حول العالم

حوار صادم مع «مولود بن زادي»

الكاتب العربي مُهوَّس بالجوائز الإقليمية وعاجز عن تحقيق العالمية!

Advertisements

أجرى الكاتب الجزائري البريطاني مولود بن زادي حوارًا مع صحيفة «أصوات» حـــــــاورتــــه فيه (سعــــــاد شــــــابـخ).

وُصِفَ بـ«الحوار الصادم» وذلك لما أدلى به من تصريحات وحقائق يتغافل عنها الوسط الأدبي والثقافي العربي.

من تصريحاته

■ «الكاتب العربي مُهوَّس بالجوائز الإقليمية وعاجز عن تحقيق العالمية!»

■ «المؤلفات العربية والفرانكفونية فشلت في جذب اهتمام القراء في بقية العالم!»

■ «لا يمكن الحديث عن حراك أدبي ثقافي في مجتمع معروف منذ أجيال بعزوفه عن القراءة!»

■ «حرية الرأي في مجتمعاتنا العربية تصطدم بـ (الطابو) الديني والرقابة السياسية»

نص الحوار…

 وصف الكاتب الجزائري المقيم في بريطانيا مولود بن زادي الكُتّاب العرب بـ«المهووسين بالجوائز الإقليمية» في حين أنهم عاجزون عن تحقيق العالمية، مؤكدًا أن المؤلفات العربية والفرانكفونية فشلت للأسف في جذب اهتمام القراء في بقية العالم.

وفي سياق آخر، استبعد الكاتب المثير للجدل الحديث عن حِراك أدبي ثقافي جزائري في مجتمع معروف منذ أجيال بعزوفه عن القراءة.

■ارتبط اسمك و«كتّاب المهجر» هل توافق على هذه التسمية؟

أجل، أقول ذلك بكل ثقة فقد أمضيت أكثر من نصف عمري في بريطانيا وتأثرت بهذه البيئة حتى أني أصبحت أفكر وأحلم وأكتب بلغتها.

ما أشاهده وأسمعه في المهجر يختلف عما يراه ويسمعه الكاتب المحلي، وما أعرفه اليوم عن بريطانيا والعالم الأنجلوساكسوني يفوق ما أعرفه عن الوطن العربي.

تأثرت إلى درجة أني أستطيع القول إني انتمي إلى هذا العالم. وقد سبق أن كتبت مقالًا أكدت فيه أنّه من الخطأ حصر أدب المهجر في فئة قليلة من شعراء الشام في الأمريكيتين أواخر القرن الـ19 ومطلع القرن الـ20، فهذا النمط الأدبي أوسع من ذلك، يضرب بجذوره في أعماق التاريخ، ساهم فيه الشعراء الصعاليك بأدب مفعم بالقيم الإنسانية التي تعلموها في المنفى، وشارك فيه أدباء الأندلس وأدباء مهاجرون آخرون، وها نحن نساهم فيه اليوم بكتابات نابعة عن البيئة الجديدة، مختلفة عن كتابات المحليين.

■ كيف يتفاعل القارئ البريطاني مع الأدب العربي عامة، وهل يملك نظرة عن الأدب الجزائري؟

ثمة حقيقة صادمة لا تخفى على الكاتب الجزائري والعربي وهي فشل المؤلفات العربية والفرانكفونية في جذب اهتمام القراء في بقية العالم رغم الأموال الطائلة التي تنفق في الترجمة والضجة الإعلامية المحيطة بها.

هذه الأعمال، بما في ذلك المؤلفات المتوَّجة بأكبر الجوائز العربية، للأسف لا تلقى رواجًا خارج حدود الوطن العربي، ويبقى الكاتب العربي والفرانكفوني مجهولًا في بقية العالم وفي لندن بالذات.

■ وكيف تفسر هذه الظاهرة؟

البريطاني دقيق في اختيار ما يقرأ ولا تنقصه المؤلفات الإنجليزية التي تعكس ثقافته وذوقه. والكاتب العربي أو الفرانكفوني يقع للأسف في فخ اللف والدوران ويحصر إبداعه في مواضيع معينة موجهة نحو إرضاء لجان التحكيم.

قد يفوز بجوائز محلية وإقليمية، ويفشل في خطف أنظار جماهير واسعة في أنحاء الدنيا وتحقيق العالمية.

سبب آخر مهمّ جدًا في تقديري هو أنّ الكاتب العربي يكتب وهو يفكر بلغته أو لهجته، فعندما يُترجم عمله إلى اللغات الأجنبية يفقد جمالياته وقيمته وحتى معناه.

 أنا أفكر وأكتب بالإنجليزية والعربية معًا، وأستطيع أن أؤكد لك أننا إذا رغبنا في كسب قلوب الجماهير في العالم الأنجلوساكسوني علينا أن نفهم طريقة تفكير هذه المجتمعات وأن نكتب ونحن نفكر بلغتها الإنجليزية.

 فلا عجب أن اقتباساتي التي كتبتها وأنا أفكر بالإنجليزية لقيت رواجًا في هذه المجتمعات حيث باتت تتردد في مواقع مختصة في الاقتباسات الإنجليزية وبات بريطانيون وآخرون يستشهدون بها في مقالات وبلوجات وحتى كتب إنجليزية، ولا نرى أثرًا لاقتباسات الروايات العربية المترجمة رغم كثرتها.

■ نلاحظ اهتمامك الكبير باللغة والترجمة، ماذا أضافت لك دراستك في هذا المجال؟

الكثير.. من جهة، استطعت أن أكتب بأكثر من لغة، وأقوالي بالإنجليزية والفرنسية وحتى الإسبانية تتردد في أنحاء العالم. من جهة أخرى، إتقاني الإنجليزية يمكنني من الاطلاع على ثقافات العالم وتوسيع معارفي، كتابة مقالات مميزة اعتمادا على مراجع بريطانية وأمريكية، وأنا اليوم سعيد بما تلقاه هذه المقالات – التي وصفها نقاد بمقالات عميقة – من استحسان وتفاعل.

■ ما رأيك في الجوائز، وهل هي إضافة واعتراف بالنسبة للكاتب؟

تستطيع الجائزة أن تثير ضجة وأن تصنع شهرة أي قلم، لكنه نجاح آني وسرعان ما ينطفئ نوره وتنسى الجماهير من فاز بماذا وسط هذا الزخم الهائل من الجوائز.

 لقد كنت أول كاتب يلقّب هذا العصر “عصر الجوائز الأدبية”، وكنتُ أول من تنبأ بموت الجوائز الأدبية في الأجيال القادمة لكثرتها ونسبية أحكامها.

 يكفي أن نقول إننا إذا عرضنا الأعمال المرشحة على أكثر من لجنة، اختلفت الأحكام وأسماء الفائزين بها! فهل يعقل أن تتقبل الأجيال القادمة أحكاما نسبية من هذا القبيل تمثل ذائقة 5 حكام، ولا تمثل ذائقة شرائح المجتمع الواسعة!

أعمال كثيرة في عصرنا فازت بجوائز ولم تفُز بقلوب الجماهير ولم تحقق عالمية. في المقابل، ثمة مؤلفات لم تفُز بجوائز لكنها فتنت الجماهير في كل الأجيال على منوال (ألف ليلة وليلة) و(البؤساء).

جبران لم يفز بجائزة وكتبه أكثر رواجًا في العالم من كتب نجيب محفوظ الفائز بأكبر جائزة في الدنيا، نوبل! هذه أمثلة بسيطة على فشل الجائزة.

إنّ أكبر خطأ يقع فيه كتّاب عصرنا وهم يتهافتون على مسابقات الجوائز الأدبية هو اعتقادهم أنّ الجائزةَ جوازُ سفرِهم إلى مقام العظمة والخلود. وهم بذلك لا يحسنون قراءة المستقبل، ولا يدركون أنه سيأتي زمن تفقد فيه الجوائز، التي صنعت لهم في يوم ما شهرة آنية، قيمتَها لكثرتها وكثرة الأعمال المتوّجة بها سنة بعد سنة.

ولن يكون للأجيال القادمة وقت ولا صبر ولا مصلحة للبحث لمعرفة من فاز بها قبل عشرات أو مئات السنين. فلن تبلغ منصة الخلود إلا الأعمال المميزة المفعمة بأفكار مثيرة وقيم إنسانية ومواقف عظيمة قابلة لجذب اهتمام الأجيال القادمة.

 ■ تحصَّل مؤخرًا كتّاب جزائريون شباب على جائزتي نجيب محفوظ والبوكر، ماذا تقول عن هذا الإنجاز؟

الجائزة إنجاز جميل ومشجع تساعد الكاتب على تحقيق شهرة وكسب ثقة دور النشر وغير ذلك. المشكلة تكمن في هوس الكاتب الجزائري والعربي بالجوائز المحلية والإقليمية بدلًا من الاجتهاد لمنافسة الأقلام الكبيرة في العالم.

نراه يركض وراء الجائزة الإقليمية ويسعى للفوز بها أكثر من مرة! في تصوري الشخصي، لابد أن يتعدى طموحه هذه الدائرة الضيقة لتحقيق عالمية.

من عيوب الجوائز العربية أن أعضاء لجان لا يتغيرون. النتيجة؟ الذائقة لا تتغير مطلقًا. فلا عجب صار يفوز ببعض الجوائز العربية كتّاب أكثر من مرة.

 ببساطة لأن من يعجب بأسلوب ما مرة، سيعجب به مرة أخرى! في المسابقات العالمية مثل نوبل، لا نرى مرشحًا يفوز بجائزة مرتين حتى إذا كان أفضل كاتب في الدنيا لأنها جائزة ذكية لا تقبل تكرار النتائج! ولا يتكرر فوز روائي بجائزة ما إلا في المجتمعات العربية لأنها ليست جوائز «ذكية» وتخضع بشدة لذائقة الحكم المتشبث بكرسي الحكم في المسابقات.

أحد الكتّاب الجزائريين فاز بجائزة كبيرة مرتين، فلماذا لم تلقَ روايتاه المترجمتان رواجًا؟ ولماذا لم يحقق العالمية؟

عالم الأدب أشبه بعالم كرة القدم، والأقلام الأدبية العربية أشبه بالأندية المحلية، ترى بعضها يسيطر على البطولات الوطنية، ويحصد الألقاب المحلية، ويفوز بالكؤوس الإقليمية… وإن شارك في منافسات دولية، انهزم بنتائج ثقيلة أمام الأندية العالمية القوية! الكاتب العربي مطالب بمراجعة أوراقه والخروج من قوقعة وطنه العربي.

■ هل تظن أن الجزائر تعيش حراكًا ثقافيًا، أم مازلنا بعيدين عن هذا المصطلح؟

شخصيًا، لا يمكنني الحديث عن حراك أدبي ثقافي في مجتمع معروف منذ أجيال بعزوفه عن القراءة. من بعيد، من الجزر البريطانية، أرى الكاتب الجزائري يسابق الزمن لنشر رواية كل سنة قد تكون نسخة لروايات سابقة.

أراه يجري وراء الكم والجوائز ولا يهمه إذا كان المجتمع يقرأ. أراه يدعو الجماهير لحضور ندوات للبيع بالتوقيع وليس لتحسيسها بأهمية القراءة.

لو أن الكاتب العربي ضحى بسنة واحدة من عمره، نسي فيها التسابق على نشر المؤلفات الروائية، وحصد الجوائز الأدبية، وتخلّى فيها عن النرجسية والأنانية، وحرص فيها على التوعية ونشر ثقافة القراءة بين الجماهير العربية، لكنّا من الأمم الأكثر قراءة في الكرة الأرضية.

■ كيف تجد واقع الممارسة النقدية في الجزائر

النقد الأدبي في الجزائر يعيش أزمة منذ عقود يطبعها ولاء الناقد الأكاديمي للروائي المكرس ووقوعه في فخ المحاباة.

النتيجة؟ اقتصار الأعمال النقدية على فئة قليلة معروفة ليست في حاجة إلى مزيد من الشهرة على حساب مواهب جديدة تبقى في الخفاء.

لا توجد دراسات نزيهة تكشف نقاط الضعف والمساوئ، من شأنها أن تعين الكاتب على تدارك الأخطاء والهفوات وتقديم ما هو أفضل مستقبلًا! والسؤال عندئذ، كيف ستنظر الأجيال القادمة إلى نقاد فرطوا في واجباتهم وأساءوا أداء رسالتهم؟

 ■ الكم الهائل من الإصدارات هل يجد الناقد صعوبة في البحث عن الأعمال الجيدة؟

عالم الأدب يخضع للذائقة وتطبعه النسبية، فلا يمكننا الحديث عن أعمال «جيدة» وأخرى «رديئة»، فما يستحسنه بعض الناس قد يستقبحه آخرون وهكذا.

النقد لا يقبل التسوق، واختيار بضاعة على حساب أخرى. على الناقد أن يدرس ما أمكن من الأعمال لأقلام معروفة ومواهب جديدة والكشف عن مواطن الجمال والقبح، والقوة والضعف فيها جميعا دون تحيز.

 ■ هل الناقد في المنطقة العربية ككل والجزائر تحديدًا حر في إبداء رأيه، وهل يمارس سلطته في الواقع؟

حرية التعبير من الركائز الأساسية في حياة البشر، لكن لا يمكننا الحديث عن حرية مطلقة حتى في المجتمعات المتقدمة. وفي مجتمعاتنا العربية تصطدم حرية الرأي ب (الطابو) الديني والرقابة السياسية.

 فقد صار تعامل الكاتب العربي مع السياسي أشبه بلعبة القط والفأر. تراه يداهن السياسي من مخبئه كسبًا لثقته ووده، وبمجرد رحيله، يخرج من جحره، ويقبل على طعنه في ظهره ونشر مؤلفات وتحقيق شهرة على حسابه، وهو يدرك أنه الآن في مأمن من شره.  

■ يتعرض المترجمون عادة إلى النقد، بتهمة خيانة المؤلف «التحريف»، هل هذا خطأ المؤلف أم أنه من المستحيل أن تقدر الترجمة على نقل الروح الحقيقة للعمل؟

أنا أعمل في حقل الترجمة وأستطيع أن أؤكد أنّ النص يفقد جمالياته بعد ترجمته، فلا عجب المؤلفات العربية المتوّجة بجوائز في الوطن العربي لم تلقَ نجاحًا في العالم.

قد يخفق المترجم أحيانًا، لكن في تقديري، اللوم الأكبر يقع على المؤلف الذي اختار أسلوب اللف والدوران، وهو ما يمنع المترجم والمتلقي من فهم الرسالة فهما صحيحًا.

 والأخطر أن المؤلف العربي يكتب وهو يفكر بلهجته أو لغته وبمنطق لا يفهمه الأجنبي. الرواية أحيانًا أشبه بالنكتة، فإذا كان الأجنبي لا يضحك عند سماع النكتة العربية، فهل يتوقع الكاتب العربي حقًا أن تلفت قصته اهتمام الجماهير الأجنبية. إذا أراد أن ينفذ إلى قلوبها عليه أن يفكر بلغتها وأن يجتهد لنشر مؤلفات أكثر إثارة.

■ على ماذا يشتغل مولود بن زادي في الفترة الحالية؟

رواية جديدة باللغة الإنجليزية لأول مرة. سأنشر اقتباسات منها قبل صدورها المتوقع مطلع العام القادم. ولا أشك مطلقًا في أن هذه الاقتباسات ستلقى صدى في العالم الناطق باللغة الإنجليزية، مثل اقتباساتي السابقة التي ارتقت إلى عدد من المواقع المختصة في الاقتباسات الإنجليزية.

لقد كتب أدباء المهجر من أمثال جبران وأمين الريحاني باللغة الإنجليزية، وقد آن الأوان لكي نفعل ذلك أيضًا، فإتقان لغات الأوطان الجديدة والكتابة بها من سمات أدب المهجر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى