كتاب الأسبوع

«خيال الهدبان»

بداية أحداث وقعت في الثلث الأخير من القرن السادس عشر الميلادي

«خيال الهدبان» رواية الكاتب السوري سعدو برو، بداية أحداث هذه الرواية قد وقعت في الثلث الأخير من القرن السادس عشر الميلادي، حينها كانت قبيلة من قبائل الشرقيين تسكن في قضاء سنجار الواقعة في شمال العراق، كان زعيمها المدعو آليخان شخصاً قوي البنيّة ضخم الهامة حتّى أنه لُقّب بـ عريض المنكبين.

آليخان هو من إيزيدي روسيا (جورجيا أو أرمينيا وما حولها)، هاجر من روسيا بحثاً عن العمل فينتقل من مكان لآخر حسبما يراه مناسباً له.

لسبب أو لآخر تنتقل أسرة هذا الزعيم بحلّها وترحالها من منطقة سنجار لتستقر في ناحية زوزان الواقعة فيما بين مدينة نصيبين وبحيرة وان.

منذ نعومة أظفاره كان درويش طفلاً شجاعاً، جريئاً، صلباً و مقداماً. ودوداً ورؤوفاً من كل الذين من حوله، كبر وأصبح شاباً  باسلاً جسوراً، زيادة على ذلك كان يافعاً وسيماً، مُشْرِق الجبين، مُونِق، أحبه الجميع وخاصة الفتيات في قبيلته، معيار الشجاعة والإقدام والبسالة وفقاً لتلك الأيام كان يتم تحديده بمدى قدرة الفتى على غزو القوافل ومصادرة ما تحملها تلك القوافل من مؤونة وأموال.

ذات مرة وبينما درويش طريح الفراش يقرر أصدقاؤه الذهاب دونه للغزو والكمين لاكتساب الغنائم من القوافل التجارية والعسكرية العائدة للدولة العثمانية بغية توصيلها إلى كتائب جيوشهم المتوزعين في كل مكان.

أماه:

لم يزورني أحداً من أصدقائي هذا اليوم، فهل تعلمين أين هم الآن؟

بُني:

الشيء المهم الآن هو أن تستعيد عافيتك وصحتك، فاصدقاؤك ذهبوا ليترصّدوا القوافل التركية واكتساب الغنائم منهم.

ماذا؟

ولما لم تخبريني؟

سأذهب في الحال، وبمفردي وبالرغم من وضعي الصحي المتدهور فأنني سأجلب أكثر منهم جميعاً!

تحاول ألام بشتّى الوسائل إلا أن درويش عنيد ومُشَاكِس  ولا بد من تحقيق ما هو مختلف ونادر وفريد.

وعلى الرغم من المرض، ذهب بمفرده للغزو وعاد مغتنماً المال الكثير.

كلاهما درويش وسعدون أصبحا من خيرة الفرسان الشجعان، فوالدتهما هي تلك المرأة الشجاعة التي لا تهاب شيئاً، ووالدهما هو ذلك الفارس المغوار، كما أن أجدادهم كانوا من أقوى الرجال.

عبدي فخور بأبنائه الشجعان وأخص بالذكر درويش، ويعطيه أفضل فرس أصيلة لديه ألا وهي الهدبان ليغدو درويش خيّال الهدبان.

في المنطقة ذاتها التي يقطنها عبدي وعيشي وولديهما درويش وسعدون، وزوجته الثانية وأولادهما: ملحم، تمر، ميسل، محمود، بكزادة، وحلو.

إلى جوارهم تقع إمارة الزعيم الكوردي المدعو تمر باشا الملّي، وثمة خلاف قائم بينه وبين الحكومة العثمانية لأسباب سيادية ومالية، فهذا الباشا الملّي باتَ يُشكّل قوة لا تُستهان بها في قلب الإمبراطورية العثمانية، يستحوذ على مساحة كبيرة عاصمتها ويران شهر تمتد من جنوبي مدينة ديار بكر وصولاً إلى جبل عبد العزيز، ثم نحو ضفة نهر الفرات الشرقية وضفة نهر دجلة الغربية.

ويزعم جيشاً ما يقارب إثنا و ثلاثين ألف محارب، مُجهّزين بالسلاح والعتاد، ذو صيت ذائع في الإمبراطورية العثمانية، فهو زعيم التحالف الملّي المؤلف من سبع وأربعين من العشائر والقبائل. قوتهم تكمن بتوحيدهم فشكّلوا خطرا حقيقياً على الدولة العثمانية.

هذا الدمج والإتفاق منحهم قوة كبيرة، خاصةً كلها عشائر عريقة كالدوملي، الخالتي، الكيكان، الدقوريان، الباشات، المحليان، كم نفشا، الحيدران، الكوران، الهسنان، السيدان، الدودكان، الزيركان، متينا، سركان، ناصريان، خدريكان وغيرها من العشائر وقد كانت بعض هذه العشائر ليست كوردية كعشيرة العدوان والباقورة والجبور.

هذا الزعيم الملّي بات يُحسب له ألف حساب، وقد تحكّم بالطرق المؤدية إلى حلب وديار بكر والموصل، ولم يستطع السلطان العثماني فرض نفوذه على هذا الأمير الذي يوحي باستقلال هذه الإمارة الكردية عن الدولة العثمانية.

حيث امتنع تمر باشا الملّي عن دفع الإتاوات للباب العالي ولم يدع أحداً من رجال العشائر الملّية أن يُساق لخدمة الجيش العثماني، الأمر الذي أدخل في قلب السلطان العثماني القلق من هذا الخطر الكوردي.

درويش لا يهمّه كل هذه الشهرة والصيت الذائع لهذا الزعيم الكوردي، وفي كل الأحوال، لا يوجد خلاف بينهما، لا بل تجمعهم مصلحة مشتركة ألا وهي السخط والاستياء من الاحتلال العثماني.

ومن جهةٍ ثانية فإن درويش يقول في نفسه أنه لا يهاب كل هؤلاء المحاربين، ففي حال نشوب نزاع فيما بينهما في المستقبل، فإنه يجد نفسه وبمساعدة اثني عشر محارباً من أشقائه وزملائه قادرين على هزيمة الجيش الملّي!

هي مجرد مبالغة، فلا يمكن لثلاثة عشر مقاتلاً -مهما كانت قوتهم وجسارتهم- بالتغلب على جيش كامل مؤلف من ما يزيد عن اثني وثلاثين ألف محارب مسلح.

ولكنه يجد نفسه محميّ الظهر من الجيش الايزيدي الموجود  في سنجار الذي يُشكّل قوة عظيمة بفرسانه الذي يُقدِّر بخمسين ألف محارب، أغلبهم من أبناء عشيرتين عريقتين كالشرقيان والدنان.

هؤلاء وبإشارة واحدة من درويش سيكونون خلال ساعات قليلة متواجدين إلى جانبه فيساندوه ضد أي خطر يتعرّض له.

تبعد سنجار عن ويران شهر ما يقارب مسافة خمسمائة كيلومتراً، لكن تلك المسافة لا تُشكّل عائقاً أمام الفرسان وخيولهم الأصيلة، خاصةً أن درويش وسعدون بين الحين والآخر كانوا يقومون بجولات الصيد وصولاً إلى سنجار لزيارة الأهل والمعارف.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى