئ؛ عشت كل مرحلة من مراحلي العمرية بغير المألوف.

 كان ذلك يعجبني ويعطيني ثقة زائدة في نفسي واعتزازاً عظيماً بها؛ وكنت أصر على ذلك وأتمادى فيه رغم رميي بوابل التهم من المحيطين بي وغضب الأهل والأقارب.

كانوا يعيرونني باسترجالي، وكانت أمي تجعل مرد ذلك لكثرة ما سألت الله أن أكون ولداً، وبمداومتها على قراءة «ثمن الذكور» من القرآن الكريم؛ ولم يُستجَب الله لها؛ ووضعتني أنثى؛ وتقبلني الله بقبول حسن؛ وابتأست لذلك؛ وابتأس أبي؛ وابتأس الأخوال؛ والأعمام؛ وابتأس الحي كله، لكن الله «تقبلني بقبول حسن وأنبتني نباتاً حسناً».

كانوا يريدون ولداً فحسب، ولداً يدقّون الطبل ويطلقون الزغاريد لمجيئه؛ كان حلمهم فرح يوم ولا عبرة بما بعد ذلك اليوم…

المؤلفة

أم كلثوم بنت أحمد

  • مواليد منتصف الستينيات من القرن الماضي.
  • درست في مدرسة تكوين المعلمين.
  • اشتغلت في التدريس طيلة عشرين سنة.
  • كتبت القصة القصيرة… لها مجموعة قصصيه منشورة سنة 2008.
  • عضو  مجلس اتحاد الأدباء والكتاب الموريتانيين.
  • شغلت سابقاً أمينة تنفيذية للإبداع النسائي في نفس الاتحاد وعضو لجنة تحكيم في مسابقات القصة القصيرة في مهرجانت وطنية.
  • نائب رئيس نادي القصة.
  • شاركت في مهرجانات ومؤتمرات أدبية في ولايات بموريتانيا.
  • أحرزت جوائز عن مسابقات للقصة القصيرة لليونسكو ووزارة الثقافة.
  • تعتبر رائدة القصة القصيرة في موريتانيا.
  • تشغل الآن أحد المناصب في إدارة التخطيط والاستراتيجيات بوزارة التعليم العالي.
  • صدر لها:
  • مجموعتان قصصيتان
  • رواية (امرأة نثار) دار النخبة 2024.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى