إبداع

دلالات الفعل السردي المتناقض في «ليتني لم أفق» 

الكاتب حسن الموسوي يكشف خبايا جديدة عن الظلاميات التي قد يعيشها المرء بعد غياب الأب

Advertisements

يذكرني الكاتب حسن الموسوي وأنا أقرأ روايته التي أهداني نسخة منها «ليتني لم أفق» بكتاب الرواية والقصة مطلع الخمسينيات والستينيات التي اتسمت موضوعاتها بالكلاسيكية والوضوح والسلاسة في بناء فكرة الرواية أو القصة حتى نقشت الذاكرة الكثير من تلك الأعمال وظل كتابها محض اهتمام للدارسين والباحثين على حد سواء…

فما زالت (زقاق الفئران) للكاتب نزار عباس ومحمود أحمد السيد وذو نون أيوب و(النخلة والجيران) للقاص غالب طعمة فرمان، والتي أشارت لها الباحثة الدكتورة صبا علي خضيرالمعموري في كتابها (الاتجاهات الفكرية في الرواية العراقية)

الرواية العراقية في الخمسينيات

أكدت فيه أن مرحلة الخمسينيات شكلت مرحلة محتدمة سياسيًا وفكريًا وثقافيًا، إذ عرفت تفتح الوعي القومي ومحاولة إيجاد الذات الضائعة وتأكيد الهوية الوطنية، فشهدت ثورات وانتفاضات جماهيرية واسعة كانت تهدف للخلاص من الاستعمار واستعادة السيادة والحرية….

وأشارت الكاتبة المعموري أنه لم يكن أمام الرواية العراقية الساعية إلى تأكيد وجودها إلا الالتحام بالواقع والتعبير الفعلي عن متناقضاتها بعدما أصبحت السياسة جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية.

ومن هنا جاء الاهتمام بهذه المرحلة التأريخية من مسيرة الرواية العراقية واختيارها لتكون منطلقًا تأريخيًا للبحث في أثر الفكر عليها.. مؤكدة بأن البحث لا يستهدف البداية الفنية الناضحة للروائية العراقية التي حددها النقاد برواية (النخلة والجيران) عام ١٩٦٦ للراحل غائب طعمة فرمان.. بل يعني بداية تشكيل الوعي الفكري للكتاب ودرجة تأثيره على نتاجهم الأدب..

حسن الموسوي يجسد العلاقات في روايته «ليتني لم أفق»

أقول لقد استطاع الكاتب حسن الموسوي أن يعيدنا في روايته «ليتني لم أفق» إلى تلك الأجواء والصور المعبرة التي جسدت الحالة التي يعيشها الناس وعلاقتهم الواحد بالآخر، حتى تصل ذروتها في علاقة الأب بأولاده وزوجته وما يترتب على ذلك من منعطفات قد تكون خطيرة وذات نهايات تعيسة للأبناء مثلما صورها لنا الكاتب حسن الموسوي في (رحيل أبي المفاجئ وتخليه عنا بهذه السهولة، وتركه لنا وحيدين وسط هذا العالم المخيف المليء بالمفاجآت غير المتوقعة ترك بداخلي جرحًا غائرًا لم يندمل لسنين عديدة)..

في هذه الإيحائية الموجزة والسردية السلسة والمباشرة يبين لنا الكاتب حجم المعاناة التي يحملها الأبناء بمجرد فقدان آبائهم ويصور لنا هالة الفراغ الإلهي الذي يتركه الأب؛ أي أب سويًا كان أم مضطرب السلوك والتصرفات والعادات والتخرصات الآدمية التي تغور في أعماق النفوس وكما خلقها الرب ومنحها الخصوصية والأيدلوجية في التركيبة والبناء… وهذا ما يتاكد جليًا في مناجاة الكاتب (مع غروب الشمس في ذلك اليوم الكئيب بدأ كل شيء موحشا بغياب أبي الراحل إلى غياهب المجهول..)..

الوحي الصامت في الرواية

ثم يعاود ذلك الحديث الروحي الصامت بينه وبين نفسه المعذبة (بعد لحظات شعرت برغبة كبيرة في البكاء.. لكني حبست دموعي لكي لا تهتز صورتي في نظر أمي، فلقد أصبحت رغم صغر سني رجل البيت الذي تقع عليه كل المسؤولية ولو بشكل رمزي )..

 في هذا المشهد أراد الكاتب أن يوحي لنا بأنه قد تحمل المسؤولية كاملة بعد غياب والده المفاجىء… وأن عليه أن يبدو أكثر اتزانًا وصلابة أمام والدته التي بدت عليها علامات الخيبة والتيه والشعور بالضياع اللامتناهي بعد غياب زوجها وشعورها بالوحدة والفراغ…

وفي الفصل الثاني من الرواية يعود الكاتب حسن الموسوي ليكشف خبايا جديدة عن الظلاميات التي قد يعيشها المرء بعد غياب الأب… باعتباره هو الراعي الأوحد والقائد للعائلة أي عائلة ومن دونه يصعب السيطرة على الأبناء وتربيتهم وإعالتهم وتحمل مسؤولية العيش خاصة لفئات من الناس وهم شريحة الكسبة أو ما يسمى (بالقوت اليومي) أو المعاش اليومي فيصف لنا الحالة بأدق تفاصيلها بالقول (رقود والدتي في المستشفى منذ أكثر من أسبوع، وغياب والدي الذي استمر أكثر مما ينبغي، كل هذه الأمور ألقت بظلالها على الجميع، وجعلت حياتنا تسير بوتيرة طغى عليها الحزن)…

ويضيف (كان ذلك بعد رحيل والدي بسنتين، يومها كنت في الصف الثالث الإبتدائي ولم أعرف ساعتها ماذا أفعل)…

مسلسل الحزن مستمر

ويستمر مسلسل الحزن الذي شعر به مذ حط رحاله هو وخاله عند بناية كبيرة تبين فيما بعد أنها مستشفى عام (الكندي).. وسط بغداد… وعلم فيما بعد أن والدته توفت هي الأخرى.. وأنها مودعة في ثلاجة المستشفى… (للحظات ساد المكان صمت مطبق، اقترب خالي من الثلاجة اتكأ بجسمه النحيل عليها، وضع خده على باب ضخم وأطلق العنان لدموعه)… قال خالي (اسمع يا حبيبي، أن أمك في سفر بعيد، وعليك منذ اليوم أن تتعود على غيابها) …

وهنا لابد لنا أن نشير بأن الكاتب حسن الموسوي قد تعلم من فراق والده الكثير من الدروس في الاعتماد على النفس وعلى قدرة والدته وصمودها بوجه الأقدار والمصير المجهول الذي ينتظرها هي وولدها… حتى انتهت تلك الحكاية بموت الأم واعتماد البطل على خاله…

كما هو الحال في فصول الرواية الأخرى والتي قرر فيها الكاتب أن يغير مسار الأحداث والوجدانيات ليكون أكثر شجاعة في أن يغادر هو هذا الواقع ويذهب إلى بقعة أخرى من بقاع العالم..

تجسيد الأب في الروايات

صحيح أن هناك روايات جسدت صورة الأب في المجتمع بشكل عام وتحمله المسؤولية الأسرية بشكل خاص ومن بين تلك الروايات رواية (الأب) للكاتبة الأميركية دانيال ستيل وهي من الروايات الاجتماعية وتدور أحداثها حول أب يجد نفسه وحيدًا مع ثلاثة أطفال في مراحل عمرية مختلفة بعدما هجرته زوحته..

و(ترصد الرواية عبر مستويات السرد كيف يعاني الأب من أجل توفير متطلبات الأبناء المختلفه )… وهناك روايات أخرى تتحدث عن علاقة الأب بالأبناء ومنها (ظل الريح) للكاتب رويز زافون وبول اوستر وماغريت مازانيتي وغيرها…..

مما تقدم ندرك بأن الروائي حسن الموسوي في روايته «ليتتي لم أفق» وبجميع فصولها، تبين مكانة الأب وتأثيره النفسي والأخلاقي والإنساني والاجتماعي، كموروث على الأبناء… وأنه ككاتب تمكن إلى ماهية الكتابة المباشرة للقصة والرواية مثلما فعل غيره من الكتاب الذين جسدوا أعمالهم بالواقع وتناقضاته

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى