إبداع

تاريخ المصريين في ملعقة عسل!

قراءة في رواية «الحملة» للدكتور تامر عز الدين الصادرة عن دار النخبة العربية

Advertisements

قليلون من يصبرون على قراءة صفحات التاريخ، ربما لجفاف المادة، ثقل الأحداث دمويتها، طعنات الخيانة بكل أشكالها، في المقابل يجد الكثيرون متعة في التاريخ المصبوب في قوالب الأدب، الممزوج بالإنسانيات التي هي الزاد الأول للأعمال الدرامية.

يعني أن ترى التاريخ يتحرك أمامك من لحم ودم تلك هي الكتابة المبدعة التي ربما تفوق الشاشة متعة لسبب واحد وهو أن خيال القاريء أحد دعائم المشهد، يقوم بدور مشارك عملية إبداعية مترابطة.

بهذا التصور ولدت رواية «الحملة» الصادرة عن دار النخبة العربية للنشر والتوزيع، بثياب مخملية، بهية العبارة، سهلة التناول، صاغها بحرفية مبدعها الأديب الطبيب الدكتور تامر عز الدين.  

رواية «الحملة» تؤرخ لحدث مهم في التاريخ

«الحملة» اسم يرتبط في ذهنياتنا بحوادث التاريخ، ذلك الذي درسنا بداياته منذ نعومة أظفارنا في المدرسة الابتدائية ثم بعد ذلك. وهي حدث مألوف لدينا بعدة ملامح، منها الشر؛ ذلك القادم علينا من الغرب تحت مسمى الحملات الصليبية، وخير ترجمان لهذا هو الأمثال الشعبية التي منها: «مفيش حاجة تيجي من الغرب تسر القلب»، وتشاؤم البعض بقوله: «يا نهارك أزرق» أو «والله لأخلي يومك أزرق»، وهو دلالة قاطعة على أن الشرور كانت تأتي دائمًا من ناحية البحر وهو بفعل وجه السماء أزرق اللون، وأيضًا يأتي بها الغزاه أصحاب العيون الزرقاء.

ملمح آخر وهو البطولات الوطنية التي أزاحت ستائر هذا الظلام بدماء ذكية كثيرة، سطَّر التاريخ أمجادها، خلَّد الأدباء سيرتها في إبداعاتهم، ومن تجليات هذا العبق الخالد هذه الرواية «الحملة».

لكن قبل أن نطرق أبواب الرواية صاحبة هذا الاسم لمؤلفها الدكتور تامر عز الدين، وهو وإن كان يعمل أستاذًا في جراحة القلب والصدر بكلية الطب، إلا أن ندّاهة الأدب ندهته مثل غيره من فحول المبدعين؛ شعراء وروائيين وكُتاب ومسرحيين.

أكثر من مدلول للفظ «الحملة» 

 أيضًا لا يقف لفظ «الحملة» عند المدلول السياسي فقط، فهناك المدلول الطبي مثل حملات التطعيم، والمدلول الثقافي مثل حملات التوعية.

 وهناك معنى خفي لا يعرفه إلا كبار أهل التصوف، وهو ما يترجمه «دلال المعشوق على العاشق» أو «المحبوب على المحب»؛ فلا يرى العبد منهم الابتلاءات الربّانية من مرضٍ شديدٍ أو فقرٍ مدقعٍ أو عدم توفيق في عمل به كسب كبير، شرورًا على الإطلاق، بل يقولون : «فلان شايل حملة كبيرة»، ومنها «الحملة النورانية» ما يُعرف بسطوة الحق؛ كأن يكشف الله الكون لعبده على حقيقته، كالذي رأى كل شيء يسبح بحمد الله وحار أشد الحيرة أين يضع غائطه، وشكى لشيخه وهو أكبر كشفًا وفقهًا؛ فتنخم الشيخ على الحصى وقال له: انظر؟ مسبح في مسبح. ولذا فأهل الطريق يقولون تأدبًا «العارف بالله»، أي أن اللـه سبحانه هو الذي عرَّفه؟

الغلاف الأخير للرواية

نعود إلى رواية «الحملة» لمؤلفها د. تامر عز الدين التي تناولت حقبة تاريخية من الأهمية بمكان في سجل حوادث الدهر المصري، وهي الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت.

ولنبدأ بالغلاف الأخير، وهو الذي يلخّص في تكثيف شديد فلسفة رواية الحملة، طارحًا الأسئلة الوجودية: ما هو سر الإنسان؟ سر الحياة؟ ثم يشير بلطف أين يختبيء هذا السر؟، وفي إشارة طيبة يلفت المؤلف نظر الحائرين الباحثين بأن حلّ ألغاز الحاضر يكمن في الماضي، ثم يكشف غطاء بئر الأسرار بعض الشيء ليقول لنا بأن «الحملة» تمنحنا خيطًا ذهبيًا لمعرفة الماضي الذي هو سر المستقبل.

بدأ الفصل الأول بصورة سينمائية جيدة، وذلك أسلوب في الكتابة يأخذ القاريء داخل المشهد وربما يتوحَّد معه ويجد نفسه أحد أبطاله، وذا طموح كبير في فن الرواية.

المشهد لقافلة من الخيول والجِمال لتجار في طريقهم من مكة إلى الشام.. تنيخ مطاياها في بلدة غريبة الأطوار مليئة بالشرور، يكفي تشويقًا لتقرأها أن تعرف أن عدد قبورها أكثر من بيوتها!

تقع هذه البلدة العجيبة في مفترق الطرق، إلى الشام شمالًا، وإلى القاهرة غربًا حيث المحط الأخير والمأمول الوفير لأحد أبطال الرواية.

قبيل الاتجاه غربًا يحدث في هذه البلدة لقاء عابر بين أحد شخوص الرواية ورحالة فرنسي له في مجريات الأحداث فيما بعد، البون الواسع والنصيب الوافر.

الكتابة بالصورة

 في فصلها الثاني تتجدد الكتابة بالصورة.. يطوف بنا المؤلف في حي بولاق، وبولاق كلمة تركية معناها (ميناء)؛ واصفًا البيوت والنيل ووجوه الناس وطبائع المصريين والمقاهي والدكاكين، وبالقراءة نعرف أن الزمن الروائي لدخول القاهرة كان صيفًا:

«في هذا الجو الحارعندما تنقشع الدوامات الرملية يخرج البعض إلى الحمامات المنتشرة في الأحياء هنا وهناك، حيث يجد متعته عندما يقوم خادمي تلك الحمامات بتدليك الأقدام بقطعة حجر ملساء، ويتمتع آخرون بالأجواء العبقة بالعطور وسط سحب دخان الأبخرة المعطرة».

وفي ملمح زكي من المؤلف يبرز لنا لقطة نراها حتى اليوم وهي عمران المقاهي بالخلق في أى توقيت وذلك يجر سؤالًا: «على مسافة من هذه الحمامات تقع عشرات المقاهي على مشارف حي بولاق، من ينظر إليها يظن أن أهل هذه المنطقة لا يفعلون شيئًا إلا الجلوس على تلك المقاهي».

المكان والإنسان في رواية «الحملة»

وهكذا يغوص بنا المؤلف في طبيعة المكان والإنسان؛ فنرى فيضان النيل وعذابات المصري الذي يتحمل الألم في كل صوره.

وتدور الأحداث بنعومة أدبية رائعة تمهد الأجواء لقدوم الحملة الفرنسية، التي جاءت رافعة راية كاذبة هي تخليص المصريين من ظلم المماليك، الذين ينهبون خيرات البلاد وإذلال الناس بشكل غير مسبوق.. لعب فيها بونابرت ألعاب الحُواة حتى ظنَّ البعض أنه في طريقه إلى إعلان إسلامه، ذكرت الرواية الكثير منها، وكذا رسائله التي وزّعها على أهل مصر.

رسالة نابليون بونابرت للمصريين

«بسم الله الرحمن الرحيم، من أمير الجيوش الفرنسية خطابًا إلى كافة أهالي مصر،… والعاقل يعرف أن ما فعلناه بتدير الله تعالى وإرادته وقضائه،… واعلموا أيضًا أن الله قدّر في الأول هلاك أعداء الإسلام وتكسير الصلبان على يدي، وقدّر في الأزل أني أجيُ من الغرب إلى أرض مصر لهلاك الذين ظلموا فيها، وإجراء الأمرالذي أمرت به.

واعلموا أيضًا أن القرآن العظيم صرَّح في آيات كثيرة بوقوع الذي حصل، وأشار في آيات أخرى إلى أمور تقع في المستقبل، وكلام الله في كتابه صدق وحق لا يتخلف، واعلموا أيضًا أني أقدرعلى إظهارما في نفس كل أحد منكم لأنني أعرف أحوال الشخص، وما انطوى عليه بمجرد ما أراه، وإن كنت لا أتكلم ولا أنطق بالذي عنده، ولكن يأتي وقت ويوم يظهر لكم بالمعاينة أن كل ما فعلته وحكمت به فهو حُكم إلهي لا يُرد».

جانب من أحداث الرواية

أفرزت الأحداث الغثّ من الثمين، من يرحّب بالمحتل الجديد بل يحلم بقدومه ليعلو شأنه بين الناس على أجنحة الخيانة، ولاغرابة فهذه النماذج الشاذة موجودة في كل أمة وفي كل زمان.

يترآى لنا اسم (أيوب) ذلك التاجر الذي جاء من جنوب البلاد في يده ابنته الصغيرة (درة)؛ يتودد إلى تجار بولاق بعدما استقبله المعلم خليل صاحب المقهى قبولًا حسنًا، لم ينصهر أيوب وسط الناس، فلم يُشاهد في مسجد أو كنيسة لكنه اتخذ لنفسه دينًا خاصًا وهو عبادة المال والطموح لمنصب.

 وتكبر (درة) التي يلفت جمالها من كل من يراها.. ويأسر حبها قلب (سيف) الطالب الأزهري وتبادله المشاعر وكأنما خُلقا للحب.. ويظل المؤلف بنا حتى نرى مصر في (درة وسيف)، وها هو سيف في صفحة 104 يعلنها في لحظة حزينة خوفًا على ضياع البلاد: «آه يا مصر، آه يا درة».. المحبوب والمحب، شطري الأمة ونسيجها، درة المسيحية وسيف المسلم.. ويقف بنا المؤلف أمام سؤال أزلي أبدي.. إذا كانت الأديان تحضنُّا على الحب، فلماذا نجعلها نحن عائقًا أمام قلوب المحبين؟

يرى والد سيف الشيخ الطيب أن ارتباط ابنه بواحدة من خارج الملّة غير مُستساغ حتى لو أجازه الدين فوالدها لا تشرّف مصاهرته لسوء سلوكه، وينظر أيوب والد (درة) إليها على أنها صفقة تجارية رابحة لا يجب أن تذهب لفقراء مثل سيف وأبيه. خلاصة الموقف، لأصحاب القرار رؤيتهم النافذة، ولأصحاب القلوب الطاعة أو الموت قهرًا.

رواية «الحملة» توثيق لمواقف شعبية مختلفة

وقد أكدت الرواية في أحداثها على أن من يعبد المال والمنصب يهون في نظره الوطن والدين بل يراهما مطيّة لتحقيق مآربه ولنقرأ في صفحة 186 ما دار بين أيوب المسيحي الطموح للثراء والمنصب وهو يقترح اقتحام بيوت الأقباط ويشيع في الوقت نفسه أن المسلمين ينتقمون من الأقباط لوقوفهم مع المحتل الفرنسي، فيلتبس عليهما الأمر، يقول: «وبذلك نشق صفوفهم ونشغلهم ببعضهم البعض، فتنطلق بينهم الفتنة فيقتلون بعضهم بعضًا ويسهل علينا إيقافهم والإمساك بهم». ولنلاحظ أنه يتكلم بلسان المحتل «يسهل علينا»!

على النقيض من هؤلاء الخونة نجد الشباب الأحرار حتى وإن كانوا غير مصريين لكن كما يقول المثل كل من جاء إلى مصر تمصَّر.. ها هو سليمان الحلبي الطالب السوري الذي يدرس بالأزهر الشريف ضاق بما يفعله (كليبر) بالمصريين وحريق القاهرة وتدنيس الأزهر وقتل البشر بعنف شديد، ويتسلل سليمان إلى حديقة مقر إقامة كليبر في (الأوزبكية)ــ قصر الألفي بك ــ ويمثل دور الشحاذ وينهره كليبر، ويمد يده للحلبي كي يقبّلها، لكنه أمسك بها وطعنه فخرَّ صريعًا.

وجرى البحث عن سليمان الحلبي وتم الإمساك به، وتم تعذيبه بعنف واعتُقل الشباب الذين شاركوه، وأحرقوا يده اليمنى التي طعن بها كليبر وفي منطقة أطلق عليها الناس حتى وقت قريب جدًا (تل العقارب) بالقرب من مسجد السيدة زينب وربما كان المقصود بالعقارب الفرنسيس، كما كان يسميهم الناس وقتها، الآن بعد تطويرها أصبح اسمها (روضة السيدة).

مصرع كليبر

استعرض الفصل 55 سيرة سليمان ومصرع كليبر.. ومن قبله في الفصل 53 وصفًا لتنكيل كليبر بالقاهرة وسكانها بصورة بشعة حرق فيها الحجر والبشر: «ترعد السماء رعدًا مزعجًا مخيفًا عنيفًا؛ استغل كليبر المطر لصالحه، هجم على البلد من كل ناحية، قذف القاهرة بفتائل مُغمسة بالزيت والقطران وقذائف من لفائف مشرَّبة بكمياء يصنعونها من أملاح الصوديوم يزداد اشتعالها في وجود الماء، فصارت السماء تمطر على الثوار بالنيران وعلى أسطح البيوت والحوانيت والمشربيات، تنتشر النيران في كل الجهات وبكل الأماكن والأبنية».

 يلخص المؤلف المشهد في قول أحد أبناء البلد الذي رآها كومة نار: «ليتني قُتلت أو مِت قبل أن أرى القاهرة هكذا». 

كان رد فعل المحتل الفرنسي عنيفًا، أقيمت محاكمة قضت بإعدام زملاء سليمان الثلاثة فقطعوا رؤوسهم بالسيف أمام عينيه ورفعوها فوق عصي طويلة وغرسوها أمام أعين سليمان المصلوب في أرض تل العقارب، ثم جمعوا الأخشاب والوقود وأحرقوا جثثهم أمامه.. وهم (محمـد وعبد الله الغزي وأحمد الوالي) أما الرابع واسمه (سعيد عبد القادر الغزي) فنجح في الهرب. والأربعة من غزة وكانوا يدرسون في الأزهر الشريف.

مصر وطن للجميع 

ـكانت مصر في ذلك الوقت وطن للجميع، والأزهر الشريف كان مدرستهم وجامعتهم يعيشون ويقيمون فيه ويدرسون بالمجان، ثم حكموا على سليمان بالإعدام على الخازوق في 17 يونيو 1800 وتلك عقوبة شنيعة لطول مدة التعذيب لعدة أيام حتى يموت المخوزق، ما زالت جمجمة سليمان الحلبي في (متحف الإنسان) بفرنسا، مكتوب تحتها «المجرم»، كان مقتل كليبر بداية النهاية للحملة الفرنسية.

وتستمر الأحداث واصفة في جزء كبير منها مساخر الفرنسيين ولياليهم الحمراء التي أفتتن بها ضعاف النفوس، وعلى الجانب الآخر من يخاصمون النوم ويبذلون ما يملكون لشراء الأسلحة لمقاومة المحتل، وفي نهاية المطاف وعند رحيل المستعمر الفرنسي تعود درة التي هى مصر إلى سيف الذي هو الشعب لتنتهي حلقة من حلقات النضال ضد الاستعمار، هدنة لمجرد التقاط الأنفاس استعدادًا لمواجهة المحتل الجديد وهو الإحتلال الإنجليزي، الذي تغلب على الفرنسيين بمساعدة ومباركة الباب العالي العثماني.

وكما يحدث في مثل تلك الحالة يفتك الناس بمن لم يستطع الهرب ممن كانوا موالين لقوات الإحتلال ويخربون بيوتهم وينهبون ما نهبوه من الناس؛ يذكِّرنا المشهد بما حدث بالأمس القريب من حالة الذعر التي تمثلت في هروب الموالين للأمريكان ضد طالبان وحالة غياب العقل التي أوصلتهم لدرجة التعلق في عجلات الطائرات.

ماذا حدث بعد جلاء الفرنسيين؟

 ومن طرائف تصفية الحسابات بعد جلاء الفرنسيين ما فعله شيوخ الأزهر في محاكمة الشيخ خليل البكري الطامح الطامع الذي تحالف مع نابليون، وعليه قلّده منصب «نقيب الأشراف»، وأشاع البكري أنه من نسل أبي بكر الصديق. المحاكمة شملت ابنته زينب التي خرجت على كل التقاليد حين قررت اعتناق نمط الحياة الفرنسية وخالطت الشباب بحرية تامة ويُقال أنها أقامت علاقات غير شرعية مع نابليون وهي ابنة ستة عشر عامًا، وكانت تتردد على بيوت الفرنسيين بعد أن فتح أبوها داره لهم لممارسة الفجور والخمور والنساء؛ وأسفرت محاكمة زينب بالحكم عليها بعقوبة (قصف رقبتها) وكانت أول مقصوفة رقبة في تاريخ المصريين الحديث والمعاصر، وشاع بين الناس مصطلح «البنت مقصوفة الرقبة».

لسنا بصدد عرض لأحداث الرواية وإنما هى قراءة فيها، بمعنى إظهار جماليات النص لتكون إضاءات متواضعة لقاريء الرواية.

تقنيات السرد البسيط في رواية «الحملة»

اعتمد المؤلف تقنيات السرد البسيط الذي يُعلي من شأن العاطفة ولا يغفل دور العقل، وهذا اللون من الكتابة يليق أكثر ما يكون بالتعامل مع أحداث التاريخ.

من تلك الإضاءات ما يُحمد للمؤلف حرصه على ذكر أسماء الأماكن بوصفها القديم مثال ذلك منطقة (الأوزبكية)ــمثلما كانت تُنطق_ نسبة إلى مؤسسها الأمير (سيف الدين أُزبك)، وكذا أسماء الشخوص “(بونابرتا) هكذا كان ينطقها المصريون.

كما يُحمد له وهو ينسج صفحات الرواية أنه لم يشطح بعيدًا عن الأحداث الحقيقة ويضيف من عندياته الكثير من الأحداث المتخيلة بدعوى السياق الدرامي للرواية؛ تحمل في حقيقتها ميوله السياسية وليس الأمانة التاريخية، وتلك مهمة صعبة جدًا وحيرة تنتاب من يتصدى لأحداث التاريخ بغية تقديم عمل روائي جيد، أقصد الالتزام بأحداث التاريخ وأسماء صناع هذا التاريخ الذين يفرضون أسماءهم على من يتصدى لمهمة الكتابة.

إضافة الشخصيات الخيالية 

من الجائز بل الضروري للمؤلف أن يضيف شخصيات من عنده يراها ضرورية لتخفيف الثقل التاريخي واعتدال الخط الدرامي لكنها لا تغير في أحداث التاريخ المتعارف علية والمستقر.

فكما هو معروف أن التاريخ يكتبه المنتصر، والمنتصر بطبيعة الحال سيشوه خصمه حتى لو كان نبيًا، وعليه فالصدق التاريخي جانب، وطزاجة الكتابة التي تنطق بالحياة؛ وكأن أحداثها تجري أمام أعين القاريء جانب آخر.. إذا اجتمعا كان ذلك من صالح العمل وجودته.

ومثلما يُحشد للمعارك حشد المؤلف لروايته، فقرأ جيدًا كل ما كتبه الذين عاشوا الأحداث وعاصروها، عمدته في ذلك المؤرخ الكبير عبد الرحمن الجبرتي وكتابه الفذ «عجائب الآثار في التراجم والأخبار»، كما ضمّن سطورها الرسائل الحقيقة التي كان يبعثها نابليون لقواده والتي كان يخاطب بها المصريين متزلفًا أو محذّرًا.

الاستعانة بالوثائق التاريخية

من خلال مذكرات نابليون، وذلك جهد محمود له؛ خير شاهد على ذلك ما جاء في الفصل 47  صفحة 344 رسالة مطوّلة كاملة وجّهها نابليون إلى كليبر ليخلفه في قيادة الجيش عندما اضطرته الظروف ترك مصر والعودة إلى فرنسا، شارحًا فيها كل كبيرة وصغيرة عن الموقف السياسي وأهمية امتلاك فرنسا لمصر، وعدد الجنود الذين فقدهم في الطاعون الذي ضرب البلاد، وكيفية التعامل مع بعض المصريين الموالين لهم وكثير من الأمور.  

أضف إلى تلك المصادر؛ ما كتبه علماء الحملة، ومنها ما نوَّه عنه المؤلف في نهاية الرواية، ولم يكتبه الجبرتي في يومياته، حيث قام به مراد بك حاكم القاهرة بحيلة خبيثة لهدم جامع عمرو بن العاص دون أن يغضب الناس مفادها تجديد المسجد والاعتناء به، لأن اليهود أخبروه بأن في باطن أرض المسجد كنز عجيب، وكان مراد بك يعشق المال ولا يخشى في سبيل الحصول عليه هدم المسجد أو غضب رب المسجد.

لهذه الميزات كانت هذه الرواية حلوة التناول والمذاق، أشبه مايكون بتقديم تاريخ المصريين رغم مرارته في ملعقة عسل،  وذلك يُضفي على الرواية وشاح الكمال الأدبي والتاريخي والإنساني.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى