إبداع

بلد الشحاذين

قصة من الواقع حدثت على أرض العراق

عماد الدعمي
Latest posts by عماد الدعمي (see all)

في كل بقاع بلدي أرى الشحاذين ، أرى شيخًا مُسنًا أحدودب ظهرُه وهو يسأل المارين والثمنُ لحيته البيضاء وماءُ وجهِه.

وأرى طفلًا صغيرًا يشحذُ بطريقةٍ مختلفة وهو يحمل في يديه قطعًا من البسكويت، ويكاد يجبر الناس على الشراء بطريقة التوسل.

وهناك شحاذٌ معاقٌ يتوسط الشارعَ والعربات تمر من حوله علّ أحدَهم يعطف عليه، وهو يجلس وقت الظهيرة في شهري تموز وآب.

وكثيرًا ما أرى شابة يافعة تحمل طفلًا وورقة طبيب؛ لكي تثبت هويتها تمامًا بأنها شحاذة مسكينة لا تملك ثمن شراء الدواء ولا تملك حولًا ولا قوة، والكلُ يؤمن أن لا (حول ولا قوة إلا بالله العظيم).

قصة واقعية من بلد الشحاذين

وذات مساءٍ كنا نجلس في إحدى المقاهي يستعرض كلٌ منا بطولاته الخالدة، والكل يعلم أننا فارغون نتغطى يوميًا بغطاء الذل والهوان ونسير في الشوارع ونعلم أننا مُباعون في سوق الساسة، وقد جاءت شحاذة شابة بربيع العمر تسألنا أن نعطيها مما أعطانا الله وكنا أربعةً من أسماء الرجال وليس الرجال بمعناهم الحقيقي !

وكان كبيرنا مدرسًا بلغ السبعين من العمر وقد أُحيل إلى التقاعد..

وحينما سألت السائلة الشابة الجميلة قال: لها المُحالُ على التقاعد ومَنْ ربى الأجيالَ (من الأمام أم من الخلف)، فأطرقت برأسها ومضت من دون أي كلام يُذكر بعد ما سقطت دموعُها على وجنتيها.

أيها المصغون إليّ .. ما كتبته وحاليًا أقرأه على أسماعكم من قصص الواقع وليس من ضرب الخيال حدثت في عراق الشحاذين..

وحينما عدتُّ للبيت وليلًا وضعتُ رأسي على الوسادة شعرتُ بأنني جبانٌ وذلك لأنني لم أبصق بوجهِ ذلك العجوز التافه، والذي لا يعرف في حياته سوى النكات التافة لكي يضحك له بعضٌ من متسعكي المقاهي.

في عراق الشحاذين لا تستغرب أنك أولُ الشحاذين، لأنك تحاول جاهدًا أن تعيش حرًا ولا تستطيع، ولأنك تحاول جاهدًا أن تكون أبيًا ولا تستطيع، ولأنك تكد ليلًا ونهارًا وتعجز أن تسد رمقك وحاجتك من الطعام والملبس، ولأنك من أرض العراق بلد الخير الذي لا ينفد وأنت شحاذٌ من الطراز الأول نسبة لدول فقيرة تجاورك!

أيها الشحاذون الغارقون في بحر الذل إلى متى تستجدون الكرامة؟ أما آن الأوانُ أن تستفيقوا أم أنكم تعودتم على لباس الشحاذين؟

سلامًا مني على كلِّ شحاذٍ بغض النظر عن المُسميات والصفات، فمن يرتدي ربطة العنق لا يعني أنه غيرُ شحاذ.

تعليقات الفيس بوك
اظهر المزيد

عماد الدعمي

شاعر وناقد وباحث عراقي، حاصل على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية والدكتوراه الفخرية من الأكاديمية الألمانية للسلام، نائب رئيس تجمع شعراء العمود والتفعيلة في العرب، عضو اتحاد الأدباء الدولي. صدر له عدة دواوين منها: كلمات حبرها من دمي - أوراق الخريف - أوراق مبعثرة - محطات الطريق - مدن لم يهطل عليها المطر . كما صدر له العديد من المؤلفات النقدية.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى