حول العالمغير مصنف

تمثلات التعالق النصي في روايات «شاوي»

دراسة للناقد صباح هرمز في مفهوم التناص في المتاهات

الناقد القدير صباح هرمز، يتوغل في مفهوم التناص في متاهات الأديب العالمي برهان شاوي، من خلال أربع روايات:  «متاهة حواء»، «متاهة العميان»، و«متاهة العدم العظيم» الصادرة عن دار النخبة، ورواية «في البدء كانت الخطيئة».
 
نص الدراسة النقدية..
 
 
إن التعالق النصي هو كل علاقة تكون بين ملفوظين. إن عملين لفظيين أو ملفوظين أثنين متجاورين الواحد مع الآخر، يدخلان في نوع خاص من العلاقات الدلالية ندعوها نحن علاقة حوارية.
 
والعلاقات الحوارية هي علاقات دلالية بين جميع الملفوظات التي تقع ضمن دائرة التواصل اللفظي. إن التناص ينتسب إلى الخطاب ولا ينتسب إلى اللغة، ولذا فإنه يقع ضمن مجال اختصاص عبر اللسايات ولا يخص اللسانيات، وعلى كل حال فليست كل علاقة بين ملفوظات بالضرورة ذات طبيعة تناص.
 

في البدء كانت الخطيئة 

تكشف هذه الرواية عن تناصها مع إنجيل يوحنا (في البدء كان الكلمة)، بموازاة عبارة (في البدء كانت الخطيئة)، ذلك أن الكلمة هو السيد المسيح والله، ولم يذهب إلى تأنيث كلمة (كان)، بجعلها (كانت)، بعكس مؤلف الرواية الذي أضاف حرف التاء على كلمة كان، وهو بذلك على الرغم من الغموض السائد في الجو العام للرواية، سهّل على المتلقي عملية فهمه لهذا الجزء من تقنية التناص، أي بالربط بين كلمتي الكلمة والخطيئة.
 
يأتي عنوان الرواية، وهو العصب الجوهري لمتن النص في المطهر خلافًا، لما جاء في الجحيم، إذ اتبع دانتي في الأخير تقسيمًا للخطايا أرسطيًا ثابتًا ولا يقبل الزحزحة، أما في المطهر يتبع تقسيمًا للخطايا يربطها على الفور بالأفق المسيحي، شأنه شأن عنوان روايتنا هذه الذي ربط المؤلف عنوانها بإنجيل يوحنا، واللافت للنظر أن إنجيل يوحنا يأتي ذكره في الكوميديا الإلهية لدانتي أيضًا.
 
2- وفي الصفحة (313) يكشف آدم السيد، وهو أحد شخصيات الرواية عن تناص ملحمة (الراماينا) الهندية مع شخصية حواء قوت القلوب من خلال سرد آدم الإبراهيمي لأحداث الملحمة وإستحضارها، ذلك لأن قوت القلوب مثلها مثل (سيتا) بطلة ملحمة الراماينا وجدت في الغابة.
 
3-وفي الجزء الثاني من الباب الثاني للرواية، يكشف عن تناص هذه الرواية مع رواية الأعمى (لجوزيه ساراماغو)، من خلال إصابة كل العاملين في المشفى بالعمى، ولكنهم يتحدثون ويتحركون بصورة صحيحة وكأنهم مبصرون.
 
وهنا يطرح هذا السؤال نفسه بإلحاح: ترى هل أن انتقال المؤلف، بين السارد الموضوعي، لجعله قارئًا، وشخصيات الرواية لجعلها شخصيات متقاربة ومختلفة مع بعضها في آن، هو لغرض الكشف عن تناص عنوان الرواية مع الكتب المقدسة، وبالمقابل عدم اعتماده على المتلقي بالكشف عن عنوان الرواية، يدل على فقدانه الثقة فيه، في تفسير وتحليل وتأويل منجزه، وبالتالي بنظرية التلقي؟ أم أنه يسعى إلى البحث عن أساليب حديثة، تختلف في طريقة توظيفها عن الأساليب القديمة؟
 

متاهة حواء

1-أحداث كلا الروايتين، الرواية التي نحن بصددها، ورواية (الجحيم) لهنري باريوس؛ تجري في فندق، من خلال مراقبتهما لما يجري في الطرف الآخر، عبر ثقب في الجدار.
 
يعتبر كولن ولسن رواية الجحيم، مثلًا لنموذج اللامنتمي في الأدب الحديث، حيث تدور أحداثها حول بطلها الذي يلجأ إلى غرفته في الفندق ليراقب الآخرين من ثقب الباب، إذ تنطلق أفكاره بصورة غامضة عن حب قديم وما فيه من ملاذ، ويراقب من مكانه الغرفة الثانية في الجدار ليرى امرأة تتعرى، فيلتهب جسمه بسياط الشهوة. وبطل متاهة حواء هو الآخر مثل بطل الجحيم يراقب فتاة لا تتجاوز العشرين من عمرها ويشاهدها في لقطتين، في اللقطة الثانية تسعى أمها في إقناعها عن ثنيها بإدلاء شهادة الزور ضد المدير العام؛ من خلال حض مجموعة من الفاسدين لها، لرفضه أخذ الرشوة، واللقطة الأولى في مشاهدته لها عارية، وفي وضع جنسي مع الذين يطلبون منها أن تدلي بشهادة زور ضد المدير العام، ليقارن آدم المحروم نفسه مع بطل رواية الجحيم، باعتبار أن كليهما يبحثان عن الحقيقة، ولجليل القيسي قصة قصيرة بعنوان (السمكة)، يراقب فيها بطل القصة من خلال ثقب الباب، المرأة التي يعمل عندها، وهي تقوم بأوضاع مثيرة في غرفتها، مثله مثل بطل رواية متاهة حواء.
 
2- يسعى آدم التائه لبلوغ الحقيقة، في سر ظهور شبح الراهبتين له في المشفى، ونفي الممرضات وجودهما فيه، تحليل ما رأى بحثًا عن تفسير منطقي لهذا السر، ليجد في شبح بوح روح الأب الملك القتيل لأبنه هاملت، وكذلك في الكوميديا الإلهية لدانتي التي روح فرجيل هي التي تقود دانتي إلى الجحيم في المطهر، هما أقرب نموذجين إلى الهلوسة التي يعيش ويمر بها، عبر عدم تمييزه بين الوهم والواقع.
 
3- أن آدم البغدادي لا يستهل روايته هذه، بنص مقتبس من كتاب (حياة روسيني) للكاتب الفرنسي ستندال فحسب، بل يأتي على ذكره مرتين، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على أهمية هذا النص في الرواية، والدور الذي يلعبه في بناء أحداثها وشخصياتها.
 

متاهة العميان

أن ما يميز أسلوب برهان شاوي في تناصه مع النصوص الأخرى، ويختلف عنها، بالإشارة إلى النصوص الغائبة مع أسماء مؤلفيها، وتسليط الضوء على مضامينها، على نحو مخالف لما يعتمد عليه معظم الروائيين في تناصهم مع النصوص الأخرى، إذ غالبًا ما يقتطفون عبارة معينة من النص الغائب لإقامة علاقة مع النص الراهن، وهم بهذا مقارنة مع منحى شاوي، يصعبّون على المتلقي عملية فهمه لتقنية التناص، والصلة التي تربط بين النصين، وعلى نحو خاص غير المثابر، بعكس شاوي الذي يسهّلها على المتلقي.
 
وأبرز أنواع التناص الذي يعول عليها في روايته هذه هي: التناص الديني، والتناص الصوفي ، والتناص الأدبي، أما في مجمل رواياته، فبالإضافة إلى هذه التناصات، فقد عول على التناص الأسطوري والتناص السيري والتناص التأريخي، أي أنه وظف كل الأنماط المعروفة في التناص، وأختبرها في منجزه السردي، ولا أتصور ثمة تجربة مماثلة لهذه التجربة، سواء كان ذلك في الرواية العربية أو العالمية.
 
1- التناص الديني: يعد الموروث الديني من المعطيات الأساسية في حياة الإنسان، والإنجيل المقدس وهو الحلقة الأهم في هذا الموروث، باعتباره الدستور الأبرز الذي يعتمد عليه المسيحيون في تنظيم حياتهم الاجتماعية وممارسة طقوسهم الدينية، جاعلين من السيرة التي كتبها تلاميذ سيدنا المسيح، والكلمات التي نطق بها، نبراسًا يهديهم إلى الطريق الصحيح، ويخلصهم من الدروب الضيقة والمظلمة.
 
ومتاهة العميان، تسعى من خلال الاعتماد على خطف الطفل (هابيل) الذي هو ابن آدم المحروم، وحواء الزاهد؛ مد جسر محكم بين ما جرى للمسيح قبل ألفي سنة وبين ما يجرى حاليًا في العراق، فقد ورد في الكتاب المقدس – العهد الجديد – في الصفحة الخامسة منه ما يلي: (وبعدما أنصرف المجوس، ظهر الملاك الرب ليوسف في الحلم وقال له، خذ الطفل وأمه واهرب إلى مصر وأقم فيها، حتى أقول لك متى تعود، لأن هيرودتس سيبحث عن الطفل لقتله.)، فقام يوسف وأخذ الطفل وأمه ليلًا إلى مصر، فأقام فيها إلى أن مات هيرودتس، ليتم ما قال الرب بلسان النبي: (من مصر دعوت ابني)، في إشارة واضحة إلى اختطاف النظام الذي جاء بعد السقوط، لانتفاضة الشباب، وهروبهم من قبضة جلاوزته واختفائهم في الأماكن التي لا يستطيعون الوصول إليها، وفي الوقت نفسه إيماءة إلى تهريب آدم أبو التنك للطفل هابيل من شقة حواء الكرخي إثر مقتلها على أيدي مجهولة.
 
لكون الطفل هابيل نجل آدم المحروم وحواء الزاهد، وبوصفه رمزًا للسيد المسيح، فمن المنطق أن يعد آدم المحروم رمزًا ليوسف النجار، وحواء الزاهد رمزًا لمريم العذراء، ولكن الإشكالية التي تقف إزاء آدم المحروم ألا يكون كذلك، بالرغم أنه عاش لفترة مع حواء الزاهد، أنه لم يكن الشخص الذي قام بتهريب الطفل هابيل (المسيح)، أن تهريبه تم على يد آدم أبو التنك، حيث كان في شقة حواء الفارسي الفتاة العراقية التي تعمل في خدمتها: (ترك لآدم أبو التنك جثة حواء الكرخي ملقاة على الأرض وذهب مسرعًا ليأخذ الطفل هابيل وحقيبة المخطوطات).
 
وإذا كان الأمر كذلك، فإن آدم أبو التنك هو أقرب إلى هذا الرمز، قياسا بآدم المحروم، لسبب مقنع ومنطقي جدًا، ليس لأن يوسف كان عاجزًا جنسيًا، بل لأن آدم أبو التنك كان يعاني من هذا النقص، انطلاقًا من أن السيدة مريم كانت مخطوبة ليوسف، فتبين كما يقول إنجيل متي (لوقا 2 : 1 – 7): (قبل أن تسكن معه أنها حبلى من الروح القدس. وكان يوسف رجلًا صالحًا فما أراد أن يكشف أمرها، فعزم على أن يتركها سرًا).
 
باستثناء شخصية الطفل هابيل، لم يكشف المؤلف عن هويته، من مجموع التناصات الموظفة، مكتفيًا بالإشارة إلى إنجيل متّي، وكذا الحال بالنسبة إلى (آدم آدم) وهو يحيط الطفل بهالة من القدسية التي لا تتلائم إلا مع شخصية السيد المسيح، وكما وصفت في الكتاب المقدس: (انحنت برفق ووضعت الطفل هابيل في المهد ملفوفًا بالمنشفة، انتبهت إلى وجه الطفل هابيل. . كان يضيء محاطًا بهالة وكأن ثمة شمعة تضيئه، وكان هو ينظر إليها نظرات ذكية وواعية، وكأنها نظرات لا تعود لطفل رضيع وإنما لإنسان بالغ).
 
أما في إنجيل متّي وتحت عنوان ميلاد يسوع (لوقا 2: 1- 7) فقد جاءت سيرة ميلاده على هذا النحو: (فلما سمعوا كلام الملك انصرفوا، وبينما هم في الطريق إذا النجم الذي رآه في الطريق يتقدمهم حتى بلغ المكان الذي فيه الطفل فوقف فوقه).
 
ولو قرأنا في الكوبيديا عن تصور الشيعة الأثنا عشر بالمهدي المنتظر، لوجدنا في الحوار الدائر في الرواية، بين أبو التنك والشبيبي، ورود مفردتي الغيبة الكبرى والغيبة الصغرى اللتين يعيشهما المنتظر. فالغيبة الصغرى هي الفترة التي اختفى فيها آدم آدم عن أمه، حتى ظنته ميتًا. أما الغيبة الكبرى فتبدأ من لحظة ذهابه مع الرجال الملتحين الأربعة، وهو يبلغ صديقه بعودته، هذه العودة التي ما زال الشيعة ينتظرونها.
 
جاء فيها ما يلي: (يعتقد الشيعة الإثنا عشر أن المهدي المنتظر هو الإمام الغائب محمد بن الحسن العسكري، وهو آخر أئمتهم الذي يُقال أنه وُلد في سامراء عام 225 هجرية، حيث يعتقد هؤلاء الشيعة بأنه لا يزال حيًا ويعيش في الغيبة الكبرى بعد انقطاع أخباره والتي كانت تأتي أثناء غيبته الصغرى بواسطة سفرائه الأربعة).
 
والشيء نفسه ينطبق على السيد المسيح، إلا أن غيبته الكبرى بدأت وهو في المهد، وليس في سن المهدي المنتظر الأقرب إلى سن المراهقة.
 
الصوفية: لوقوع آدم الشبيبي تحت تأثيرات المذهب الصوفي، وتشابه الأحداث والحكايات المأخوذة، سواء من أقوال السهروردي، أو كتاب (منطق الطير) لفريد الدين العطار، مع ما يعانيه من المصاعب في الدروب والطرقات الصعبة التي يسير فيها، لذا غالبًا ما تتردد أقوالهما وحكاياتهما على لسانه، سيما إثر لقائه بحواء المغربية المهووسة بالتصوف والعرفان، التي جاءت إلى العراق لزيارة ضريح السهروردي الذي أمر صلاح الدين الأيوبي بقتله، وعلى وجه الخصوص في قول السهروردي: (إن الحقيقة شمس واحدة لا تتعدد مظاهرها في البروج. المدينة واحدة والدروب كثيرة. والطرقات غير يسيرة)، تأكيدًا على ما جاء في إستهلال الرواية. وكذلك على الحكمة التي جاءت في منطق الطير، إذ كل الطيور ترفض قيادة المسيرة إلى الوديان السبعة وصولًا إلى السيمرغ، ما عدا الهدهد الذي يقوم وحده بهذه المهمة المستحيلة.
 
وفي هذا الطريق يوجد سبعة أودية، وهي: وادي الطلب ثم وادي العشق فوادي المعرفة ووادي الاستغناء عن الصفة ووادي التوحيد الطاهر ووادي الحيرة الصعب والوادي الأخير هو وادي الفقر والفناء. تأكيدًا على ما جاء في استهلال الرواية أيضًا، أي على وجود قلة من الناس بوسعهم التعرض إلى المصاعب للوصول إلى أهدافهم.
 
السوريالية: تفيض الرواية بالصور السوريالية، ويتجاوز عددها على عشر صور التي لا يبثها المؤلف عن فراغ، ما لم يسبقها بمسوغ، فكما أفضت الصوفية الصور السابقة إلى السوريالية، كذلك أفضى الحوار الدائر حول فلسفة وجود الله والعدم بين الشبيبي وحواء البوسني إلى توتر شديد لدى حواء، بحيث أنها: (عندما نهضت لتعد له القهوة، لم تعره سمعًا، ونهضت بشكل آلي وكأنها سائرة في النوم). أي أن الرعب والتوجس من حدوث شيءٍ ما لاحقًا، هو الذي يؤدي إلى الصور السوريالية: (العقل الباطني).
 
واللافت للنظر أن شاوي، يجزأ هذه الصور إلى لقطات عديدة، أقرب إلى لقطات سينمائية. كما مثلًا في الصورة التي نحن بصددها، تبدأ اللقطة الأولى من لحظة نهوض البوسني التي من المفروض أن تتوجه نحو المطبخ لتعد القهوة للشبيبي، غير أنها، وهي اللقطة الثانية، تفتح الباب المقابل للمطبخ، واللقطة الثالثة بقفلها للباب، واللقطة الرابعة بسماع الشبيبي للباب وهي تطبق وصوت مفتاح يتحرك في الرتاج، وهكذا إلى أن تدعوه البوسني إلى الهروب، متمثلة بالصور السوريالية التالية:
 
-صدور مواء القطط من الغرفة الوحيدة المقفلة.
 
-تداخل مواء القطط مع بعضها وكأنهن يعتذرن للبوسني أو يؤكدن بأنهن لم يكذبن.
 
تحول البوسني لعدد من الحواءات. 
 
-خرمشات على الباب.. لكنها صارت مثل ضرب على الباب.. توجه نحو الباب.. فتحه لم ير أحدًا.. لكن ترآى له قط أسود كبير يجتاز العتبة داخلًا إلى الشقة.. متجهًا نحو الغرفة التي دخلتها البوسني. واخترق الباب دون أن يفتح له.
 

مع الروايات

 
1- ستندال: كما يبدو أن المؤلف لوقوعه تحت تأثيرات هذا الكاتب، غالبًا ما يأتي على ذكره، فقد مر عليه أيضًا في روايته (متاهة آدم) حيث يقتنص نصًا منه كموجه للرواية. وقد بلغ إعجابه به إلى درجة أنه يصفه بالنبي، أو أحد أنبياء الحب، لأن له كتابًا فيه تعاليمه المقدسة عن الحب. وقد جاء ذكره من قبل الشبيبي لرغبته دراسة الأدب الفرنسي، واقترانًا بالحنين الذي تضمره حواء الفارسي تجاه الطفل هابيل بوجه خاص، وحبها للناس عامة، واستعدادها لتربيته، أي موازاة حب النبي ستندال بحب حواء الكرخي للنبي الطفل هابيل.
 
البرتو مورافيا: يتسم أدب مورافيا بالتبسيط في سرد مشاعر الجنس لدى أبطال رواياته والتداخلات التي تنشأ عبر تلبية تلك المشاعر والرغبات، حيث يركز على التحليل النفسي لنوع العلاقة بين الجنسين. وروايته السأم التي يأتي على ذكرها فيها من قبل شخصية (آدم كارثة) هي قصة رسام ملّ فنه وحياته، فحاول من خلال علاقة مع حبيبته أن يعقد من جديد صلة قوية مع الواقع. والسؤال المطروح هنا هو: هل استطاعت هذه العاطفة إبعاد شبح السأم عن هذا الفنان؟
 
إذا كان شاوي قد ربط اسم ستندال بالحب، بهدف رسم جزء من معالم شخصية حواء الفارسي في انجذابها للطفل، وحبها له، فإنه في ذكره لرواية السأم لمورافيا، يسعى إلى رسم الجزء المتبقي من شخصيتها من خلال إحساسها بالسأم، أو كما تقول هي: (لكني كثيرًا ما أحس بالضجر وتكرار الأيام والليالي. . والقيام بالأفعال والأعمال نفسها.. لا شيء أكثر مرارة من الضجر.. أو السأم).
 

متاهة العدم العظيم

تكشف هذه الرواية عن تناص شخصياتها مع شخصيات لروايات أخرى، كما في تناص شخصية (غوريلا) مع أبطال روايات تيار الوعي الذين يرصدون تحولاتهم الفكرية وانفعالاتهم أكثر مما يحللون الواقع الذي هو مصدر انفعلاتهم والدافع لها، أمثال انفعالات ناتالي ساروت، وجوليان سورين بطل رواية الأحمر والأسود لستندال.
 
ولا تأتي هذه المقاربة من قبل آدم الأكويني لشخصية الغوريلا وتناصها مع الروائية ناتالي وشخصية جوليان عبثًا، أو بشكل اعتباطي، وكذلك مع رواية (لوليتا)، حيث عشق الأستاذ الجامعي صبية بسن ابنته، بل لاقتران عشقه لفتاة هي الأخرى بسن ابنته، بمسوغ أن الروح لا تشيب ولا تهرم.
 
ويكشف تناص حواء المتهورة مع الكاتبة (أنايس ين) لأنها لا تحب الشباب اليافعين، بل الكبار في السن. والثانية لأنها أرتبطت بعلاقة مع الكاتب المعروف هنري ميلر الذي يكبرها بعشرات السنوات. وكذلك في تناصها مع زوجة البرتو مورافيا الأخيرة التي يكبرها أربعين عامًا.
 
أما تناص حواء العاقل مع شخصية (مدام بوفاري) فمرده لأن كلتا الشخصيتين تمران بتجربة العشق لأول مرة. إذا كانت حواء العاقل أثناء احتضانها لآدم الأكويني: قد انتبهت إلى أن دفقات لا إرادية من مشاعر اللطف والمودة تغمرها نحوه، لتسأل نفسها: (أيمكن له أن يكون حبيبي؟)، فإن مدام بوفاري حينما عادت من أول لقاء لها في مغامرتها الأولى صرخت مع نفسها بحبور: ( الآن عندي عشيق).
 
وشخصية اللا أحد تكشف عن تناصها مع شخصية (راسكولينكوف) بطل رواية الجريمة والعقاب لدويستوفسكي، من خلال عشقه وهيامه بهذه الشخصية، بلوغًا حد تقمصها، وإطلاعه على أدق تفاصيل حياتها، على سبيل المثال لا الحصر، فهو يعرف عدد الخطوات التي قطعها راسكولينكوف منذ لحظة خروجه من منزله وحتى الوصول إلى باب المرابية العجوز. كما أنه هو نفسه كان يشبه نفسه بتلك الشخصية الروائية: (فقد كان يقول إنه مثل راسكيلنكوف كما وصفه دويستوفسكي، بل كما تركه وهو ينتقد نفسه ويبوح في لحظة تداع نفسي بأنه إنسان غيور، حسود، منحط، شرير، حقود، يحب الانتقام، ومهيء للجنون). كما أنه يسمي المرأة السمينة التي يؤجر إحدى غرف منزلها بحواء المرابية، اقترانًا بشخصية المرابية في الجريمة والعقاب التي يقتلها راسكيلينكوف، فضلًا عن ساعته المرهونة لديها، مثله مثل راسكيلينكوف تمامًا المرهون ساعته لدى المرابية العجوز.
 
المصادر:
– نظرية التناص: جراهام ألان، ترجمة د. باسل المسالمة. دار التكوين. دمشق سوريا.
– كسر تابوهات الثالوث المحرم في روايات برهان شاوي. تأليف صباح هرمز. منشورات مقبرة الكتب عام 2023.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى