حفل توقيع

دلالات مشتركة بين «أسبوع شتوي» وسيرة كاتب

البطيحي: سأتحدث عن الجانب الأدبي الذي لوّن اتجاهي في هذا المجال

Advertisements

احتفت جمعية «الثقافة للجميع» بالعراق، يوم الجمعة الموافق 25 مارس 2022، بصدور ترجمة رواية «أسبوع شتوي» للكاتب والمترجم العراقي عبد الصاحب البطيحي، الصادرة عن دار النخبة العربية للنشر.

وفي هذه الاحتفالية التي أدارها الشاعر جاسم العلي، ألقى الكاتب عبد الصاحب البطيحي كلمة بعنوان سيرة و«أسبوع شتوي» كان نصها: 

قبل الحديث عن رواية «أسبوع شتوي» سأتحدث قليلًا عن أمور سنرى على ضوئها أن هناك دلالة مشتركة بينها وبين فحوى هذه الرواية التي طبعت في دار النخبة بمصر.

سيرة الكاتب عبد الصاحب البطيحي

في مسيرتنا اليومية نلتقي بأمور كثيرة، منها ما هو مفرح ومنها ما هو محزن ومنها ما هو عامل إحباط، ومن الحكمة أن نمتلك سلوكًا واضح المعالم يجنبنا الخضوع إلى نشوة النجاح أو ألم الخسران أو الإحباط نتيجة لعمل فاشل سببه إهمال منا أو مشاكسة البيئة لنا. وأفضل الأمور أن ننسى كلمة «الفشل» كمفردة في اللغة، وإن كان علينا ذكرها فذلك لأننا نعتزم التغلب عليها مسترشدين بمقولة «من جَدَّ وَجد».

وبالتأكيد لكل امرئ هنا لديه من التجارب ما اعتبر بها واستفاد منها مرشدًا في الحياة. في ما يخصني سأتحدث عن الجانب الأدبي الذي لوّن اتجاهي في هذا المجال. منذ الصغر كنت أحب قراءة الشعر العربي القديم وأنتشي بجمال أسلوبه في وصف معالم الحياة الراهنة آنذاك، وفي الوقت ذاته كنت شغوفًا بما تكتبه الشاعرة نازك الملائكة والسياب، اما في مجال النثر فكنت أقرأ كتابات طه حسين والعقاد ونجيب محفوظ وغيرهم ممن هم في الساحة الأدبية آنذاك.

تجربة كتابة الشعر والرواية

جربت كتابة الشعر لكنني عزفت عن ذلك، فكرت في كتابة الرواية غير أنني وجدت نفسي تميل إلى كتابة القصة القصيرة؛ كتبتها في وقت متأخر، أي في تسعينيات القرن الماضي، أغلبها تتحدث عن الغبن الذي يلحق بالناس نتيجة للواقع المؤلم وردة الفعل الرافضة له، كما ظهر في بعض هذه القصص ما يشبه التدوين لأحداث بعينها حدثت في كل من زمن النظام الملكي والأنظمة المتعاقبة للنظام الجمهوري.

الترجمة في حياة الكاتب

أما في مجال الترجمة فقد دخلت في هذا المضمار بعد أن درست اللغة الإنجليزية في قسم اللغة الإنجليزية في جامعة بغداد في أوائل الستينيات من القرن الماضي، وأذكر في حينها كيف انكشفت لي مغاليق بعض الأمور النحوية مثل: ما هو اسم الفاعل واسم الفعل والمصدر بنوعيه، كما اتضحت ملامح الالتقاء والاختلاف بين اللغة العربية والإنجليزية نتيجة لدراسة القواعد وعلم اللغة والشعر والرواية والدراما، إضافة إلى ما درسناه في اللغة العربية من مواد في علم النفس والاجتماع.

 ترجمت قصصًا قصيرة لكُتّاب من مختلف أنحاء العالم إلى اللغة العربية وكذلك قصصًا وشعرًا من اللغة العربية إلى اللغة الإنجليزية. وفي مجال الرواية ترجمت رواية قصيرة بعنوان «شبكة شارلوت» التي يقول مؤلفها: كل ما أريد قوله أنني أحب هذا العالم. ورواية أخرى تحمل عنوان «أسبوع شتوي»، التي تتجه ذات الاتجاه. وهي ما سنتحدث عنه في جلستنا هذه.

رواية «أسبوع شتوي»

رواية «أسبوع شتوي»، التي ترجمت إلى العديد من اللغات، انطلقت من ساحل أيرلندا الغربي، كتبت عام 2012، مثلت آخر ما كتبته الروائية الأيرلندية «ميف بنجي» التي توفيت بعد الانتهاء منها مُخلّفة الكثير من الروايات والقصص القصيرة والمقالات، تناولت فيها الاحتدام القائم بين الريف والمدينة، والتناقض بين إنجلترا وأيرلندا، وكذلك التغييرات المثيرة بعد الحرب العالمية الثانية وحتى الوقت الحاضر.

 نالت المؤلفة إعجاب جمهور واسع، وبدروها أحبت الناس. كانت رسالتها في كل ما تكتب هي بث روح الثقة والاعتماد على القدرة الذاتية؛ فهي ودودة مع شخصيات روايتها، تكون إلى جانبها في عثراتها كما تمجد أعمالها المثمرة.

كتبت هذه الرواية بعين المرأة ذات رهافة الحس ودفق الحنان والتي لم يذلها الخذلان؛ ذلك الخذلان الذي منحها لاحقًا قوة الشخصية وثبات العزيمة ومحبة الناس.

كتبت الرواية هذه بلغة سهلة بعيدة عن التعقيد، واتخذت سبيل سرد أحداث تمتد عبر أكثر من جيل، إذ يغدو المؤسسون آباءً ثم أجدادًا، والأبناء تتعدد بهم المشارب، وتتشابك عندهم الرغبات، وتنكشف ردود أفعالهم أبان مسيرة الحياة، والأحفاد تنتظرهم الأيام.

 انعكست تجارب المؤلفة في حياتها اليومية على تجربتها في الكتابة حيث وظفتها بطريقة تخدم الخط العام للعمل الروائي.

شخصيات الرواية

احتشدت في الرواية شخصيات رئيسة مثلت شرائح واسعة من المجتمع. هناك أكثر من اثنتي عشر شخصية رئيسية توزعت على الفضاء الروائي، إضافة إلى أخرى ثانوية تتحرك هنا وهناك.

 أما السرد فقد توزع ممتدًا على عشرة فصول صيغت بهيئة قصص قصيرة لكل قصة رموزها وبيئتها مكونة عالمها الخاص، احتفظت الروائية بخيوط الترابط بين هذه الشخصيات تظهرها للعلن في حينها، تمثل ذلك في التقائها خلال أسبوع شتوي .

يخرج القارئ لهذه الرواية بحصيلة معرفية غزيرة لواقع الحياة الاجتماعية حيث يحظى بمشاهدة الناس في حركتهم الحقيقية، يفرح لفرحهم ويتألم لألمهم يصفق عندما ينجحون، وينشد إصلاح حالهم عندما يخفقون.

ارتباط الأحداث والشخصيات بالمكان

تكتمل صورة الأحداث والشخصيات الروائية عند ارتباطها بالمكان، يتمثل جلّه، بستون هاوس، المنزل القديم الذي شيد على المنحدرات العالية لتكّون منه الشخصية الرئيسة “جكي” منتجعًا يقضي فيه الضيوف أسبوعًا شتويًا.

وظفت الروائية المكان لتظهر علاقة الحاضر بالموروث، فالعمل الرصين يؤدي إلى نتيجة رائعة إذا نشأ على قاعدة الاحتفاظ بوشائح الموروث الذي لا يؤخذ استنساخًا بطبيعة الحال، إنما يتم تطويره ليحاور الحاضر، مثل الموروث عندما اشترت جكي المنزل القديم وحولته إلى دار استراحة يلائم الحاضر آنذاك.

 جكي، الفتاة التي خضعت لإغراء شاب، هو سائح أمريكي، أقنعها بالزواج  والعيش في موطنه أمريكا، على الرغم من عدم موافقة عائلتها، تخلّى عنها وتركها تواجه مصيرها. غير أنها استطاعت بجهدها وذكائها أن تتغلب على المصاعب وتعود إلى بلدها وتنشر المحبة، وهي شخصية ابتدأت وانتهت بها الرواية، مثل سلوكها الجانب المشرق للنفس البشرية.

الخاتمة

ختمت الرواية بخاتمة مفتوحة تشير إلى انسيابية الحركة الاجتماعية، ينعدم فيها الحيز القائم بين النهايات والبدايات، فبداية كل شيء هو نهاية لشيء سبقه. وفي الوقت ذاته تمهد النهاية لبداية من نوع ما.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى