إبداع

خالد الحلي.. رحلة الوصول رجوعًا

عن «دار النخبة» صدرت مجموعته الشعرية «ما كان.. كيف كان؟»

Advertisements
Latest posts by عقيل منقوش (see all)

بيديه الشعر والصحافة وسؤال الوجود الكبير، غربتهُ داخل وطنه وبعيدًا عنه لا تختلف عن غربة جيله من الشعراء العراقيين الموزعين في بلدان العالم منذ أكثر من أربعين عامًا، تجدها في نصوصه الصادرة في عدة مجاميع شعريّة، أولها كتابه الصادر في العام ١٩٦٤ في بلده العراق بعنوان «عينان بلا لون»، وهو مزيج من الشعر والنثر، صدر بطبعة جديدة في مدينة ملبورن في أستراليا عام ٢٠١٢، يحاول الكتاب أن يدوّن للحب في لحظات الزمن المتملص الهارب من خلال رمز العينين اللتين يجردهما الشاعر من الألوان كي لا تكون شبيهة بأحد وتبقى متفرّدة بهذه الخصيصة التي تجعلها قابلة لتأويلات كثيرة غير مؤطرة بمعنى واحد ومفتوحة على احتمالات عدّة.

حياة خالد الحلي بين الصحافة والشعر

حياة الشاعر ومنذ البدء كانت في حقل الصحافة فقد عمل صحفيًّا محترفًا في جريدة «المنار» في العام ١٩٦٤ حيث كان يحرّر صفحة ثقافيّة كان لها وزنها آنذاك هي صفحة «المنار الأدبي» حتى أواخر العام ١٩٦٧ حيث تم تأسيس المؤسسة العامة للصحافة في العراق التي أوقفت بتأسيسها عن الصدور الصحف اليوميّة التابعة للقطاع الخاص، وتم اختيار عددًا من الصحفيين، فعمل في جريدة «المساء» ثم جريدة «الشعب» وبعد توقف هاتين الجريدتين عن الصدور تم نقله للعمل في جريدة الجمهورية التي عمل فيها حتى العام ١٩٧٨ حيث صدر قرار مجلس قيادة الثورة بنقله ومجموعة من زملائه إلى وزارات خدميّة لا علاقة لها بالعمل الصحفي، وذلك بسبب عدم انتمائهم إلى حزب البعث العربي الاشتراكي، كما أنه عمل أيضًا بمجلة «الفكر الجديد العراقيّة» كذلك صحفية «طريق الشعب» الناطقة بلسان الحزب الشيوعي العراقي برفقة الراحل «غانم حمدون».

وقد جعله العمل في الصحافة يدرك أن السياسية صندوق مغلق من الأسرار لا يملك المثقف مفاتيحه مهما حاول أن يجتهد في مشروعه التنويري الهادف للوصول إلى بناء وطن بركائز صحيحة يفلت من فلسفة صراعات التاريخ التي سنّتها الحضارات الوثنيّة، خاصة الإغريقية والرومانيّة، وأدركَ أيضًا بأن الشعر خلاص فردي، تجربة شخصيّة للثأر من قسوة الواقع كذلك هو مشروع خاسر على الصعيد المادي الحياتي لكنه يجلب لصاحبه في النهاية المجد الحقيقي.

هجرة الشاعر 

غادر خالد الحلي وطنه العراق عام ١٩٧٩ بعد اِنهيار الجبهة الوطنيّة بين حزب البعث والحزب الشيوعي مثلما غادر الكثير من الشعراء والكتاب والمثقفين والسياسيين، بعدما خدم ستة عشر عامًا يعمل في الصحافة العراقيّة متوجّهاً صوب الإمارات العربيّة المتحدة التي عمل في صحافتها الثقافيّة إلى سنة ١٩٨٢، أيامها كانت دولة الإمارات في طور التكوين والبناء والنهوض بكوادر عراقيّة وعربيّة أعطت الكثير من خبراتها العلميّة والإبداعيّة،  ومن دولة الإمارات توجه إلى دولة المغرب العربي التي عمل في صحافتها إلى العام ١٩٨٨ والتي أصدر فيها كتابه الشعري الثاني بعنوان «مدن غائمة» والذي صدر من جديد في مدينة ملبورن الأسترالية عام ٢٠١٥ بطبعة ثانية عربية وانكليزية بعنوان: «اسمك ذاكرتي» ببايروس ببلشنغن.

وبعد وصوله من دولة المغرب إلى دولة أستراليا عام ١٩٨٩ حاول الشاعر أن يندمج في الحياة الجديدة التي توفرها البلدان الغربيّة وأستراليا واحدة منها ألا وهي مشروع اعادة استيطان وليس لجوء سياسي مثلما يعتقد الكثير من الناس في البلدان الشرق أوسطيّة والمغرب العربي، والاستيطان يضمن حدًا معيّنًا من متطلبات العيش وأغلبها تأتي من معونات العاطلين عن العمل، وفي بلد رأسمالي يهتم بإقتصاد السوق والعمل يصبح الشعر ثانويًّا بل موهبة لا أحد ينتبه لها أو يحتفي بها إلا ماندر على صعيد البلديات والتجمعات الإثنيّة البسيطة المدعومة بمنح لا تتجاوز بضع دولارات تمنح بطلبات خاصة والمحظوظ من يحصل عليها.

وهنا تصبح غربة الشاعر مضاعفة خاصة العربي العراقي الذي يعتبر الشعر موهبة ربانيّة يضحك عليها الغربيون.

حياته

لقد جمعتني بالشاعر لقاءات كثيرة على مدى السنوات الممتدة من العام ١٩٩٩ إلى يومنا هذا ودائمًا يكون العراق ومصابه هو حديثنا الذي لا يتوقف. أحيانًا نسأل بعضنا لماذا ينسى المهاجرون  الأوربيون أوطانهم من الساكنين في أستراليا، ولا نستطيع نحن أن نفعل مثلهم ؟ والجواب، ربما لأنهم جاءوا بعدما نجوا من الحرب العالميّة الثانية كذلك الهرب من الطقس الثلجي البارد وهذا ما لا ينطبق علينا، يبدو نحن العراقيين ما زالت لدينا معركة كبيرة مع كل الذين سلبونا كرامتنا وحقوقنا في بلدنا الذي تتقاسمه الغرباء من شذاذ الآفاق واللصوص الفاسدين والخونة من العملاء.

أعود إلى خالد الحلي الذي تمسك بخيار الشعر رغم قسوة الآله الحديديّة التي تستحق كل من يقف بوجهها في إيقاع الحياة الأستراليّة الغربيّة، حيث صدرت له في مدينة سيدني عام ٢٠١٩ مجموعة شعريّة باللغتين العربيّة والإنكليزيّة بعنوان «لا أحد يعرف إسمي»، No one knows my name عن منشورات كلمات في مدينة سيدني قام بترجمتها إلى اللغة الإنجليزية الدكتور رغيد النحاس.

ديوانه «ما كان.. كيف كان؟» عن دار النخبة

وعن «دار النخبة» للطباعة والنشر في القاهرة، صدرت عام ٢٠٢١ مجموعة شعريّة بعنوان: «ما كان.. كيف كان؟» ترجم قصائدها للغة الإنجليزية الأستاذ جورج صليب.

كذلك مجموعة شعريّة جديدة أخرى بعنوان: «إلى أين» صدرت في نفس العام عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق.

شعره بمجمله عبارة عن سؤال طويل صعب لا ينتهي يحاول من خلاله أن يصل إلى أجوبة شافية تعيد الأشياء التي تبعثرها أياد خفيّة إلى نظامها الطبيعي الأزلي الذي يسير وفق ترانيم غير مسموعة لأرواح حارسة، تريد لهذا الكون الوحيد أن يستمر كتدفق الحياة التي تبدأ بخيط الشمس الذي يكبر حتى يغطي ما حوله بجماله الحي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى