إبداع

لون جديد من السرد يعتمد الرعب «الميتافيزيقي»

«أسامة إبراهيم» يبدع في مغامرات ومفاجآت مع رشاقة العبارة ومتعة الوصف

محمد هلال

الدخول إلى عوالم المجموعة القصصية «كش.. مات» للمبدع أسامة إبراهيم مغامرة محفوفة بالمخاطر المدهشة واللذة المؤلمة والإرهاق الممتع، لذا يجب على من يرغب التجول في سراديبها ودهاليزها الموحشة أن يتدثّر بكم هائل من الجرأة والتحمل النفسي والإنساني حتى يمكنه التواصل مع هذا اللون الجديد من السرد الحديث لقصص تعتمد الرعب الميتافيزيقي مادة لها.

جانب آخر ربما أكثر أهمية وهو أن القصص تكشف الغطاء عن الكثير من غرائبية النفس البشرية وحيرة الإنسان وإحباطاته وإحساسه الخفي بالغربة والقلق من المجهول وعجزه عن فك طلاسم الحياة.

وقد حفلت نهايات الكثير من القصص بهذا العجز الذي لا تفسير له، نراه في نهاية «المرآة المتلصصة» ونهاية «القتيل المهاجر» وكذا نهاية «حوافر مجهولة» ونهاية «مسخ الإبراهمية» وإن كانت الخرافات الموروثة هي التي تجلت في قصة المسخ، إلا أن الخط النفسي واحد وهو توجس الشر دائمًا لما نعجز عن تفسيره لنكتشف أننا أبناء الأساطير.

«كش.. مات» لون جديد من السرد

تطالعنا المجموعة بغلافها الأحمر القاني بدرجاته التي تشي بلون الدم وفي وسطه جثة ملقاة على رقعة شطرنج كتمهيد نفسي للقاريء، لتذهب بنا إلى القصة الأولى التي تحمل عنوان الكتاب «كش.. مات» وهي الجملة الشهيرة التي تعلن إنتهاء لعبة الشطرنج بفوز أحد اللاعبين، لنتكشف بعد غرائبية الأحداث أن كلا الطرفين خاسر، أحدهما خسر حياته والثاني خسر عقله، لنلاحظ أن المؤلف قد غاص في نفوس شخصياته مستخرجًا منها إحباطاتها ليفرشها أمام القارىء على قارعة الطريق بأسلوب ساحر لا يعرف الافتعال.. يقول في قصة «كش ..مات» : «دخان السجائر الرخيصة يترنح في ميوعة كأنه تثاؤب غير مكتمل».

ملمح آخر صارخ مثل إشارات المرور في الطرق السريعة كثيرة الحوادث ينبهنا إلى أننا حيال قصص من نوع مختلف وهو العناوين الموحية بفحوى المضمون : «النوم مع الشبح.. البيت المفقود.. اللوكاندة المسكونة.. حفلة على شرف ميتة.. المرآة المتلصصة.. القتيل المهاجر..».

تكتسي تفاصيل القصص بالكثير من المفاجآت المرعبة التي يسقط لها قلب القاريء إذا ما عاش القصة وكأنه بطلها، أكثر من ذلك دهشة إن ما يحدث بالقصص على أنه خيال مؤلف ما هو إلا واقع معاش ربما أكثر غرابة يراه بعض الناس.. فكيف لك أن تصادف فتاة رأيتها في منامك مرات عديدة وتعيش معها بعض الوقت ثم تكتشف أن شهود عيان حملوا جثتها وتم دفنها قبل ذلك؟!

وكيف لك إذا كنت بطل قصة «البيت المفقود» أن تعود من عملك ولا تجد لبيتك أثرًا وينكرك كل أهل الشارع الذين كنت تتعامل معهم؟! وبشيء من إمعان النظر ستفاجأ بغرائب أسطورية.

المشاركة في أحداث القصة بمتعة الوصف

فما زال العَالم الذي نجح بعض رجاله الصعود على سطح القمر عاجزًا رغم هذا التقدم المذهل لمعرفة أسرار مثلث برمودا ! حتى لا تستغرقنا الأحداث نعود إلى الفن القصصي عند أسامة إبراهيم لنكتشف متعة الوصف ورشاقة العبارة ونعومة السرد حيث يستدرج المؤلف القاريء معه في رحلة رغم شدة غرابتها يجد نفسه مشاركًا في أحداث القصص، سواء بتذكر أحداث مثيلة حدثت معه أو مع غيره أو حفل بها ثراتنا الغني جدًا بهذا اللون..

يعرض لنا المؤلف لونًا آخر من روافد هذا الفن القصصي المرعب في قصته الأكثر غرابة «حفلة على شرف ميتة» حيث يستخدمنا القدر لتنفيذ مشيئته ليس بالضرورة فينا وإنما لنكون مجرد شبكة عنكبوتية لاصطياد ضحاياه لتنفذ مشيئته فيهم.

وتبقي كلمة وهي أن المجموعة القصصية «كش.. مات» جديرة بالقراءة عدة مرات، لسبب بسيط غير متعة القراءة وهي أن القاريء سيكتشف في كل مرة جوانب جديدة، فالنفس البشرية مليئة بالأغوار السحيقة.

تعليقات الفيس بوك
اظهر المزيد

محمد هلال

كاتب ومحرر صحفى بالأهرام صدر له مؤلفات: أفراح ما بعد موتي- عطش الشيطان- أهل الليل- أرض المراغة- ما تيسّر من سيرة العشق.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى