حول العالم

تعرَّف على «جلجامش» وأول قطعة أدبية مكتوبة

يعود تاريخها إلى القرن الثامن عشر قبل الميلاد

Advertisements

 المتفق عليه على نطاق واسع أن أول قطعة أدبية تمت كتابتها (أو نحتها) هي ملحمة جلجامش. وكما يوحي العنوان فهي قصة ضخمة عن الملك جلجامش الذي استخدم سلطة أشبه بسلطة الإله لاستعباد شعبه.

يبدأ التاريخ الأدبي لملحمة جلجامش بخمس قصائد سومرية عن بلجاميش (وهي الكلمة السومرية لجلجامش) ، ملك (أورك)، يعود تاريخ القصائد إلى عصر سلالة أور الثالثة.

ملحمة جلجامش أول قطعة أدبية مكتوبة

 استُخدمت هذه القصص المتفرقة فيما بعد كمصدر مرجعي لقصيدة ملحمية مجمّعة في اللغة الأكادية تحمل أقدم نسخة متبقية من تلك الملحمة المجمّعة اسم «البابلي القديم»، ويعود تاريخها إلى القرن الثامن عشر قبل الميلاد، وسُمّيت بالكلمات في مطلع القصيدة «أعظم جميع الملوك». لم يتبقّ من تلك القصيدة سوى بضعة ألواح طينية. أما النسخة التالية «القياسية» التي جمعها سين-لقي-ونيني يعود تاريخها إلى ما بين القرنين الثالث عشر والعاشر قبل الميلاد، وتحمل الاسم «هو الذي رأى الهاوية»،

 تطورت هذه الملحمة وكتبت على الألواح المسمارية منذ العهد السومري، ثم في العهود الأكادية والحثية والبابلية والحورية، وكتبت حولها دراسات لا تُعد ولا تُحصى. وتستوحي منها الكثير من الروايات والقصص إبداعاتها الفنية وواقعيتها ورمزيتها، فهي من أقدم القصص التي كتبها الإنسان، وقد أمكن مزجها ببراعة أدبية متناهية حول موضوع الملحمة الرئيس الذي يدور حول حقيقة (الحياة والموت).

معنى كلمة ملحمة

 فرغم الكفاح لبطل الملحمة جلجامش، إلا أنه لن يصل لتغيير حقيقة مصيره التي كان يبحث عنها وهي الحياة الأبدية في الوجود، ولهذا اقتنع أن يعيش ملكًا عظيمًا على الأرض، وليس له مكان في حياة الخلود التي كان يبحث عنها .. فما قصة هذه الملحمة التي نالت الشهرة العالمية وترجمت إلى كثير من لغات العالم؟!

من المعروف والمتداول أن كلمة (ملحمة) تُطلق على معركة حربية كبيرة بين جماعتين من البشر كلاهما قوي، وكلاهما يبتغي النصر على الآخر، وهنا في هذا الموضوع نحاول معرفة إن كان هناك في تراث الأدب العربي ملحمة أو ملاحم تشبه المعروف من الملاحم في الآداب العالمية ففي تراث أدب الرافدين لدينا ملحمة جلجامش (أو ملحمة كلكامش) وهي ملحمة  تعتبر من الأعمال الأدبية التاريخية القديمة وربما الأقدم على مر التاريخ وقد كتبت بخط مسماري على 12 قرصًا، أو لوحا طينيًا.

اكتشاف الألواح الطينية المكتوب عليها الملحمة

 واكتشفت لأول مرة عام 1853م  من قبل عالم الآثار هرمز رسام في موقع أثري اكتشف بالصدفة، وعرف فيما بعد أنها كانت المكتبة الشخصية للملك الآشوري (آشوربانيبال) في نينوى في العراق، ويحتفظ بالألواح الطينية التي كتبت عليها الملحمة في المتحف البريطاني، وتعتبر أقدم ملحمة معروفة في تاريخ البشرية تصور صراع البطل البشري جلجامش مع وحش يقوم على حراسة غابة الأرز وينتصر عليه وإلى جانب هذا الصراع ثمة جوانب من المشاعر الإنسانية في علاقة الصداقة بين البطل وجلجامش وبين صديقه إنكيدو.

 كما يوجد وصف بديع لسعي الإنسان نحو الخلود في البحث عن نبتة الحياة التي ما كاد يحصل عليها حتى خطفتها منه الحية رمز الشر في الحياة، وقد كتبت الملحمة بألواح باللغة الأكادية، ويعود تاريخ النسخة الأكادية إلى حوالي 1300 إلى 1000قبل الميلاد، ويحمل في نهايته توقيعًا لشخص اسمه سين -لقي- ونيني الذي يتصور البعض أنه كاتب الملحمة التي يعتبرها البعض أقدم قصة كتبها الإنسان .

تطور الملحمة

 تطورت هذه الملحمة في إبداعات شعرية كتبت على الألواح المسمارية منذ العهد السومري ثم تلتها محاولات في العهود الأكادية والحثية والبابلية والحورية، وكان ظهورها بشكل كامل في نهاية الألف الثاني قبل الميلاد، وهي الصيغة التي كشفتها أعمال التنقيب الأثري.

 وكتبت حول هذه الملحمة دراسات لا تُعد ولا تُحصى، واشبعت نقدًا وتمحيصًا ومعالجة، ومع ذلك لا زالت تظهر دراسات جديدة عنها وروايات وقصص ومعالجات إبداعية مستمدة من وحيها. ومن هنا يمكننا معرفة سر هذا الاهتمام العالمي بملحمة جلجامش التي تحلق بناء في فضاءات بعيدة عن الواقع المأساوي إلى عالم مثالي زاخر بالخير والحق والجمال.

 ولقد مزجت هذه الملحمة الحقيقية بالأسطورة والواقع والخيال وكانت واقعيتها مزخرفة بالحكمة وخيالها متسربل بالرمزية، وهي واقعية من حيث تناول الإنسان الحياة والموت وهي رمزية لأن أحداثها المفرطة ذات دلالات عميقة وأسطورتها ذات مرام بعيدة.

 وقد تم العثور على نسخة سومرية تكملة للملحمة والبعض الآخر يعتبر عملا مستقلا وقصة أخرى لأنه كتب بأسلوب آخر وفيه لا يزال أنكيدو على قيد الحياة، ثم ترجمت الملحمة لأول مرة إلى الإنجليزية في سنوات تلت عام 1870م من قبل جورج سميث الذي كان عالم آثار متخصص في المرحلة الآشورية في التاريخ القديم .

شخصية جلجامش

تبدأ الملحمة بالحديث عن جلجامش (ملك أورك) الذي كان والده الكاهن (لوجا لباندا) بشرا فانيا ووالدته (إلهة) خالدة وهي الملكة (نينسون) وبسبب الجزء الفاني في دمه يبدأ بإدراك حقيقة أنه لن يكون خالدًا، وفي هذه القصة نجد جلجامش لم يكن ملكًا محبوبًا من قبل سكان أورك، حيث كان يجبر الناس على بناء سور ضخم حول أورك، وقام الناس بالدعاء إلى الآلهة ويصرخون لملك السماء العظيم ( آنو ) للمساعدة، وكان رد الملوك العلياء هو إرسال رجل متوحش، أو مجنون باسم (أنكيدو كي)  ينافس الملك جلجامش، وقد كان على النقيض تمامًا من شخصية جلجامش، حيث كان رجل وحشي في البرية، ويأكل الأعشاب ويشرب الماء مع الحيوانات، ولكن أنكيدو تحضَّر نوعًا ما بعد أن حاز على دروس من كاهنة المعبد (شمات) التي علمته كيف يأكل مثل إنسان طبيعي، وكانت تخبره عن الملك جلجامش، وأنانيته وقوته فقرر أن يتحدى جلجامش فتوجه أنكيدو إلى أورك، والتقي بجلجامش كي تبدأ معركة ملحمية بين الاثنين انتهت بفوز جلجامش في المعركة، وأصبح بعدها هو وأنكيدو أفضل الأصدقاء.

في غابة أشجار الأرز

 يتعلق النصف الأول من الملحمة بمغامرات جلجامش وأنكيدو، ورحلتهما نحو غابات أشجار الأرز بعد حصولهما على مباركة (شمش إله الشمس) الذي كان -أيضًا- إله الحكمة عند البابليين والسومريين، وهو نفس الإله الذي نشاهده في مسلة حمورابي وأثناء الرحلة يرى جلجامش سلسلة من الكوابيس والأحلام، لكن أنكيدو الذي كان في قرارة نفسه متخوفًا من فكرة قتل حارس الغابة يطمئن جلجامش بصورة مستمرة على أن أحلامه تحمل معاني النصر والغلبة، وعند وصولهما للغابة يبدآن بقطع أشجار الغابة فيقترب منهما حارس الغابة (هومبابا) ويبدأ القتال العنيف، ولكن الغلبة كانت لجلجامش وأنكيدو، حيث وقع هومبابا على الأرض، وبدأ بالتوسل منهما كي لا يقتلاه، ولكن توسله لم يكن مجديًا، حيث أجهزا عليه الإثنان واردياه قتيلًا.

. أثار قتل حارس الغابة غضب (آلهة الماء) أنليل، حيث كانت أنليل هي الآلهة المسؤولية عن حراسة الغابة بواسطة (هومبابا) الذي كان يعتبر وحشًا مخيفًا.

شهرة جلجامش

 يبدأ اسم جلجامش بالانتشار ويطبق شهرته الآفاق فتحاول الآلهة (عشتار) التقرب منه بغرض الزواج من جلجامش، ولكنه يرفض العرض فتشعر عشتار بالإهانة وتغضب غضبًا شديدًا، فتطلب من والدها آنو (إله السماءان) ينتقم لكبريائها فيقوم آنو بإرسال ثور مقدس من السماء، لكن أنكيدو يتمكن من الإمساك بقرن الثور، ويقوم جلجامش بالإجهاز عليه وقتله وبعد مقتل الثور المقدس يعقد الإله اجتماعًا للنظر في كيفية معاقبة جلجامش وأنكيدو لقتلهما مخلوقًا مقدسًا، فيقرر الإله آنو قتل أنكيدو لأنه كان من البشر، أما جلجامش فكان يسري في عروقه دم الآلهة من جانب والدته التي كانت إلهة فيبدأ المرض المنزَّل من الآلهة بإصابة الصديق الحميم فيموت بعد فترة.

جلجامش يبحث عن الحياة الأبدية

 في النصف الثاني من الملحمة فإن البطل جلجامش يسعى إلى الخلود والأبدية، ويبدأ بالبحث عنها بعد أن شعر بالخوف على حياته وحزنه على وفاة صديقه الوفي، فأراد إيجاد طريقة للحفاظ على شبابه وعدم الاقتراب من الموت، بل النجاة منه إلى الأبد، لذلك بدأ برحلة بحث عن (اوتنابشتم) وهي الشخصية المخلدة التي هنالك عدة خرافات حولها مثل أنها نجت من الطوفان العظيم ولذلك أصبحت مخلدة، وعندما عثر عليه جلجامش أخيرًا طلب منه المساعدة في امتلاك الخلود والنجاة من الموت.

وحاولت هذه الشخصية المخلدة مساعدته عبر توجيهه نحو نبتة يمكنها تجديد الشباب، ولكن للأسف بعد حصول الملك الحزين على هذه النبتة تم أكلها من قبل أفعي يعود بعدها جلجامش إلى (وتنابشتم) وهو لا يزال بعيدًا عن الخلود، ويطلب منه ذلك الأخير قبول واقع أنه غير مخلد. يعود بعدها جلجامش ويصبح ملكًا صالحًا ويحكم لمدة 126 عامًا وفقًا لقائمة ملوك سومر.

آراء العلماء عن ملحمة جلجامش

يقول العالم (سبايزر ) في تعليقه على طبيعة ملحمة جلجامش تتعامل مع أشياء من عالمنا الدنيوي مثل الإنسان والطبيعة والحب والمغامرة والصداقة والحرب، وقد أمكن مزجها جميعًا ببراعة متناهية لتكون خلفية لموضوع الملحمة الرئيس ألا وهو (حقيقة الموت والحياة) وأن الكفاح الشديد لبطل الملحمة من أجل تغير مصيره المحتوم عن طريق معرفة سر الخلود من رجل الطوفان ينتهي بالفشل في نهاية الأمر، ولكن مع ذلك الفشل يأتي شعور هادئ بالاستسلام، ويحول جلجامش جهوده إلى الحكم كملك حكيم عادل فقد أصبح مدركًا كل الإدراك أن مصيره هو أن يكون عظيمًا على الأرض، وليس في حياة الخلود، وأقصى ما يمكن أن يفعله كملك بشري، ولأول مرة في تاريخ العالم نجد تجربة عميقة بهذا المستوى البطولي وبإسلوب شعري رفيع وهذا ما جعلها تنال إعجاب الناس في كل العصور والأزمنة، لذلك وجدت أجزاء منها في أماكن عديدة خارج بلاد الرافدين وتم ترجمتها إلى كثير من اللغات .

تم اكتشاف الألواح الخاصة بهذا الكتاب في عام 1853 ولكن يُعتقد أنها كتبت في حوالي 2000 قبل الميلاد، وهذا سيجعلها أقدم بـ 1500 عام من إلياذة هوميروس.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى