إبداع

ذواتنا بين قوسين… التأمل(1)

محاولة لتسليط الضوء على نقطة مهمة لابد من الانتباه لها وهي عملية التفكُّر

Advertisements
Latest posts by سهام مهدي الطيار (see all)

منذ فترة ليست بالقليلة صار موضوع التنمية البشرية متداول بين عدد من فئات الشباب والبنات خصوصًا ممن يشعرون بصراع دائم داخل ذواتهم ما بين تقبُّل الواقع وبين أحلامهم المشروعة في متاهات عصيبة أوجدتها عوامل عدة منها العادات والتقاليد وأخرى أساليب التربية البالية خصوصًا ضمن عوائل تسيدها أشخاص (وهم مرضى نفسيين ولا يعلمون بأنفسهم)، لعبوا دورًا كبيرًا في مستقبل أبنائهم.

لكن من يجرؤ على القول بأن والدته تعاني من عقدة الحرمان من جانب معين وتم تسقيط هذه العقدة على باقي الأبناء، أو أن سلوك الأب مثلًا وتصرفاته جاءت نتيجة العنف المفرط الذي تعرض له في صغره، أكيد صعب اكتشاف ذلك؛ بل أن سلوكيات الأسرة بأكملها قد بُني على هذا الترتيب.

لذا نلاحظ أحيانًا عائلة بأكملها اعتادت الخوف من المحيطين والتعامل بسوء النية وبأن المقابل يضمر له الشر سواء كان جارًا أو صديقًا ونمت أفراد الأسرة كلها بأفراد انعزالين وهذا بدوره يحرمهم فرصة الاطلاع والاختلاط وتبادل الأفكار الجديدة وصُنع فرص مبتكرة والنجاح في الدراسة والعمل والزواج فيما بعد.

 هذه محاولة لتسليط الضوء على نقطة مهمة لابد من الانتباه لها وهي عملية التفكُّر وإعطاء ساعة في اليوم تقريبًا بمراجعة عوامل النجاح والانتباه لأسباب ارتقاء بعض الأفراد ومدى انسجامهم ضمن النسيج الاجتماعي، وما هو مستواه؟

من هنا سيبدأ عملية التأمل التي ينصح بها عدد كبير من الأطباء والمرشدين الاجتماعيين، ويفضَّل أن تتم عملية التأمل وسط جو مريح غني بالأوكسجين على ساحل البحر مثلًا أو ضمن فضاءات خضراء يراجع فيها الفرد ويبحث عن ذاته ومستوى وعيها، وهل ما يملكه من سلوك وعادات صحي وغير نابع من تقليد أعمى لسلوكيات الأب والجد وأنه صحي لا مرض فيه؟

 قد يحتاج وقتًا طويلًا كي يكتشف الجوانب كلها لكن يكفي في كل جلسة يضع إصبعه على أحد عاداته أو أسلوب تعامله مع المحيط، وهل هو راضٍ عنه ويؤدي إلى نجاحه ومرضاة ربه كي يكون على يقين بأنه صادق مع نفسه ويتفعل لديه شعور الثقة بالنفس بأعلى مستوياته، الشرارة الأولى قد تحركه إلا أنها تتطلب المواصلة وتخصيص الوقت وتلافي شعور الإحباط وبأنها محاولات فاشلة وهدرًا للوقت؛ لأن معاناة البعض تضاعفت وخزنت تراكمات شتى تنوعت ما بين الخوف والحقد والمغالاة، صنعت حواجز صلبة تحتاج العمل عليها بالاستعانة بالمرشد الخاص بالتنمية البشرية ليأخذ بيده نحو الوجهة الصحيحة والانطلاقة الأولى.

تبدأ عملية التأمل في جلسة مريحة على العشب الأخضر أو أرض رملية أو ترابية للاستفادة من طاقات الأرض لأبعد مدى، وأن يرتدي ملابس مريحة غير ضيقة وإن توفرت الموسيقى الهادئة لا بأس فلها دور مؤثر، أو قد يكتفي المتأمل بصوت الطيور أو زقزقة العصافير، وحتى لصوت البحر ورائحته دور كبير لا يُستهان به.

مثال: يحاول عبر جلسته استعراض الأشياء التي يحبها وتشعره بالارتياح خصوصًا من أمنيات يرغبها في مجال وظيفته أو عمله الخاص أو تجارته مثلًا ويحاول علاجها وطرق الارتقاء بها ومن ثم مقارنة هذا النجاح مع المبادئ الحقيقية في الحفاظ على أدائه النزيه والابتعاد عن وسائل المراوغة والتلاعب، وأن يكون صادقًا مع نفسه وفتح صفحة جديدة يشعر خلالها بالتخلص من عاداته المتكررة بذات الملل والتي يقف إزاءها أحيانًا وقفات سريعة ويشعر بوخزاتها بمشاعر سيئة، وهذا إحساس يثقل كاهله مع مرور الوقت ويمتص من طاقاته؛ يحوله فرد مُتثاقل يصعب أن نرى إشراقة الأمل والإبداع في نظرة عينيه، لكن بتكرار جلساته سيفتت تحجر العقدة المصاحبة ويزيح ثقلها الذي يحمله بين جنباته، ومع الوقت يصبح لديه خبرة كبيرة واحتياج  لعمل هذه الجلسات لأنه سيلاحظ نتائجها منعكس على نفسه وملامح وجهه التي تغيرت وطغى عليها طابع الارتياح والقناعة وهذا سينعكس على صحته البدنية وتعامله اليومي مع المحيط . 

تغيير العادات يحتاج بعض الوقت؛ وليكن تخصيص شيء من الوقت للتأمل واجب ضمن البرنامج اليومي لكل فرد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى