إبداع

تخاصم أهل النار مع المؤمنين

الله تعالى وعد أهل الجنة النعيم وكل خير علمه الناس أو لم يعلموه

المستشار/شفيع الجرف
Latest posts by المستشار/شفيع الجرف (see all)

على الصراط يجعل الله تعالى للمؤمنين نورًا يضيء لهم ويمشون به وكل قُدِّر أعماله وحسناته في الدنيا، فيمشي المنافقون على آشعة هذا النور، فيحجب الله تعالى عنهم تلك الآشعة فيصبحون في ظلامٍ دامس لا يرون معه وقْع أقدامهم، فيقولون للمؤمنين: «انتظرونا نستضيء بنوركم»، فيسخر المؤمنون منهم ويقولون لهم: «ارجعوا إلى الدنيا لتجدوا نورًا فيها»، فيجعل الله تعالى حاجزًا بين المؤمنين وغيرهم له باب فيه رحمة من ناحية المؤمنين وعذاب ونار ناحية الآخرين.

وعندما يصل المؤمنون إلى هذا الباب فيتجهون منه ناحية الجنة ويظل غير المؤمنين في الظلمة، فينادون على المؤمنين: «ألم نكن معكم في الدنيا نصلي معكم ونكون في أول الصفوف ونصوم مثلكم ونشترك معكم في الجهاد؟»، يردون عليهم: «نعم كنتم تفعلون كل ذلك ولكنكم كنتم منافقين، شككتم في الدين وخدعكم الشيطان وغرَّكم برحمة الله الغَرور، فاليوم لا فداء يُقبل منكم أو من الكافرين».

قال تعالى: (يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمنوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ، فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ مَأْوَاكُمُ النَّارُ ۖ هِيَ مَوْلَاكُمْ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (الحديد 13،14، 15).

وعندما يرون النار رؤيا العين وحق العين يقولون ربنا أبصرنا وسمعنا ويختلسون النظر إلى النار التي أمامهم كأنهم لا يريدون رؤيتها، ويُخيَّل لهم أنهم لو لم يروها لن يواقعوها أو يدخلوها فيجتهدون في صرْف أعينهم عنها كمن يُساق إلى حبل المشنقة ينظر إليه بنصف نظرة، ولا يرغب في رؤية مما يُحاق به وما هو منتظره وهو في ذهول، وعندما يتيقنوا أنهم مواقعوها وقد شاهدوها وسمعوا زفيرها ونفورها يتمنون العودة إلى الدنيا فيؤمنون كما آمن الناس.

 وعندما يشاهد المؤمنون الذين نجَّاهم الله من النار وأنعم عليهم بالجنة حال أصحاب النار فيقولون لقد خسروا أنفسهم وأهلهم وسوف تكون النار دار خلودهم. 

قال تعالى: (وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمنوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ) (الشورى 44 – 45).

وعندما يرون أنهم قد أُحيط بهم وجاء اليوم الذي كانوا به يكذِّبون في الدنيا يأتون أيضًا يوم القيامة يكذبون كما كانوا يكذبون من قبل في الدنيا، ويحلفون أن وجودهم في الحياة الدنيا لم يستغرق سوى ساعة واحدة، ويقول أمثلهم طريقة لبثنا يومًا أو بعض يوم، ويقول آخرون لم نعد الأيام اسألوا العادين الذين كانوا يحصونها، فيرد عليهم العقلاء وأهل العلم ويقولون لهم أنكم كاذبون لقد لبثتم في الدنيا إلى الأجل الذي كتبه الله لكم فيها وقد استنفذتموه وهذا يوم الرجوع، هذا يوم البعث والنّشور والحساب الذي كنتم تكذِّبون حدوثه وتُنكِرونه، فلا يُقبل منكم اليوم أعذار أو توبة أو عتاب.

قال تعالى: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (55)  وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإيمان لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ الْبَعْثِ ۖ فَهَٰذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَٰكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (56)) (الروم 55، 57).

وكان من أروع مشاهد التخاصم بين أهل النار وأهل الجنة هو ما صوَّره الله تعالى لنا في سورة الأعراف في الآيات من 44 – 51 (وَنَادَى أصحاب النَّارِ أصحاب الْجَنَّةِ…).

 فبعد أن استقر كلٌ في مكانه، أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار ورجال الأعراف على مكان مرتفع لم يُفصل في أمرهم بعد وقد تساوت حسناتهم وسيئاتهم، يقفون على حاجز بين الجنة والنار، يمنع وصول أهل النار إلى الجنة ينادي أصحاب الجنة وهم في غبطة من حالهم وشماتة في أهل النار: أننا قد وجدنا ما وعدنا ربنا على ألسنة رسله من النعيم والكرامة حقًا فهل وجدتم يا أهل النار ما وعدكم ربكم من الخزي والعذاب حقًا؟ فيرد أهل النار: نعم وجدناه حقًا.

يقول ابن عباس ذلك أن الله وعد أهل الجنة النعيم وكل خير علمه الناس أو لم يعلموه ووعد أهل النار كل خزي وعذاب علمه الناس أو لم يعلموه، فذلك قوله: (وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ) ص 58، وأن الغرض من سؤال أهل الجنة هو إظهارهم السعادات الكاملة التي هم فيها وإيقاع الحزن في قلب أهل النار.

وقد يثور في الذهن أن الجنة في أعلى السموات والنار في أسفل الأرضين فكيف يسمعون بعضًا مع هذا البُعد الشديد؟ نقول أننا نحكم على هذا بمعيار الحياة الدنيا ولكن في الآخرة تختلف القوانين ولن يكون البُعد المكاني مانعًا من إدراك السماع، فكل ما يحدث يوم القيامة لا يمكن إدراكه الآن ولكن حدَّثنا الله ورسوله وبصيغة الماضي أنه قد وقع بالفعل أو سوف يقع على هذه الصورة المعجزة، فينادي منادٍ بين الفريقين وقد أسمعهم (يقول ابن عباس أن ذلك المؤذن من الملائكة وهو صاحب الصور الذي نفخ فيه. ويقول لعنة الله على الظالمين)، والمراد الكافرين والمشركين وغيرهم ممن ظلم نفسه وأقحمها النار والذين كانوا يمنعون الناس من قبول الدين الحق ويقدمون لأتباعهم الدلائل الكاذبة لكفرهم بالآخرة.

ويتابع ويشاهد الموقف رجال الأعراف وهم في مكانهم المرتفع وهم على علم بكل من الطرفين، فأهل الجنة بيض الوجوه وأهل النار سود الوجوه، فينظر هؤلاء الأعراف ناحية أهل الجنة ويقولون لهم سلام عليكم طبتم ويا سعدكم، أننا نطمع أن يدخلنا ربنا الجنة مثلكم، لأنه لم يُفصل في أمرهم بعد، وعندما تقع أعينهم تجاه أصحاب النار ويرون ما هم فيه من العذاب والهوان، يستغيثون ربهم أن لا يجعلهم معهم، ثم يرون من أهل النار رجالًا كانوا يعرفونهم سواء عاصروهم أو سمعوا عنهم  لاحقًا وهم رؤوس الكفر فيوبخونهم ويقولون لهم ما أغنى عنكم المال الذي جمعتموه وإعراضكم عن الإيمان، أكنتم تسخرون من هؤلاء المؤمنين وتحلفون في الدنيا أنهم لن يدخلوا الجنة، ثم ينظرون ناحية أهل الجنة ويقولون لهم ادخلوا الجنة رغم أنف أهل النار، تنعموا فيها غير محزونين.

قال تعالى: (وَنَادَى أصحاب الْجَنَّةِ أصحاب النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ، الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالآخرة كَافِرُونَ وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأعراف رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أصحاب الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أصحاب النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ  وَنَادَى أصحاب الأعراف رِجَالا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ  أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقسمتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ) (الأعراف: 44، 49).

وعندما يشتد العطش بأهل النار ويتألمون من الجوع ويبلغ منهم العذاب كل مبلغ يستغيثون بأهل الجنة أن يعطوهم شيئًا من الماء أو الطعام. يقول الثوري عن عثمان الثقفي عن سعيد بن جبير: (ينادي الرجل أخاه وأباه… لقد احترقت فأفض علي من الماء، فيردون عليهم أن الله حرمهما على الكافرين الذين كانوا يهزؤون من دين الله وجعلوا الدين سخريًا ولعبًا وخدعتهم الدنيا بزخارفها وشهواتها).

وروى الأعمش عن أبي صالح: (أنه لما مرض أبو طالب قال له المشركون: لو أرسلت إلى ابن أخيك هذا فيرسل إليك بعنقود من الجنة لعله أن يشفيك به، فجاءه النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر فقال أبو بكر: أن الله حرمهما على الكافرين).

قال تعالى: (وَنَادَى أصحاب النَّارِ أصحاب الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ، الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ) (الأعراف: 49،50).

 ثم يرى أهل الجنة وهم يجلسون على الأرائك متقابلين ومُنعَّمين بكل نعيم الجنة، يرون أن بعض أهل النار أشد عذابًا في سَقَر فيسألون بعضهم: «ما سبب عذابهم الشديد هذا؟، ثم يسألون أهل سَقَر: ما الذي جعل الملائكة تدفعكم دفعًا شديدًا إلى سَقَر؟ أي شيء ارتكبتموه حتى تنالوا هذا العذاب الأليم؟»

فيردون عليهم وهم يلتفحون بالنار من كل جانب: «لم نكن نصلي، وكنا نرى المساكين جوعى وعرايا فلم نكن نطعمهم أو نكسوهم»، أي أنهم كانوا لا يحسنون إلى الله ولا إلى العباد، «وأيضًا كذَّبنا وأنكرنا أن هناك يومًا مجموعًا له الناس ليحاسبهم الله عن أعمالهم في الدنيا، فيعقِّب الله تعالى على أقوالهم واعترافهم على أنفسهم بأنه لا تنفعهم اليوم شفاعة شافع حتى لو شفع لهم كل شافع ما قُبلت شفاعتهم ولن تنفعهم، فقد أعرضوا عن القرآن وما فيه من الآيات والذِّكر وفَرّوا منها كما تفِر الحُمر الوحشية من أسود الغابة.

يقول الزمخشري: فكون أصحاب اليمين يشرفون من أعالي الجنة على المجرمين فيسألونهم عن سبب ولوجهم تلك النار فيحصل جوابهم، وذلك إلهام من الله ليحمده أهل الجنة على ما أخذوا به من أسباب نجاتهم مما أصاب هؤلاء المجرمون فيفرح أهل الجنة على تلك الزياده التي يمُنَّها الله عليهم بجانب النعيم.

قال تعالى: (إِلَّاۤ أَصۡحَـٰبَ ٱلۡیَمِینِ (39) فِی جَنَّـٰتٍ یَتَسَاۤءَلُونَ (40) عَنِ ٱلۡمُجۡرِمِینَ (41) مَا سَلَكَكُمۡ فِی سَقَرَ (42) قَالُوا۟ لَمۡ نَكُ مِنَ ٱلۡمُصَلِّینَ (43) وَلَمۡ نَكُ نُطۡعِمُ ٱلۡمِسۡكِینَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلۡخَاۤىِٕضِینَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِیَوۡمِ ٱلدِّینِ (46) حَتَّىٰۤ أَتَىٰنَا ٱلۡیَقِینُ (47) فَمَا تَنفَعُهُمۡ شَفَـٰعَةُ ٱلشَّـٰفِعِینَ (48)) (المدثر: 39، 48).

ثم يقول أهل النار لبعضهم: «تعالوا نصبر ولا نصرخ من النار حتى يخفف الله عنا بعضها»، فيكتمون صراخهم وعويلهم، ثم لا يجدون من ذلك فائدة، فيقولون: «سواء صبرنا أم جزعنا لن يُخفَّف عنَّا من عذاب النار شيئًا»، ورؤية أهل الجنة أهل النار من أولادهم أو آبائهم أو أقاربهم أو أحبابهم، لا يجعل أهل الجنة في حزن وأسى عليهم، لأن كل الصلات والعلاقات تنقطع يوم القيامة إلا صلة التقوى والعمل الصالح، فقد نادى نوحٌ ربه عندما شاهد ابنه يغرق مع الكافرين، فقال: يارب إن ابني من أهلي، فقال الله له: أنه ليس من أهلك، إنه عملٌ غير صالح.

يقول ابن عباس: (يُفتح السور بين أهل الجنة وأهل النار فينظر أهل الجنة وهم على السُرر إلى أهل النار وهم يُعذَّبون، فيضحكون منهم ويكون ذلك مما أقرَّ الله به أعينهم).

من كتاب «تخاصم أهل النار» الصادر عن دار النخبة للنشر والطباعة والتوزيع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى