حول العالم

رحلة إبداع عبر قرنين من الزمان

حوار النخبة مع الكاتب الروائي العراقي الكبير أحمد خلف

  • العديد من أصدقائي كانوا يمدون يد العون من مقتنياتهم الكتبية الخاصة
  • وسائل التواصل الاجتماعي تمنح الاستقلالية في التفكير والكتابة
  • يصعب الآن تحديد واختيار روائي عربي في مستوى جائزة نوبل
  • كنت من خلال كتابي هذا كأني أجلس على أحد رفوف كتب المعرض ذاك
  • إذا أردت أن تصبح كاتبًا مرموقًا عليك بالقراءة والقراءة وحدها فقط

الأديب والروائي العراقي الكبير أحمد خلف، بدأ مشروعه الإبداعي منذ ستينات القرن الماضي، صاحب ذائقة سردية متميزة، صدرت مجموعة أعماله الكاملة عن دار النخبة للنشر.

أجرينا معه هذا الحوار الثري والمفيد لكل مثقف ومبدع في الوطن العربي كشف فيه عن جانب من حياته الشخصية وأبدى رأيه في الكثير مما يخص الحركة الأدبية.

نص الحوار..  

  • أنت صاحب مشروع روائي كبير وقد تشرفت دار النخبة بنشر أعمالك الإبداعية الكاملة، متى بدأت مسيرتك ككاتب؟

-لا يمكن تحديد زمن قطعي ونهائي للبدايات التي سار على هديها المبدع إنما نستطيع إعطاء زمن قريب من تلك الأيام التي استطعت كسب ود أساتذتي وأقراني، وكنت وما زلت أستفيد من تجاربي التي أمرُّ بها، وقد كان للقراءات الكثيرة أثر مهم في إنضاج تجربتي الإبداعية إذ كان عام 1966 هو أول عام نشرت فيه أول قصة لي في جريدة الجمهورية في بغداد، إذ قبلها كانت مجرد محاولات عديدة في الوصول إلى الغاية التي يجب الوصول إليها. إلا أن هذه القصة البسيطة المحتوى دفعتني نحو خوض الكتابة أكثر وبروح غير مترددة .

  • حدثنا عن الصعوبات والتحديات التي واجهتك وكيف تغلبت عليها، حتى حققت كل هذه الإنجازات؟

– اتسمت مرحلة تشكلنا الثقافي والمعرفي بنوع من التعاون بين أبناء جيلنا جيل الستينات، لكن هذا وحده لم يكن كافيًا مما دفعنا للاعتماد على طاقتنا الذاتية ولقد كانت الرقابة على أشدها فيما مضى من أعوام، وربما التخوف من منزلقات السياسة هو أحد أبرز أعوام التعطيل، لكن رغم ذلك كانت ثمة مراحل وأوقات كانت الرقابة تكف عن التشديد كما حصل في نكسة العرب الكبرى مع إسرائيل. أما على المستوى الشخصي فقد كنت من أسرة متوسطة الحال إن لم تكن دون ذلك في بعض الأوقات مما يعيق حصولي على مصادر وكتب مهمة، إلا أن العديد من أصدقائي كانوا يمدون يد العون من مقتنياتهم الكتبية الخاصة كما فعل الشاعر الراحل فوزي كريم الذي أمدني بالكتب ولسنوات حتى استطعت الحصول على وظيفة في إحدى مؤسسات الدولة ثم العمل في مجلة الأقلام مما جعل الكتب ميسورة لدي، وكنت أسهر الليالي حتى الفجر لقراءة أي كتاب هو في الحقيقة استعارة من صديق أو معارف.

  • ما أهم قراءاتك في السابق والآن سواء في مجال تخصصك أم بشكل عام؟

-لعل أبرز ما تمكنت من قراءته من كتب هو القرآن الكريم، وقد حفظت عددًا كبيرًا من صفحاته المزدانة باللغة العربية الفصحى الجزلة، ثم كتاب ألف ليلة وليلة وثلاثية سارتر المسماة دروب الحرية ومعظم روايات نجيب محفوظ وما ترجم لبلزاك وسارتر وكامو، كما أن الرواية الروسية كانت تحظى باهتمامنا وخصوصًا دستيوفسكي وتولستوي. كما كان معروفًا عني الاهتمام  بقراءة كل ما يقع بين يدي من الرواية العربية والإنجليزية وترجمات دار الآداب اللبنانية ودار العلم للملايين، وما تترجمه دور الترجمة والنشر المصرية المعروفة بنشاطها الطباعي، ومما أعتز به أني تمكنت من قراءة معظم مؤلفات طه حسين ونجيب محفوظ.

 لقد كان هذا في فتوتنا وشبابنا أما بعد ذلك فقد اتسعت دائرة قراءاتنا حتى شملت مقدمة ابن خلدون والأساطير اليونانية والإغريقية ومعظم أساطير الشرق، إذ كان الولع بالأسطورة أحد أبرز اهتمامنا بعد الثمانينات والتسعينات، وفي أحيان أخرى تمتد عنايتنا بالأساطير إلى اليوم وبتأثير علاقتي بعدد كبير من الشعراء من الأصدقاء كفاضل العزاوي وفوزي كريم وخالد علي مصطفى وجليل حيدر، فقد شغلتني اللغة الشعرية ردحًا من الزمن ولا أنكر متابعتي الجادة لتاريخ العراق وهو أمر شغلني مرحلة التسعينات من القرن العشرين ثم عدت لقراءة ما استجد من كتب ومصادر بعد الاحتلال البغيض للعراق.

 كما شملت قراءاتي كل ما قدمته دور النشر العربية لرواية أمريكا اللاتينية وقد تعرفنا على أروع الكتاب والمترجمين؛ كصالح علماني رحمه الله الذي ما إن أرى اسمه على الكتاب المترجم حتى يطمئن قلبي إلى نوع الترجمة، التي شملت معظم روايات ماركيز وسترياس وبورخس وغيرهم كثيرون .

  • من هم الكُتاب الذين تاثرت بهم أكثر من سواهم سواء على المستوى العربي أو العالمي؟

-لا يمكن حصر مؤثرات الكاتب بكاتب معين من كُتاب العالم، ولكن يمكن الإشارة إلى مَن شكّل ذائقتنا السردية أو ساهم في تطويرها؛ فقد كان دستيوفسكي صاحب رواية الأبله والإخوة كرامازوف أثر واضح على الكُتاب الذين هم يحملون همًا إنسانيًا عامًا، والكاتب الثاني هو الكاتب العربي الكبير نجيب محفوظ الذي كان له الأثر البالغ في حياتي الذاتية والكتابية، ولعل نجيب محفوظ قدم لي أحد الحلول الناجعة في استخدام اللغة العربية دون التورط في اللهجة أو اللغة المحلية، ولقد حبذ لي هذا العملاق قضية اللغة الوسطى بين اللغة القاموسية واللغة العامية بحيث أصبح لدينا لغة وسط، تلك التي عرف فيها أدب نجيب محفوظ في كل ما كتبه، كما حظيتُ بأغلب كتب توفيق الحكيم باستثناء المؤلفات التي صدرت في عهد الرئيس السادات فقد تعذّر علي الحصول عليها ربما لتقاعسي في البحث عنها في زياراتي للقاهرة العزيزة على قلوبنا، وشملت قراءاتي معظم العبقريات للعقاد، ولا ينكر اهتمامي بالجيل الستيني في مصر وما حققه من نجاح باهر على مستوى النص القصصي والروائي. إن القراءات الجادة والمخلصة للكتابة لا تحددها كمية الكتب وعددها بل النوع الذي يستقي منه القارئ الذي يريد أن يصبح صنونًا لكتاب آخرين قد أعجب بهم وتمنى التفوق عليهم .

  • لو طُلب منك ترشيح أحد الروائيين العرب المعاصرين لجائزة نوبل. مَن تختار؟

 -يصعب الآن تحديد واختيار روائي عربي في مستوى جائزة نوبل خصوصًا بعد رحيل يوسف إدريس وفؤاد التكرلي وحنا مينا وسهيل إدريس، ولكن أتمنى أن يفوز بها الشاعر السوري أودنيس لأنه آخر الأصوات التي قدمت ما هو مغاير بل ومهم للثقافة العربية والإنسانية.

  • إلى أي مدى استفدت في مسيرتك كروائي من تطور وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي؟

-نعم تمت الاستفادة من هذه الوسائل التي أول ما تمنحه لنا هو الاستقلالية في التفكير والكتابة حيث لا يوجد رقيب يمكن أن يثير مخاوفنا، ومعظم من حصلت لهم الإساءة بعد النشر في الفيس بوك أو التويتر وغيرهما إنما ترتكز العقوبة على تورط الكاتب بالطائفية أو التجاوز أو المبالغة في النقد، لكن الزملاء الذين يتصدون لنقد الظواهر الثقافية والاجتماعية وحتى السياسية لا يمسهم أحد حتى لو كان في نقدهم ما يغضب البعض. إضافة إلى أن هذه الوسائل جعلت من صفحاتنا المستقلة أشبه بالصحف اليومية التي نرعاها وحدنا.

  • هل تجد في الوظيفة قيودًا على الإبداع؟

-نعم الوظيفة أمرها أو شأنها شأن أي ظاهرة اجتماعية تتطلب الإذعان وتنفيذ المتطلبات. لقد ازدادت درجة اندفاعي للعمل بعد أن تخلصت من ثقل الوظيفة مع أني كنت أعمل في مجلة أدبية معروفة وهي مجلة الأقلام. إلا أن تغيرًا ملموسًا أحسه وأعيشه بعد الإحالة على التقاعد. 

  • حدثنا عن شعورك عندما ترى مؤلفاتك مشاركة في معارض الكتب وما يتيحه ذلك من وصول إلى القراء في مختلف أنحاء العالم؟ 

-الحقيقة هو شعور مزدوج؛ أي  تشعر أنك موجود هنا والجميع له الحق في إلقاء نظرة عليك من خلال كتابك، ولكنها نظرة لا بد أن تتسم بالود والاحترام حتى لو لم يبتاعوا الكتاب، والشعور الآخر هو أنك ستسافر إلى مكان آخر من خلال كتابك إلى معارض كتب في بلاد أخرى ربما يكون وجودك مرحب به من قبل ناس أنت لا تعرفهم ولكن يهمهم أن يقتنوا كتبك. ومن الطريف أن أذكر أني لما شاهدت أحد كتبي لأول مرة في أحد المعارض للكتب انفجرت بضحكة تعذر علي معرفة دوافعها سوى أني كنت من خلال كتابي هذا كأني أجلس على أحد رفوف كتب المعرض ذاك.

  • إلى أي مدى حققت حلمك ككاتب وأديب وما الحلم الذي لم يتحقق حتى الآن؟

-بالتأكيد الأحلام كثيرة ولكن التحقق يبدو في بعض الأحيان عسيرًا، وهناك عوائق تتصدى لتقويض الحلم لكننا نعمل ولا نكف عن العمل أبدًا، ذلك هو ديدننا وقد حققت بعض الأمنيات التي فكرت فيها طويلًا ، أما ما لم يتحقق هو كتابة رواية ملحمية عن مكابدات شعب العراق وما عاناه من جور وقهر وفساد، شعب كهذا تمنيت كتابة ملحمة عنه، لكن لم تعد لدينا المقدرة على كتابة ملحمة بمواصفات أرسطو طاليس.

  • هل تنتج الحروب والثورات مبدعين؟

-كلا، لا تنتج الحروب مبدعين يشار لهم بالبنان كما يقال، إنما تنتج عددًا من الدعاة أو أولئك الذين يصفقون للسلطة بغية الاستفادة من مواردها أو بالأحرى من خزائنها، هذا الصنف من الكُتاب لن يكون له مستقبل مهم وسيظل مجرد رقم تستدعيه السلطة كلما شعرت بالحاجة له، أما الثورات أجد شأنها مختلف عن الحروب وينبغي أن نحسب للثورة حسابًا آخر إذ لا تقارن الثورات وخصوصًا الشعبية منها، لا تقارن بالحروب التي لا تجلب سوى الدمار والخراب. الثورة هدفها واضح جدًا وهو إزالة نظام ضيق الأفق متهالك ورجعي في تطلعاته إلى نظام يحب الحياة ويقدس شعبه ويريد له الخير.

 أما هل تنتج الثورة مبدعين؟ أعتقد أمر ذلك صعب التكهن به إذ ينبغي أن تكون الثورة قد نضجت وولد مع ولادتها مبدعيها الذين يعملون على تزكية عدد من المتطلعين لخدمة الثورة أو الكتابة عنها، ويمكن لهذه الطليعة من الكُتاب أن يمارسوا حقهم في توضيح أهداف الثورة والدفاع عنها والتي هي أهداف شعب يطمح نحو الحرية والقضاء على الفساد .

  • هل على الكاتب مسؤولية تجاه مجتمعه؟ وهل يمكن للكاتب قيادة الجماهير وتوجيهها؟

-ينطوي السؤال على شطرين؛ الأول هو المسؤولية التي يتحملها المبدع تجاه شعبه والشطر الثاني هو قيادة الجماهير. يحدد وعي الكاتب دوره ونظرته للحياة والناس ومجتمعه ومن ثمَّ عليه معرفة لماذا يكتب؟ ومن أجل مَن ينبغي أن يكتب؟ ويستطيع أن يضع له نهجًا خاصًا في تعامله والتزامه من قضايا الناس ولا يصح أن يخلق له عزلة منغلقة، إذ هناك الكثير من القضايا التي يمكن لها أن تتجسد بوضوح حالما يتبناها في كتاباته كمحو الأمية واليقظة الفكرية ومعاونة الناس على خلق حياتها نحو الأفضل، أما قيادة الجماهير لا أجد ما يبرر ذلك، اذ هذا هو دور السياسي الذي يمضي حياته في سبيل قيادة الجماهير نحو أهدافها المرسومة لها، الأديب معني بخلق ثقافة ناضجة يستفيد منها الشعب، أما السياسي عليه الأخذ بيد الجماهير نحو بر الأمان .

  • كيف ترى مستقبل الكتاب الورقي؟ وهل يستطيع الصمود أمام الكتاب الإلكتروني والمسموع؟

-المنافسة المعلنة بين الكتاب الورقي والإلكتروني لن تفضي إلى نتيجة حاسمة لأنهما ومنذ البداية قد حددا مدار تواجدهما وطبيعة اشتغالهما بحيث لا يمكن لأحدهما أن ينوب عن الآخر وهذا ما أريد التوصل إليه، أي أن مستقبل الكتاب الورقي سيبقى كما هو وسيتطور نحو الأفضل بل سيزداد الطلب عليه أكثر، وذلك لخصائصه الجمالية والتكوينية إضافة إلى تمتعه بميزة الملكية الخاصة عندما يكون من النوع النادر، ولا أعتقد أن الكتاب الإلكتروني يمتلك ميزات متفردة ومحسوسة كما يمتلكها الكتاب الورقي. ويمكننا أن نتحاور مع أي مثقف لتوجيه السؤال التالي له: أمامك رواية في كتاب ورقي وطباعة ممتازة ودار نشر بارزة، والرواية ذاتها توجد على قرص مدمج وبالمواصفات الممتازة، مَن ستختار مِن منهما؟ أكيد ستمتد يده إلى الكتاب الورقي ليضعه في المكان المناسب وليعلن لنا عن سعادته بامتلاك الكتاب الورقي .

  • هل استطاع الإنترنت أن يؤسس لحركة ثقافية وتواصل بين المبدعين العرب؟

-نعم تمكَّن من تأسيس أكثر من نشاط ثقافي ومعرفي وقنوات اتصال بين المبدعين العرب، وخصوصًا الشباب منهم وما نشهده من فاعلية ثقافية مشتركة كتأليف الكتب المنفردة أو المشتركة، إضافة إلى فاعلية دور النشر التي أصبح لها نشاط ثقافي متميز في زمن الإنترنت، إضافة إلى روح الاتصال الضروري بين الأدباء العرب. ولقد انتبهت إلى أني لم أعد أعاني من مدة الاتصال بأصدقاء عرب وضياع الوقت وربما ضياع الفرصة، لقد قدم الانترنت لنا ما كنا نحلم به .

  • ما هي آخر مشاريعك الروائية؟

-محاولة روائية لكتابة رواية عن فترة الفتوة والشباب من خلال حكايات ألف ليلة وليلة، وهي رواية أخذت تتسع وتحفر بعيدًا في إشراك عناصر واقعية مع عناصر أخرى هي نتاج ألف ليلة. 

  • كلمة أخيرة تود تقديمها لقراء النخبة؟ وماذا تقول إلى الكُتاب الجدد؟

-أقول لهم كلمة واحدة: إذا اردت أن تصبح كاتبًا مرموقًا عليك بالقراءة والقراءة وحدها فقط .

-تحياتنا إلى دار النخبة ومديرها العام المبدع الأستاذ أسامة إبراهيم سلمان  على نشاطه الثقافي المميز، أدعو له بالتوفيق والاستمرار نحو الأفضل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى