إبداع

«جثة ستيفان محمد» إحدى القضايا المسكوت عنها

رواية تكشف زيف حلم الهجرة إلى أوروبا

صلاح صيام
Latest posts by صلاح صيام (see all)

تحت عنوان «جثة ستيفان محمد… رواية جديدة تكشف زيف حلم الهجرة إلى أوروبا»، نشرت مجلة «مصر المحروسة» أحد مواقع الهيئة العامة لقصور الثقافة، قراءة الكاتب صلاح صيام للرواية.

عاشت 20 عامًا في أوروبا، لذلك فهي تحمل في ذاكرتها عشرات القصص الواقعية عن أحوال المهاجرين المصريين، وتلك القصص مليئة بالأحداث التي تفوق الخيال، تقدم لنا إحداها الكاتبة الصحفية والروائية «فكرية أحمد»، وهي رواية «جثة ستيفان محمد» التي تحكي مأساة الفهم الخاطئ للحياة التي نعيشها، ويعتقد البعض أنها واحدة، فلا يعترفون بحياة أخرى هي أبقى، ومن ثم فهم ينكرون وجود الله عز وجل ويرددون مقولات باطلة عن شياطين الإنس.

وبجرأة لا تخلو من الإمتاع تأخذنا الرواية إلى مناقشة عدة قضايا مسكوت عنها ومتفرعة من القضية الأم، مثل تعرض الأطفال للاعتداء الجنسي خاصة من إخوانهم، والتطرف الديني سواء الإسلامي أو المسيحي، بالإضافة إلى السطو على الإبداع والذي يطلقون عليه زورًا وبهتانا «اقتباس».

بطل الرواية يدعى أيمن محمد شوكت أو «ستيفان» بعد ذلك، عاش طفولته في تناقض غريب، بين أم صالحة مستقيمة تسعى جاهدة لإسعاد زوجها وأولادها على حساب أي شيء حتى نفسها، قانعة راضية، وأب متمرد متحلل من كل القيم والمبادئ، رافض لأي شيء يمنعه من الاستمتاع بالحياة، حريص على إرضاء شهواته ونزواته، وللأسف يختار الابن طريق والده الذي سول له شيطانه أنه الصحيح، بل وسخر من سلوك أمه لأنه من وجهة نظره سذاجة وضعف واستكانة.

ولكن دوام الحال من الحال، فتنحصر الأضواء عن الأب الفنان المشهور، ويفقد معظم ممتلكاته فيتخلى عنه أصحابه، وتداهمه الأمراض، ثم ما يلبث أن يغادر الحياة، ولأن الابن قلبه فارغ من الإيمان لم بتحمل الصدمات المتتالية، فيقرر الهرب إلى إحدى الدول الأوروبية ويختار هولندا، وفي أول اختبار حقيقي يتخلى عن هويته وينخلع من دينه ويغير اسمه من أجل الإقامة، يفعل ذلك بمنتهى السهولة بل ويبرر لنفسه ما فعله، فيتحول إلى ستيفان مع الإحتفاظ باسم والده ليس حبا له، ولكن ليستغل شهرته فى تسهيل أموره في البلد الجديد.

والحكمة تقول من شابه أباه فما ظلم، فيسير الابن على درب أبيه، بل ربما يتفوق عليه في كل ما يغضب الله، يساعده على ذلك مناخ الانحلال والتفسخ الذى يعم المجتمع الأوروبي، فيمارس الفحشاء، وينضم إلى منظمات إجرامية، ويضمر الكره لكل عربي ومصري، ويضحى بكل شيء من أجل السعادة الزائفة التى ظنها دائمة.

وتأخذنا الرواية إلى محطات مختلفة في حياة «ستيفان» الجديدة في أوروبا، منها تفاصيل حصوله على اللجوء الديني، والتي صورتها بعين ثاقبة تجعلك داخل الأحداث بل طرفا فيها، فأنت تعايش خلجات قلب أيمن وخوفه وهلعه من رفض طلبه، وكذلك حرصه على تقديم قصة مقنعة رغم أنها ملفقة أعجب هو بها لأنها لامست رغبة دفينة لديه للتحرر ليس من الدين الإسلامي فقط بل من جميع الأديان، ثم تغيره تمامًا بعد قبول طلبه وعمله كمترجم محلف «مترجم رسمي» في إدارة الهجرة والجنسية بصورة خاطئة وسيئة، وتعمده من خلال ترجمته من العربية إلى الهولندية إلى الإضرار بأبناء وطنه، وغيرهم من اللاجئين العرب والأفارقة، مما كان يؤدي إلى عدم قبول طلبات اللجوء لهؤلاء وترحيلهم إلى بلدانهم قسرًا.

وتقف الرواية عند محطة أخرى من حياة «ستيفان» تصورها بمنتهى الإتقان، وهي مراسم وطقوس انضمامه إلى منظمة ماسونية، فتعيش معه لحظة بلحظة منذ ركوبه التاكسي الموصل إلى مقر المنظمة حتى مغادرتها، ناقلة لك المشاهد في بث مباشر، مع عمل «سبوت» على «سيتفان» في كل خطوة من خطوات قبوله في هذة المنظمة، حتى تصل إلى الذروة في لحظات تردديه للقسم الذي بموجبه أصبح عضوًا فيها، ثم الإذعان الكامل لشروطها والقبول بعواقب الخروج عنها، وهي بالمناسبة بشعة منها تلفيق قضية يسجن على إثرها طوال الحياة أو تقطع يديه او تحرق شفتيه ويقطع لسانه أو يفقد الذاكرة والإدراك عمدًا بعد ضربه في مقدمة رأسه ضربات معينة.

وتمضي بنا الراوية مع «ستيفان» الذي ذاع صيته وزادت سطوته واشتد نفوذه في هولندا، وظن أنه امتلك الدنيا، ثم تعرج بنا إلى حكاية زواجه التي تمت بطريقة عجيبة لا يتوقعها الكثيرون، ثم انتحار هذة الزوجة وإيداع ابنه الوحيد مدرسة داخلية وإهماله تمامًا بعد ذلك، لتبدأ رحلة الصعود إلى الهاوية السحيقة، ويهبط المنحنى بأقصى سرعة ربما تجاوزت سرعه صعوده بكثير.

وببراعة شديدة تصور لنا الرواية مشهد النهاية، وضياع كل شيء؛ فنرى «ستيفان» يرقد في إحدى المستشفيات جثه هامدة لا حراك لها، وقد انفض الجميع من حوله، بعد إصابته بمرض خطير لم يتحمل تبعاته فيطلب طواعية إنهاء حياته بما يسمونه زورًا وبهتانا «القتل الرحيم»، وهي عبارة يؤمن بها من يكفر بالله، كما تصور الرواية «ستيفان» من الداخل وهو يستعرض شريط حياته التى عاشها بطريقته الخاصة، هذة الحياة المليئة بالظلم والإفتراء ومحاربة المولى عز وجل بنعمه بدلا من شكرها، وهذه الحياة هي نفسها التى حرمته أيضا من ابنه الوحيد الذي لم ينس له جفائه وإهماله الشديدين له، وظلمه لوالدته، فكان الجزاء من جنس العمل، فهو الآن وحيدًا معزولًا يتجرع مرارة ما إرتكبه من موبقات، وينتظر بل ويسارع في طلب النهاية ظنا منه أن فيها الراحة الأبدية، والخلاص من آلام المرض والوحدة وإنفضاض الناس من حوله.

وتأتي النهاية الحتمية لستيفان، ولكل من على شاكلته، ويكفي أن عملية دفنه ومراه جسده التراب وهي أبسط حقوق الميت، وحتى هذه كانت مشكلة عويصة وقفت حجر عثره أمام من بقي حوله من أصحابه، فاحتاروا في كيفية دفنه، أفي مقابر المسلمين أم المسيحين! فهو لا يتبع أيهما، فيلجؤون إلى محاميه الخاص لتأتي المفاجأة المدوية، فالراحل غير المأسوف عليه أوصى بعدم دفنه في أي مقبرة بل إحراق جثته وتسليم الرماد إلى ابنه، وحرمان الجميع من ثروته، وربما تكون الأخيرة هي الحسنة الوحيدة التي فعلها في حياته الضائعة، فالمال الحرام لا يأتي بخير ويكون وبالًا على صاحبه، وبعد أن تم له ما أراد رفض ابنه استلام الرماد كما رفض من قبل استلام الجثة ليكون مستقرها في صناديق القمامة، فهي المكان الطبيعي لهذا النوع من البشر، من باع دينه وهويته وإنتماؤه بعرض زائف، وبرر ذلك لنفسه فخسر الدنيا والآخرة.

الرواية تقع في 240 صفحة من القطع المتوسط، وصدرت حديثًا عن دار النخبة العربية للنشر والطباعة والتوزيع، وصممت غلافها الفنانة فاطمة فايز.

يذكر أن الروائية فكرية أحمد عضوة باتحاد الكتاب المصريين، وهذه الرواية هي العمل رقم 13، فصدر لها من قبل: مملكة العبيد – قلوب في طواحين الهواء – بائعة الورد – بلا رجال أفضل – كورونا في سوق البغاء – سر الرجل والكلب – لغز الحقيبة الزرقاء – لغز الجاسوس الأخرس – لغز الطائرة المخطوفة – الملكة والأفاعيتعاويذ عاشق الدم – محاكمة الحجر الأسود.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى