حول العالم

«حالات رمضان» بأقلام الأدباء والشعراء

محفوظ: صمت في السابعة وكنت أنظر لمئذنة الحسين وأنتظر الأذان

يتفاعل الأدب دومًا مع الأحداث، ومن أهمها شهر رمضان وحالاته وما يرافقه من طقوس، بعضها ثابت، والآخر مختلف في زمننا هذا الذي انتشرت فيه وسائل التواصل الاجتماعي.

ومن الأدباء الذين سجلوا «حالات رمضان» نبدأ بالأديب الكبير يحيى حقي؛ ووصفه بدقة وعذوبة استقبال المصريين لرمضان قبل الإذاعة.

كتب يقول: كانت جموع الصبية قبل الكبار تتجمع عند المحكمة الشرعية حيث ينتظر القاضي وفود الرسل الذين خرجوا لمختلف المراصد والأماكن لرصد قطعة صغيرة من النور ليس في السماء ما هو أرشق منها ولا أجمل، وما أن تثبت الرؤية حتى تدار أكواب العصير وسط هتاف الصبية..

ثم ينطلق الموكب وفي مقدمته ضارب الطبلة فوق حصانه وخلفه المشاة يعقبهم موكب أرباب المهن الشعبية، كل مهنة يتقدمها شيخها يتبعه صبيانه ومعهم أدوات مهنتهم، وما إن يمر الموكب على مسجد حتى تضاء مئذنته ويستمر الموكب حتى تضاء مآذن القاهرة الألف.

وإلى ذكريات أخرى يرويها أديب «نوبل» نجيب محفوظ فيقول: «رمضان شهرالفرحة والحرية ونحن صغار كانوا يسمحون لنا باللعب بالفوانيس، وصمت في السابعة وكنت أنظر لمئذنة الحسين وأنتظر الأذان، وأبدى إعجابه بأغنية «وحوي يا وحوي» وأنها صنعت مطربها، وكانت تتنافس بيوت الطبقات الوسطى العليا وطبقات الأعيان في إحضار المقرئين الكبار لتلاوة القرآن من بعد الإفطار للسحور، ويفتحون أبوابهم للجميع، «وكنا كأطفال نمنح في رمضان من الحرية ما لم نمنحه بباقي العام».

وعبر الأديب مصطفى صادق الرافعي عن «فلسفة الصيام» برقيه المعهود فقال: شهر هو أيام قلبية في الزمن، متى أشرفت على الدنيا قال الزمن لأهله: هذه أيام من أنفسكم لا من أيامي، ومن طبيعتكم لا من طبيعتي، فيقبل العالم كله على حالة نفسية بالغة السمو، يتعهد فيها النفس برياضتها على معالي الأمور ومكارم الأخلاق، ويفهم الحياة على وجه آخر غير وجهها الكالح، ويراها كأنما أجيعت من طعامها اليومي كما جاع هو، وكأنما أفرغت من خسائسها وشهواتها كما فرغ هو، وكأنما ألزمت معاني التقوى كما ألزمها هو.

وما أجمل وأبدع أن تطهر الحياة في العالم كله، ولو يومًا وحدًا، حاملة في يديها السبحة! فكيف بها على ذلك شهرًا من كل سنة؟».

أما الكاتب أحمد بهجت صاحب كتابَي «مذكرات صائم» و«صائمون والله أعلم» فقدم فيهما مشاهد رمضانية معاصرة، وكتب عن انتظار الصيام قائلًا: أحس أن القاهرة كلها تدخل قلبي بمآذنها الألف وقبابها المزخرفة وواجهاتها القديمة وحواريها العريقة، تكتسب بيوت المدينة في شهر رمضان شيئًا من الجلال والراحة، فوانيس رمضان تضيء أركان الدكاكين والأطفال في الطريق يضربون البمب وقد استيقظت الحارة الكبيرة التي أسكن فيها تمامًا ومعها قلبي..

أحس في الليلة الأولى من شهر رمضان أنني أرى من خلال النفس كل نفوس الآخرين في الوجود… وينمو داخلي الحنين، أود أن أعثر على النملة التي كلمت سيدنا سليمان لأقبلها، وأتمنى أن ألقي الحوت الذي ابتلع يونس لأربت عليه، وأحلم أن أخذ الحمار الذي بعث أمام (عُزَير) لأحمله على ظهري، وأفكر حينًا في قبر الهدهد الذي حمل الرسالة لبلقيس وعاد ليحكي لسيدنا سليمان عن عبادتها للشمس.

في شهر رمضان أشعر بأن كل شيء فى الدنيا يقوم على الحب، هو الناموس المسيطر الحاكم في الدنيا وإن أفسده الناس بالكراهية.

ويواصل بهجت: يذكرني الصوم بالحب ويقودني إلى الحب وإلى التفكير في الله، ويذكرني رفق الله بنا وحبه لنا بالرفق الذي كان ينبغي أن نعامل به الحيوان، والحب الذي كان ينبغي أن نعامل به رفاقنا من أفراد الجنس البشري.

أما أمير الشعراء أحمد شوقي؛ فقد احتفى برمضان شعرًا ونثرًا فأنشد:

يا هلال الصيام مثلك في السا

مين للعز من طوى الأفلاكا

مرحــــــــبا بالثـــــــواب منك وأهلا

بليــــال جمـــالهــــــــــــــــا لقيــــــاكــــا

كل عـــــــال أو كــــــــــابر أو نبيــــــــل

أو وجـــــــــيه من النجــــــوم فداكا

كـــــيف يبلغــــن ما بلغــــــت ومــــاحَا

وَلْنَ شأوا ولا سرين سراكا

أنت مهد الشهور والحسن والإشــــــراق مهد الوجود منذ صباكا

فوق هام الظلام ضوء جبين الــكــــون تاج للكائنات ضياكا.

وكتب شوقي في كتابه «أسواق الذهب» قطعة من الأدب النفيس عن الصوم، قال:

«حرمان مشروع، وتأديب بالجوع، وخشوع لله وخضوع، لكل فريضة حكمة، وهذا الحكم ظاهره العذاب وباطنه الرحمة، يستثير الشفقة ويحض على الصدقة، يكسر الكبر، ويعلم الصبر، ويسن خلال البر».

ووضع بيرم التونسي يده بمهارة على آفات بعض الصائمين وكشفها منشدًا:

يا صايم صيام الشراب والطعام

صيامك حلال، أو صيامك حرام

لسانك يصوم ..وعينك تصوم

وإيدك تصوم عن جميع الآثام

يصوم اللسان إذا كان يصان

لا يغتاب فلان ولا يسيء فلان

وخلى المزاح ولو كان مباح

ومعظم ذنوبنا سببها الكلام

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى